الرئيسية / دراسات / تبييض الأموال (دراسة مقارنة)
7a886fd61405367b6373ab7bee4d5096

تبييض الأموال (دراسة مقارنة)

تُعتَبر الأموال عصب الاقتصاد الذي يساهم بشكل أساسي في استقرار الحياة السياسية والاجتماعية. وقد أدى التطور الاقتصادي والصناعي إلى تطور نهج حياة الانسان من خلال ظهور انماط جديدة من التعامل والسلوك والمواقف اتصف بعضها بالأنانية والمادية المطلقة. فالتطور هو سلاح ذو حدين ايجابي وسلبي، فهو إيجابي عندما يهدف إلى رفع مستوى معيشة الانسان وتأمين حاجاته ومتطلباته الشريفة، وهو سلبي عندما يكون هاجسة البحث عن الوسائل التي تجعل بعض الأشخاص يملكون قوة السيطرة على هذا الانسان والتعامل معه كسلعة وظيفتها تأمين رغباتهم.
وقد وصل التنافس الاقتصادي والمالي عند البعض إلى ابتكار اساليب ملتوية للوصول إلى غاياتهم غير الشريفة بصرف النظر عن اخلاقية التعامل ومصلحة الأفراد والأنظمة الاقتصادية التي تتبعها، وبذلك يستطيع هؤلاء الحصول على مبالغ مالية طائلة من مصدر غير مشروع. وما يشهده العصر الحالي في ميدان تطور الآلة والصناعة والاتصالات والدخول في عصر العولمة دون وجود حواجز اقتصادية بين الدول وسرعة الانتقال والاتصال، يولّد في بعض الأحيان أنواعاً جديدة من الجرائم في سبيل سرقة المال والاثراء غير المشروع، ثم البحث عن أساليب جديدة متطورة لاخفاء مصدر الأموال وتبييضها.
ويعتبر تبييض أو غسيل الأموال من التعبيرات التي يجري تداولها في غالبية المحافل المحلية والاقليمية والدولية المهتمة بالجرائم الاقتصادية والأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي.
إلاّ ان ظاهرة تبييض الأموال لا تعتبر حديثة واقعياً، بل تعود إلى تاريخ ظهور الجريمة المالية، حيث كان المرتكبون يعمدون إلى استعمال الأموال الناتجة عن جرائمهم بشكل يخفي حقيقة مصدرها غير المشروع. ولكن تزايد هذه الظاهرة وانتشارها، أدى إلى انتباه المجتمع لها، خاصة بعد تفاقم المشاكل الاقتصادية الناجمة عنها.
وقد استرعت ظاهرة تبييض الأموال انتباه واهتمام الرأي العام والحكومات والمجتمع الدولي، وإلى ضرورة مكافحة هذه الآفة التي تتعارض أساساً مع المفاهيم الانسانية والاخلاقية والدينية.
وتمّ الاقرار منذ بضع سنوات بأهمية مكافحة تبييض الأموال القذرة كسبيل لدعم المعركة ضد الجريمة المنظمة وخاصة ضد جرائم المخدرات، ذلك ان تبييض الأموال لا يعزّر المنظمات الاجرامية فحسب، بل يزعزع استقرار الأسواق التي يستثمر فيها لاحقاً بحرية تامة. فتبييض الأموال هو العملية التي من خلالها تسعى المنظمات الاجرامية إلى اخفاء نشاطاتها والأموال الناتجة عن تجارتها غير المشروعة، وإلى تأمين غطاء قانوني لها.
وكـــان من الأفضل والمستحسن استعمــــال تعبــير التبييض غير المشروع للأمــوال حتى لا يساء فهم هذه العمليــة والاعتقــاد بأنهـــا وسيلة مشروعـــة وحسنة. الا ان التعبير التي أخذت به التشريعات الدولية والداخلية هو مصطلح تبييض الأموال Money Laundering.
