الرئيسية / المغرب الكبير / في الإيمان الصوفي: المكونات والخصوصيات
ddddddddddddddfgghhhze_2015-02-02010905

في الإيمان الصوفي: المكونات والخصوصيات

صدر عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” دراسة حديثة تناولت المفهوم التواضعي للإيمان، من خلال حديثها عن الصوفية، باعتباره المفهوم الديني والإسلامي بصورة أدق؛ لأنّ التصوف الإسلامي قد نشأ في رحم الدين، ولم يكن ذا أصول طبيعية أو فلسفية، وإن تغذّى إثر نشوئه من روافد ثقافية وفلسفية واجتماعية.
الدراسة المنشورة على موقع المؤسسة بقسم “الدراسات الدينية” للكاتب والأكاديمي التونسي الدكتور توفيق بن عامر، والتي جاءت بعنوان “في الإيمان الصوفي: المكونات والخصوصيات” بينت أنّ المفهوم الإسلامي للإيمان، كما عمل على تحديده علماء الدين من مفسرين ومحدثين وفقهاء ومتكلمين على اتفاق بينهم تارة واختلاف تارة أخرى، إنما يتشكل من ثلاثة مكونات رئيسة هي؛ القناعة والشهادة والعمل.
ويمضي الباحث بن عامر في تفسير تلك المكونات؛ فالقناعة هي اعتقاد يتدخل في تكوينه العقل والضمير والوجدان على نحو ما وبقدر من التفاوت أو التساوي ومن التوارث أو الاكتساب بالتربية والتعلم.
أما الشهادة في منظور علماء الدين، وفق ما أورده بن عامر، فهي إعلان وتلفّظ بوحدانية الإله ورسالة رسوله، ويكفي فيها التصريح للدلالة على الإيمان، والعبرة فيها بالظاهر، ولا حيلة بعد ذلك مع المنافقين؛ فبمجرد التلفّظ بالشهادة يعصم المرء دمه وعرضه وماله.
ويشير الباحث إلى أن للعمل عند علماء الفقه والكلام قصة مع الإيمان؛ فمنهم من أحكم العلاقة بينهما، ومنهم من نفاها. أمّا المحكمون، فقد تمسكوا بأعيان الأعمال وأشكالها وهيئاتها دون إيلاء كبير اعتبار لمقاصدها ومغازيها، واتخذوها معيار زيادة ونقصان في رصيد الإيمان، وربما اعتبرها بعضهم دليل إثبات ونفي، وأمّا النافون منهم، فقد أثبتوا جواز الإيمان بمعزل عن العمل وأرجأوا النظر في الكبائر، وفوّضوا أمرها للعناية الإلهية، وسلّموا بأنّ الإيمان بمنأى عن الزيادة والنقصان، وبأنّه رهن الوجود أو العدم. وهكذا تضيق دائرة الإيمان وتتّسع باختلاف زاوية النظر، وتختلف هذه باختلاف الدواعي والحاجات والراهن من شؤون الحياة.
كلمة التوحيد لا تكون عند الصوفية صدقاً إلا إذا كانت نابعة من شغاف القلب وعين الوجدان كأنها بوح الروح أو صوت الضمير، ولا تكون عندهم حقاً إلا إذا عاشوها وتذوّقوها وفنوا في معناها
ونوه بن عامر إلى أن الصوفية استعاضوا عن منهج التلقين ومنهج الاستدلال بمنهج التجربة، وفضلوا المعاناة على المجادلة والشهادة اللفظية والطقوس الشكلية، فاستبعدوا بذلك المعطى الوراثي والتعليمي القائم على سنّة التقليد والاتّباع، وراهنوا على سبر أغوار الباطن اقتناعاً منهم بأنّ الإيمان مناطه القلب والروح.
كلمة التوحيد، وفق الباحث، لا تكون عند الصوفية صدقاً إلا إذا كانت نابعة من شغاف القلب وعين الوجدان كأنها بوح الروح أو صوت الضمير، ولا تكون عندهم حقاً إلا إذا عاشوها وتذوّقوها وفنوا في معناها، حتى كأنّهم حين ينطقون بها يسمعونها من الذات الإلهية أو تنطق بها على ألسنتهم.
وبين بن عامر أن على المؤمن الحقيقي لبلوغ مرتبة التوحيد، أسمى مراتب الصوفية، اجتياز مراحل من المعاناة في مجاهدة النفس وتهذيبها وتصفيتها وتخليصها من صفاتها المذمومة وإزاحة الحجب عنها والترقي بها درجات تؤهلها لتلقّي المنن والمواهب الإلهية والتحلي بالأخلاق الربانية.
