الرئيسية / وجهات نظر / “إسرائيليون” في تونس
8f0a02b040b43ed3320ef83ed56a49a5

“إسرائيليون” في تونس

“بالنسبة لي القضية التونسية هي القضية الوحيدة المقدسة” . بهذه الجملة الغارقة في القُطرية رد أحد “المثقفين” التونسيين على الانتقادات الواسعة في تونس، وكذلك صدور مطالبات من نواب وسياسيين بسحب الثقة من وزيرين، على خلفية السماح بدخول يهود “إسرائيليين” للبلاد واستقبالهم رسمياً من جانب وزيرة السياحة . “المثقّف” أرعد وأزبد وذهب بعيداً في تتفيه المسألة واعتبار التطبيع مع “إسرائيل” قضية سياسية، حيث تحدّث عن وحدانية قداسة القضية التونسية باعتبار أن زيارة “الإسرائيليين” إلى تونس “تخدم” السياحة وتدعم الاقتصاد التونسي، حتى وإن كانت طعنة في قلب القضية الفلسطينية .
من المعروف أن الشعوب العربية بأغلبيتها الساحقة ترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني باعتباره العدو التاريخي للأمة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وباعتباره يحتل فلسطين وأراضي عربية أخرى، ويرتكب الجرائم وينتهك المقدسات الإسلامية والمسيحية . وتدرك الشعوب العربية أن خطر هذا الكيان وأطماعه لا تتوقف عند حدود الأراضي التي يحتلها، بل تتجاوزها إلى العبث والتخريب والتجسس في أي مكان تصل إليه أذرعه المختلفة، بما في ذلك الدول الحليفة له . ولعل الشعب التونسي من الشعوب العربية الأشد وضوحاً في إدراك هذه المسألة وفي رفضه للتطبيع مع هذا الكيان .
كان لافتاً أن حركة النهضة التي قفزت إلى السلطة بعد هروب ابن علي، حاولت من البداية أن تفتح باب التطبيع مع الكيان، وتجلى ذلك من خلال قول زعيمها راشد الغنوشي إن الدستور التونسي لا يمنع إقامة علاقات مع “إسرائيل”، وكذلك تصريحاته في الولايات المتحدة عندما تراجع عن مواقف سابقة أيد فيها العمليات الفدائية ضد “إسرائيل”، كما أن حركة النهضة قاومت بشكل مستميت محاولات بعض القوى الوطنية والفعاليات السياسية إضافة نص دستوري يجرم التطبيع مع “إسرائيل” . وبعد إزاحة هذه الحركة عن السلطة انتعشت الآمال بصياغة خط سياسي قومي في تونس يعبر عن حقيقة مواقف شعبها العروبية والإنسانية، و مازالت هذه الآمال قائمة .
إذا أراد بعض المسؤولين التونسيين إدراج زيارة اليهود “الإسرائيليين” في إطار منحهم حرية أداء طقوس دينية في كنيس تحتضنه مدينة جربة تاريخياً فإن من الممكن القفز فوق هذه الخطوة والإكتفاء باعتبارها خطأً في التقدير، إذ إن هذا الكنيس ليهود تونس وليس مكاناً مقدّساً لعامة اليهود في العالم، كما أن “الإسرائيليين” يرمون من وراء مثل هذه الزيارات إلى تحقيق أهداف سياسية عديدة لا يدخل في نطاقها أي اعتبار ديني .
ومثلما أن “الإسرائيليين” لهم أهداف سياسية، فإن بعض المثقفين العرب يغلفون مواقفهم التطبيعية بالاقتصاد والحريات العامة والواقعية السياسية التي باتت في قاموسهم مرادفةً لمعنى التطبيع الاستسلامي الذي تظهر تجنيات عديدة له عبر المشاركة في أنشطة مشتركة مع الصهاينة في كثير من العواصم، وعبر إقامة علاقات ثقافية وسياسية واقتصادية مع أوساط “إسرائيلية”، والأخطر من ذلك عبر الترويج لصورة جديدة عن “إسرائيل” تظهرها وكأنها فرد في الأسرة العربية، بل إن أحدهم ذهب إلى حد مطالبة “إسرائيل” بالتدخل عسكرياً لتدمير بلده، مقابل احتفاظها بهضبة الجولان، ونخشى من أن يكون القادم أخطر .
“الخليج” الإماراتية