وهناك العديد من الأسئلة التي تطرح حول موضوع تبييض الاموال: فما هو المفهوم القانوني لتبييض الاموال، وما هي اركان هذه الجريمة، وما هي التقنيات والمراحل التي تمر بها عملية التبييض، وهل هناك من آثار اقتصادية او اجتماعية او سياسية لهذه الجريمة؟ ثم كيف حاولت الدول مكافحة هذه الظاهرة على الصعيدين القانوني والعملي، وما هي الخطوات التي اعتمدها لبنان حتى الآن لمكافحة هذه الآفة، وهل هناك من عقبات تواجه المكافحة؟
كل هذه التساؤلات سوف نقوم بالاجابة عنها في هذه الدراسة عبر تقسيمها إلى قسمين أساسيين، الأول هو المفهوم القانوني لتبييض الأموال، والثاني وهو مكافحة تبييض الأموال.
القسم الأوّل: المفهوم القانوني لتبييض الأموال:
إنقسمت التشريعات والآراء الفقهية القانونية في تعريف تبييض الأموال إلى قسمين: ضيق وواسع. يقتصر التعريف الضيق للتبييض على الأموال غير المشروعة الناتجة عن تجارة المخدرات، ومن هذه التشريعات والآراء الفقهية: إتفاقية فيينا عام 1988 ­ قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف اللبناني رقم 673/98 ­ مشروع القانون اللبناني لتبييض الأموال ­ التوصية الصادرة عن مجلس المجموعة الأوروبية عام 1991.
أما التعريف الواسع لتبييض الأموال، فيشمل جميع الأموال القذرة الناتجة عن جميع الجرائم والأعمال غير المشروعة، وليس فـقط تلك الناتجة عن تجارة المخدرات.
ومن التشريعات والآراء الفقهية التي اعتمدت التعريف الواسع لتبييض الأموال:
القانون الأميركي لعام 1986(1)، اعلان المبادئ الخاص لمنع استعمال القطاع المصرفي لتبييض الأموال، والموضوع في بال Basle) ) في كانون الأول 1988(2)، فريق العمل الماليGAFI) )(3) ­ وهو جهـاز تابع لمنطمة التعاون والتنمية الإقتصادية في الأمم المتحدة، مكلف بالتنسيق الدولي في شأن مكافحة تبييض الأموال، الفقيهان الأميركيان (5)
(4).(James O. Beasley & Ronald Cleaver)
وهكذا يتبين من خلال مقارنة هذه التعريفات، بأن التعريف الضيق اعتبر أن تبييض الأموال فعل يقصد من خلاله اخفاء المصدر الحقيقي للأموال الناتجة عن تجارة المخدرات. ولكن هل ان تبييض الأموال واقعياً يقتصر فقط على جرائم المخدرات؟
إن الجرائم الأخرى كالسرقة وتجــــارة السلاح مثلاً يمكن أن تنتج عنها أمــــوال طائلــة يعمد إلى تبييضها، ولا تقل خطورة عن تبييض الأموال الناتجة عن جرائم المخدرات.
لذلك يجب أن يكون تعريف جرم تبييض الأموال أكثر شمولية في مشروع القانون الذي يقوم لبنان بإعداده، ولا يقتصر فقط على الأموال الناتجة عن الإتجار غير المشروع بالمخدرات. وهذا ما تطالب به لجنة العمل المالي لغسيل الأموال، التابعة للأمم المتحدة،
Financial Action Task force on Money laundering
وبالتالي فإننا نرى بأن التعريف الذي يجب أن يكون لتبييض الأموال هو: “كل فعل يقصد به تمويه أو اخفاء مصدر الأموال أو المداخيل الناتجة بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن ارتكاب احدى الجرائم”. كما هي الحال في فرنسا وأميركا.
وبالتالي فان معرفة مفهوم تبييض الأموال يتطلب تحديد جريمة تبييض الأموال، ثم تحديد آفاق عمليات هذا التبييض.
جريمة تبييض الأموال وطبيعتها القانونية:
تتمثل الطبيعة القانونية لجريمة تبييض الأموال في كونها جريمة اقتصادية، اذ ان الجريمة الاقتصادية هي كل فعل أو امتناع يعاقب عليه القانون ويخالف السياسة الاقتصادية للدولة(6).