وذكر أن الإيمان الصوفي هو إيمان مؤسّس على الإرادة، وليس إيماناً سلبياً مؤسساً على مجرد التلقي. إنّه إيمان المريد، ولذلك يسمى الصوفي في بحثه عن الإيمان ومعاناته في مجاهدة النفس وسعيه إلى بلوغ اليقين بالمريد. فالإرادة هي في حقيقة الأمر منطلق تجربة الإيمان عند الصوفية وإذا ما كانوا قد تواضعوا على اعتبار التوبة أوّل مقام في الطريق الصوفي فإنّ ذلك المقام لا يتحقق إلا بالعزم على الإقلاع عن سلوك سالف واستقبال حياة جديدة، وذلك العزم هو في حقيقته عين تلك الإرادة.
ومما يستخلص من تجربة البحث عن اليقين ومن الإرادة والتصميم على كشف جوهر الإيمان وحقيقته، بحسب بن عامر، تحلي الصوفي في سعيه إلى الله بالنزوع إلى التحرّر وإرادة الانعتاق؛ فتحمّل مسؤولية التجربة يعتبر في حد ذاته إقراراً باطنياً بهامش كبير من الحرّيّة في التعاطي مع مقولة الإيمان، كما أنّ البعد الذاتي في ممارسة التجربة يستدعي توفر ذلك الهامش، إذ بدونه يصبح الإيمان معطى جامداً ومجرداً من المعنى.
ولفت الباحث إلى أن الحرّيّة خاصيّة مهمة من خصائص الإيمان الصوفي ولازمة من لوازمه؛ فبالإضافة إلى طبيعة التعدّد والتنوع في التجربة، لما تتسم به من طابع حميم ومن أبعاد ذاتية، وهو ما يمثل في حد ذاته حيزاً مهماً للتعاطي والتفاعل مع مفهوم الحرية، اعتبر الصوفية ذلك المفهوم هو نتيجة حتمية لكمال العبودية.
لم يكن إيمان صفقة بين العابد والمعبود؛ أي إيماناً مشروطاً بمقابل يلتزم به العابد رغبة في الثواب وخوفاً من العقاب، وإنما هو إيمان مجرد من الخوف والرجاء ومتمحض لحب الذات الإلهية والشوق للقائها
وأشار بن عامر إلى أن الصوفية راهنوا على الإخلاص في الإيمان واعتبروه قيمة كبرى تنضوي تحتها مجموعة من القيم تتصدرها قيمتان رئيسيّتان؛ أولاهما قيمة الصدق، وهي قيمة لا تعير بما لاح للبصر أو وقر في السمع، وإنما تقدر بسلامة النية وطهارة القلب ونقاء السريرة والتنزّه عن الأغراض والأهواء ومراقبة النفس في خلجاتها ونوازعها وميولاتها وجعلها خالصة لوجه المعبود.
وأمّا القيمة الثانية، فهي في المقابل الثقة بالله والتسليم لمشيئته وتنضوي تحتها قيم أخرى، منها الصبر على المكاره والبلوى، لأنّ الله مع الصابرين؛ ففي الصبر تقوية للذات وإثبات لها وكبح لجماح النزوات وانعتاق من سلطان اللذة والألم وصمود أمام الهزات، وثبات إزاء المتغيرات وتحصّن من الطوارئ والمؤثّرات.
ومن أصدق شواهد الإخلاص في الإيمان الصوفي، بحسب الدراسة، أنّه لم يكن إيمان صفقة بين العابد والمعبود؛ أي إيماناً مشروطاً بمقابل يلتزم به العابد رغبة في الثواب وخوفاً من العقاب، وإنما هو إيمان مجرد من الخوف والرجاء ومتمحض لحب الذات الإلهية والشوق للقائها؛ فالصوفي لا يهتمّ في شؤون الآخرة بالجنة والنار؛ لأنّها تفصل بينه وبين معبوده وتحرمه السعادة بقربه ومشاهدته.
ويشير بن عامر، أن للمحبة عند الصوفية درجات يترقّى فيها المريد من الشوق إلى المعبود في مرحلة أولى إلى الحب المتبادل بين الله والعبد. وتلي تلك الدرجة في المحبة درجة ينشر فيها الصوفي المحبة الإلهية بين العباد، ويعلمهم فيها كيف يتحابون في الله ويتآخون في مراعاة حدوده، فيحب بعضهم بعضاً وتسود المودة بينهم، فيتجاوزون عن صاحب خطيئة أو تقصير فتمحى الضغينة من صدورهم، ويتسامون عن أغراض الدنيا وحاجاتها والسر في ذلك تدخل العناية الإلهية بنشر المحبة عن طريق من أكرمهم الله بمحبته وخصّهم بولايته.