الرئيسية / سلايد شو / المغاربة يبدعون “المسيرة الخضراء الثانية”!
ملف الصحراء

المغاربة يبدعون “المسيرة الخضراء الثانية”!

كدأبهم دائما، عندما يتعلق الأمر بقضاياهم الوطنية والمصيرية، سواء منها المغربية أو العربية أو الإسلامية، اعتاد المغاربة على إدهاش العالم، بقدرتهم العجيبة على التداعي لتنظيم مسيرات مليونية قل نظيرها في بقاع أخرى من العالم، في زمن قياسي. وهكذا، سيبقى تاريخ يوم الأحد الثالث عشر من مارس محفورا في ذاكرة كل من أبدع وشارك في المسيرة المليونية الشعبية التي جابت شوارع العاصمة الرباط الرئيسية، مجسدة ملحمة وطنية يمكن اعتبارها بحق “المسيرة الخضراء الثانية”.

أحزابا ونقابات، رجالا ونساء، شبابا وأطفالا، من أربع جهات المغرب، حج المغاربة بكثافة ذكرت بهباتهم لنصرة الانتفاضة والقدس، واستنكار الغزو الأمريكي للعراق، وغيرها من القضايا الوطنية، كيف لا وهم يستشعرون أن مغربية صحراءهم تتعرض للتشكيك والتشويش، بعد توالي التصريحات المسيئة من قبل موظفي الأمم المتحدة، وتحديدا الأمين العام بان كي مون، ومبعوثه الشخصي السفير كريستوفر روس. هبوا جميعا ليقولوا بصوت واحد: صحراؤنا خط أحمر، لا تقبل العبث ولا الانزلاقات اللفظية ولا حتى العفوية منها، مرددين وراء مليكهم: “المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”.

واستباقا لتشكيك المنابر المرتبطة بخصوم الوحدة الترابية بأعداد المشاركين في المسيرة، من المفيد المرور سريعا على بعض الملاحظات الأولية التي من شأنها الرد على هذا اللغط العبثي:

  • لم تكن العبرة يوما بالعدد، وإنما هي حجة من لا يجد منطقا يرد به على ما لا تخطؤه العين، من حشود جماهيرية مهيبة، تملأ جنبات شوارع يعرف الناس سعتها عرضا وطولا، ويدركون أن ما لم تحط به كاميرات وسائل الإعلام أكثر من ذلك الذي ظهر.
  • – إذا كانت هذه الحشود التي حجت من مختلف جهات المغرب الشاسع، قد احتشدت احتجاجا على مجرد انزلاق لفظي لموظف كبير في الأمم المتحدة، فللمراقب أن يتخيل حجم التجند الذي يمكن أن تستدعيه أخطار أكبر لا قدر الله.
  • حرر المغاربة صحراءهم بإبداع المسيرة الخضراء قبل أربعة عقود، عندما اجتمعوا من مختلف المناطق وتوجهوا جنوبا، وها هو المشهد يتكرر، وإن بطريقة عكسية، باجتماع عشرة أضعاف عدد من شاركوا في المسيرة الخضراء الأولى، ليكتبوا بدورهم تاريخ ” المسيرة الخضراء الثانية”، حيث حج أبناء الصحراء إلى عاصمة ملكهم، والتحموا بإخوانهم في باقي جهات المملكة، ليعيدوا إرسال نفس الرسالة الوحدوية الخالدة.
  • الدرس الأهم اليوم، هو درس “الاستمرارية” العابرة للأجيال التي لا تزال على إيمانها بمغربية صحرائها وبوحدتها الوطنية، وبقدسية البيعة التي في عنقهم لملكهم، حامي وحدتهم والساهر على مصالحهم. وعليه، يمكن لمن هم خارج المغرب أن يفهموا كثافة انتشار صور الملك محمد السادس خلال التظاهرة، حيث لا فرق في أذهان المغاربة بين صورة ملكهم، وخارطة بلدهم من طنجة وحتى الكويرة، ورايتهم الحمراء بنجمتها الخماسية الخضراء، هي نفس الصورة ونفس الرمزية، والتي تذوب عندها كل الفروقات ويتوحد عندها المغاربة قلبا وروحا.
  • لو قدّر للأمين العام بان كي مون أن يقارن، بين مشهد اليوم بحشوده المليونية المنضبطة، مع فشل جبهة البوليساريو في تنظيم زيارة له “لمدرسة”، يلتقي خلالها بعدد محدود من الشبان ممن لقنوا العبارات التي سيسردونها على مسامعه، وذلك بسبب أفواج الغاضبين الذين حاول جاهدا أن يهرب من مواجهتهم أو يستمع لشكواهم من الأوضاع المزرية التي تحتجزهم فيها عصابة البوليساريو، وهي الخيانة الصريحة لمهام وظيفته، نقول، لو فكّر الأمين العام لدقائق في الفرق “الضوئي” بين المشهدين، لأمكن له أن يرى ببصره بعد أن عميت بصيرته، الفرق بين متانة كيانات الدول وهشاشة كيانات العصابات، وبين إيمان الناس بوحدتهم الطوعية، وبين حشدهم تحت تهديد السلاح لأداء دور مرسوم.

لقد كتب المغاربة تاريخا جديدا، وأبدعوا بوعيهم المسيرة الخضراء الثانية التي أعادت تأكيد الثوابت الوطنية التي يلتقي عندها كل المغاربة، ولا يقبلون تجاهها أية مساومة، ولا يخضعون فيها لأي تهديد. مشهد بديع أبلغ من كل كلام، علّ عيون بان كي مون تسعفه بما ترى من إشارات، في فهم ما استعصى عليه من عبارات.