كما أن جريمة تبييض الأموال هي جريمة تبعية، من ناحية أولى، لأنها تفترض وقوع جريمة أخرى أصلية سابقة عليها، وهي المصدر غير المشروع للأموال المراد تبييضها، ولكنها تبقى رغم ذلك جريمة مستقلة عن الجريمة الأولى، وهذا الإستقلال هو إستقلال موضوعي يترتب عليه إمكانية ملاحقة الفاعل ومعاقبته، ولو كان فاعل الجريمة الأصلية غير معاقب، لتوافر موانع المسؤولية الجزائية في حقه. ولعل هذه الطبيعة المزدوجة لجريمة تبييض الأموال هي التي تضفي عليها خصوصيتها، بالمقارنة مع غيرها من الجرائم.
وقد نصت المادة 132 من قانون المخدرات الجديد على معاقبة فعل التبييض، بالإضافة إلى تجريمه في اتفاقية فيينا لعام 1988 في المادة الثالثة منها. وسوف نقوم في ما يلي بدراسة أركان الجريمة، ثم العقوبة المترتبة عليها.
أركان الجريمة:
تتكوّن جريمة تبييض الأموال، كغيرها من الجرائم، من ركنين، أحدهما مادي والآخر معنوي.
* الركن المادي:
من المسلّم به أنه لا جريمة بدون ركن مادي، لأنه المظهر الخارجي لها، وبه يتحقق الإعتداء على المصلحة المحمية قانوناً، وعن طريقه تقع الأعمال التنفيذية للجريمة(7).
ويتمثّل الركن المادي لجريمة تبييض الأموال في كل فعل يساهم في اخفاء أو تمويه مصدر الأموال أو المداخيل الناتجة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن احدى جرائم المخدرات. وهو يتسع في كل من اميركا وفرنسا، ليشمل مصدر الأموال الناتجة عن جميع الجرائم دون حصرها فقط بجرائم المخدرات، على ما هي عليه الحال في لبنان. وعلى هذا سنقوم بدراسة عناصر الركن المادي، الشروع في تبييض الأموال، الاشتراك في الجريمة.
عناصر الركن المادي:
1 -­ فعل الإخفاء:
يعبّر المشرع عن السلوك المكون للركن المادي للجريمة بلفظ الإخفاء لمصدر الأموال غير المشروعة. وهذا يعني الحيلولة دون كشف الحقيقة في أمر الجريمة الأصلية التي تحصلت عنها الأموال محل الإخفاء(8).
ويجب فهم الإخفاء على أنه يشمل كل عمل من شأنه منع كشف الحقيقة للمصدر غير المشروع، وبأي شكل كان، وبأية وسيلة، سواء كان هذا الإخفاء مستوراً أو علنياً، فلا عبرة إذن بكون الإخفاء قد جرى سراً، كما لا يهم سبب الإخفاء، حتى ولو كان بطريقة مشروعة كشراء الشيء المتحصل عن السرقة(9). أو اكتساب الأموال غير المشروعة بطريقة الهبة أو الوديعة أو المعاوضة أو الإجارة أو غير ذلك.
2 -­ فعل التمويه:
وهو ما يقصد به إصطناع مصدر مشروع غير حقيقي للأموال غير المشروعة: كإدخال هذه الأموال القذرة في صلب الأرباح الناتجة عن إحدى الشركات القانونية، فتظهر هذه الأموال وكأنها أرباح مشروعة ناتجة عن النشاط المشروع للشركة القانونية.
3­- محل الإخفاء أو التمويه:
يتمثّل هذا المحل في حقيقة الأموال أو مصدرها أو مكانها أو طريقة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها أو ملكيتها، وذلك وفقاً للمادة الثالثة من اتفاقية فيينا لعام 1988.
4 -­ المصدر غير المشروع للأموال المبيضة:
يجب أن تكون الأموال محل التبييض ذات مصدر غير مشروع. وقد حصر المشرع اللبناني جريمة تبييض الأموال بالأموال المنقولة أو غير المنقولة أو الموارد الناتجة عن احدى جرائم المخدرات.
الشروع في تبييض الأموال: (المحاولة)
الشروع وفقاً للمادة 200 من قانون العقوبات اللبنانية هو كل محاولة لإرتكاب جناية بدأت بأفعال ترمي مباشرة إلى اقترافها، إذا لم يحل دون إتمامها سوى ظروف خارجة عن إرادة الفاعل.
وبالتالي فإن كشف القيام بأعمال مادية أو قانونية بهدف تبييض الأموال قبل تحقيق الغاية الجرمية المقصودة من أصحاب الأموال المشبوهة، يشكل محاولة أو شروعاً في جريمة تبييض الأموال يعاقب عليها القانون.
الإشتراك في الجريمة:
نصت المادة 148 من القانون رقم 673/98 على انه يعاقب الشريك والمحرض والمتدخل بذات العقوبة المقررة للفاعل الأصلي في الجرائم المنصوص عنها في هذا القانون.
ويتركز الإشتراك الجرمي في هذه الحالات (الشريك ­ المحرض ­ المتدخل) على الإشتراك أو التحريض أو التدخل في اخفاء او تمويه المصدر غير المشروع للأموال الناتجة عن جرائم المخدرات.
* الركن المعنوي:
الركن المعنوي هو الحالة النفسية الكامنة وراء ماديات الجريمة(10). فلا يمكن أن يحكم على أحد بعقوبة ما لم يكن قد أقدم على الفعل عن وعي وإرادة (م 210 عقوبات).
فالركن المعنوي اذن يتحقق بموقف الارادة من الفعل المادي، هذا الموقف الذي يتخذ احدى صورتين: القصد الجرمي، او الخطأ غير المقصود.
وقد نصت المادة 132 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف رقم 673/98، على أن يكون الفعل بقصد اخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع.
وبذلك يتبين بان جريمة تبييض الاموال هي جريمة قصدية، يقتضي لقيامها توافر القصد الجرمي، ولا يكفي لقيامها توافر الخطأ عند وقوع اهمال او قلة احتراز او عدم مراعاة القوانين والانظمة.
وينبغي لمساءلة الفاعل جنائياً، أن يتوافر لديه القصد العام والقصد الخاص.
* القصد العام:
القصد العام هو ارداة الجاني باقتراف الركن المادي للجريمة مع العلم به وبالعناصر التي يتطلبها القانون. وبذلك فان القصد العام في جريمة تبييض الاموال هو:
1 -­ العلم بالمصدر غير المشروع.
2 ­- إرادة سلوك تبييض الاموال.
* القصد الخاص:
القصد الخاص هو نية تنصرف إلى غرض معين او يدفعها إلى الفعل باعث معين. وفي جريمة تبييض الاموال فان القصد الخاص يتحقق عند التثبت من ارادة اخفاء او تمويه المصدر غير المشروع للاموال المنقولة او غير المنقولة او الموارد الناتجة عن جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف.
العقوبة:
يعتبر القانون اللبناني من أشد القوانين التي عاقبت على جريمة تبييض الأموال بالرغم من أنه حصرها بالأفعال المتعلقة بالمخدرات فقط، ويشكل هذا دليلاً واضحاً على ادراك المشرّع اللبناني لخطورة الآثار الناجمة عن فعل التبييض.
1 ­- مدة العقوبة ونطاقها:
نصّت المادة 132 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف رقم 673/98 على أنه “يتعرّض للعقوبات ذاتها الواردة في المواد 125 و126 و128 و129 و131 من هذا القانون كل من أقدم على …”.
وبالتالي فإن العقوبة الواجبة التطبيق على فعل التبييض هي التي تطبق على الفعل الذي نتجت عنه الأموال غير المشروعة محل التبييض. وقد عددت المواد 125 و 126 و 131 الأفعال والأشخاص الذين تطبق عليهم عقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة وغرامة من خمسة وعشرين مليوناً إلى مئة مليون ليرة، كما عددت المواد 128 و129 الأفعال والأشخاص الذين تطبق عليهم عقوبة الأشغال الشاقة لمدة لا تزيد عن خمس سنوات وبغرامة تتراوح بين خمسة وعشرة ملايين ليرة لبنانية. ويعود للمحكمة تطبيق العقوبة التي تتناسب مع الفعل المرتكب.
هذا بالإضافة إلى التدابير الاحترازية، مثل: حرمان المحكوم عليه من ممارسة المهنة، الغاء الترخيص واقفال المحل.
أما العقوبات الفرعية والاضافية التي نص عليها القانون فهي التالية: مصادرة الأدوات والمعدات والآلات، مصادرة المتحصلات، نشر ملخص الحكم القطعي، لصق الحكم.
كما سمح القانون مراقبة الاتصالات الهاتفية والتنصت عليها من الضابطة العدلية المختصة بموافقة النيابة العامة، عندما تتوفر دلائل جدية تفيد اشتراكهم في احدى جرائم تبييض الأموال.
2 ­- تشديد العقوبة:
تشدد العقوبة تبعاً للظروف التي تحيط بالجرم، فيضاعف الحد الأقصى للعقوبة لمن اعتاد ارتكاب جرم تبييض الأموال، ولمن استغل التسهيلات التي توفرها ممارسة مهنة ما، ولمن تبين انه يعمل لصالح منظمة إجرامية، وفقاً للمادة 150 من القانون رقم 673/98.
3 -­ الإعفاء من العقوبة وتخفيفها:
يعفى من العقوبة الشريك والمتدخل الذي يبادر تلقائياً إلى ابلاغ السلطات العامة عن الجريمة قبل علمها بها ويمكنها من منع وقوعها والتعرف على هوية الشركاء الآخرين، وضبط الأموال والموارد موضوع العملية ولو بصورة جزئية.
ويستفيد من عذر مخفف الشريك أو المتدخل الذي يقدّم إلى السلطات معلومات عن الجريمة بعد علمها بها، إذا ادت هذه المعلومات إلى توقيف الجناة أو بعضهم أو الكشف عن اشخاص إشتركوا بالجريمة ولهم علاقة بعصابات إجرامية أو دولية (م 149 من القانون رقم 673/98).
وبذلك يكون لبنان قد تجاوب مع ما فرضته إتفاقية فيينا لعام 1988 من ضرورة انزال العقوبة المناسبة، حيث أتاح للمحاكم والسلطات المعنية امكانية تشديدها أو تخفيفها أو الإعفاء منها.
آفاق عمليات تبييض الأموال:
تُعتبر جريمة تبييض الأموال من الجرائم الدولية والمنظمة، حيث يقوم المبيضون بارتكاب أفعالهم في عدة دول، مستفيدين من الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدول، مسخرين التطورات التكنولوجية الحديثة لخدمة مآربهم الجرمية. ويعمد المبيضون إلى استعمال وابتكار تقنيات متطورة جداً للقيام بعملية تبييض أموالهم القذرة وشرعنتها عبر عدة مراحل منظمة. وينتهي ذلك إلى نتائج اقتصادية واجتماعية وسياسية خطيرة.
مصادر الاموال المبيضة:
يمكن تقسيم بحث الاموال غير المشروعة هنا إلى مرحلتين اساسيتين. المرحلة الاولى: وهي مرحلة الحصول على الاموال غير المشروعة، وقد تناولها المشرع اللبناني في قانون الاثراء غير المشروع رقم 154/99.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة استعمال هذه الأموال غير المشروعة، والعمل على تمويه أو اخفاء مصدرها، وما يهمنا في مجال تبييض الأموال، هو المرحلة الثانية. إلا أن الإحاطة بهذا الموضوع تستوجب معرفة مصدر الأموال المبيضة أو المراد تبييضها.
تتعدد مصادر الأموال غير المشروعة بتعدد الأفعال غير المشروعة، الممنوعة أو الجرمية والتي يصعب حصرها في إطار أو عدد معين.
وسوف نقوم فيما يلي بذكر أهم تلك المصادر:
1­- تجارة المخدرات: (11)Illegal Drug Operation
لعلّ أهم عمليات تبييض الأموال تتعلق بتجارة المخدرات، نظراً للمردود الضخم من الأموال التي تدرها هذه التجارة.
وقد جرم المشرع اللبناني الإتجار غير المشروع بالمخدرات وما يتعلق بها.
ولعل أشهر عمليات تبييض اموال تتعلق بتجارة المخدرات، هي تلك التي تتعلق بالعمليات التي قام بها رئيس بانماPANAMA المخلوع نورييغا، حيث سمح لعصابات المخدرات الدولية في مدينة مدلين الكولومبية باستخدام بانما كمحطة ترانزيت لتجارة المخدرات مقابل الحصول على مبالغ مالية طائلة يتم ايداعها في البنوك العالمية لاجراء عمليات الغسيل لها، وقد تم اعتقال نورييغا بعد غزو الولايات المتحدة الاميركية لبلاده، حيث قامت بترحيله إلى اميركا لمحاكمته، وحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة اربعين عاماً.
وقد ساهم بنك الاعتماد والتجارة الدولية في مدينة فلوريدا الاميركية، في تسهيل ايداع اموال المخدرات المنقولة من كولومبيا إلى اميركا، ثم كان يقوم البنك بواسطة فروعه المتعددة بتحويل الاموال إلى كولومبيا، فتدخل إلى البلاد مجدداً بصورة قانونية. وقد ادى ذلك إلى انهيار البنك تماماً بسبب تورطه في عمليات غسيل اموال وفساد ادراته. وهذا ما دفع(Lary growin and PeterTrowel (الى تسمية البنك المذكور بأكثر الامبراطوريات المالية فساداً، وجعلاه عنواناً لكتابهما الصادر في بريطانيا
سنة 1992 (12).
وقد أعلن رالف لايندر Ralf Lainder وهو خبير عالمي في مكافحة الممارسات المصرفية غير المشروعة، ان تهريب المخدرات يساهم في حدوث عمليات تبييض اموال قيمتها 125 مليار دولار على مستوى العالم تمثل 25% من قيمة اجمالي عمليات تبييض الاموال المرتبطة بالمخدرات فقط البالغة 500 مليار دولار سنوياً(13).
هذا وان كانت جرائم المخدرات من اكثر الجرائم المعتبرة مصدراً للاموال المبيضة او المراد تبييضها، الا ان هناك العديد من الجرائم التي تدر اموالاً طائلة وتشكل هدفاً لتبييض الاموال، سنتناول بعضها فيما يلي:
2 -­ الرشوة: Bribery (14)
تعتبر الرشوة من أكثر الجرائم التي يمكن أن تؤدي إلى الحصول على أمول طائلة غير مشروعة تصبح مصدراً من مصادر الأموال المراد تبييضها. وقد جرمت القوانين على إختلافها الرشوة، وفرضت عقوبات عند ارتكابها تتراوح بين الحبس والغرامة.
في اليابان: من أشهر فضائح العملات والرشاوى في اليابان تلك التي قام بها رئيس الوزراء السابق (كاكاوى تاناكا)، هزت الحياة السياسية عام 1972، وادت إلى اطاحته، وهو اقوى شخصية سياسية عرفتها اليابان والملقب بصانع الملوك والرؤساء، حيث قُدم إلى المحاكمة بتهمة الحصول على 1،2 مليون دولار من اجمالي 12 مليون دولار دفعتها شركة لوكهيد الاميركية كرشاوى لشراء طائرات ترايستار التي تصنعها شركة لوكهيد، وحكم على تاناكا بالسجن والغرامة، فأصيب بذبحة صدرية شديدة كادت تودي بحياته(15).
3 -­ الإتجار بالنساء والأطفال: (تجارة الرقيق الأبيض)
بدأت ظاهرة الاتجار بالنساء تنتشر في اوروبا بمعرفة مافيا الدعارة لتهريب النساء من دول اوروبا الشرقية بعد انهيار النظام الشيوعي في هذه البلاد وتطبيق إجراءات تحررية للتجارة والمعاملات المختلفة مع تخفيف الرقابة على الحدود.
وأشار أحد التقارير الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة ومقرها في جينيف، إلى ان العديد من الفتيات يتركن اوروبا الشرقية هرباً من الفقر والبطالة والبحث عن الثراء في الغرب، وان اعمار هؤلاء الفتيات يتراوح بين 15 و20 سنة، يذهبن إلى اوروبا للعمل في بعض المهن الحرة، مثل المضيفات في الملاهي والفنادق، والراقصات، والكوافيرات، والخادمات، والتجميل وغيرها، ثم ينتهي بهن الامر إلى ممارسة الدعارة بواسطة بعض “القوادين” او سماسرة الرقيق الابيض. ويوضح التقرير ان العصابات المتورطة في هذه التجارة المحرمة، على درجة عالية من التنظيم، وتستخدم وسائل تتسم بالعنف والارهاب والوحشية والتهديد بالقتل وحرق المنازل لمن ترفض ممارسة الرذيلة(16).
ونظراً لأن هذه التجارة لم تعد قاصرة على الحدود الجغرافية للدولة الواحدة، اتسع نطاقها ليصل إلى عدة دول في آن واحد، ومن ثم تتجه هذه العصابات إلى ايداع المداخيل المحققة من التجارة غير المشروعة في حسابات سرية في البنوك الاجنبية وفروعها التي تنتشر في مناطق جغرافية متعددة حول العالم.
وتقدّر بعض المصادر حجم تجارة النساء بنحو 3،5 مليار دولار على مستوى العالم، حسب تقديرات عام 1994(17).
وتشير التقارير الامنية الاسرائيلية إلى حدوث ظاهرة جديدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، واتجاه دول اوروبا الشرقية إلى التحرر والانفتاح، حيث تتجه أعداد كبيرة من الفتيات القادمات بتأشيرات سياحية من هذه الدول إلى اسرائيل ثم تستطيع كل فتاة الحصول على مستندات مزورة تثبت انها من المهاجرات الجدد إلى اسرائيل، ثم تتحول إلى ممارسة للدعارة تحت ستار معاهد التدليك، نظير اجور محددة وفقاً للفترات الزمنية المطلوبة لممارسة الرذيلة، ويحدد هذه الاجور اصحاب معاهد التدليك الوهمية، فيسدد راغب المتعة الحساب لصاحب المعهد تحت بند المساج والتدليك، وقد تمكنت الشرطة الاسرائيلية من كشف هذه الألاعيب، وتحاول تعقبها بقدر الامكان(18).
4 -­ إختلاس الأموال: (Embezzlement)
تعتبر جرائم إختلاس المال العام من أهم الجرائم المرتبطة بالفساد الإداري، فضلاً عن إرتباطها بعملية تبييض الأموال، حيث يتجه الحاصلون على الأموال المختلسة الكبيرة القيمة، إلى إيداعها في بنوك أجنبية خارج البلاد، توطئة لعودتها في المستقبل إلى البلاد بصورة مشروعة، سواء من خلال التصرفات العينية، أو من خلال تكرار وتعدد قنوات المصارف المحلية والعالمية.
وتجدر الاشارة إلى استمرار حالات الاختلاس، في ظل حرية السوق وتحرير الاقتصاد وانفتاحه على العالم الخارجي، بسبب استلام المعونات الاجنبية والمعونات الاقتصادية من الدول الصديقة، والتي ينظر اليها كبار العاملين في الدولة، على انها اموال مجانية يجب الحصول منها على اكبر قدر ممكن، سواء بطريقة مشروعة او غير مشروعة، ومن ثم تتعرض اموال المعونات الاجنبية للنهب والاختلاس، فيصبح محلاً للتبييض.
لعل من احدث حالات الاختلاس في اسرائيل والمرتبطة بعمليات تبييض الاموال، ما نسب إلى الملحق العسكري الاسرائيلي السابق في سنغفورة، جنرال الاحتياط يهود بيليد وزوجته اللذين اتهما بالاختلاس عن طريق الحصول على الفرق بين السعر الحقيقي لبطاقات السفر والسعر الوهمي المدون في فواتير ثلاثين رحلة جوية، وايداع الفرق في حسابهما عندما كان الزوج ملحقاً عسكرياً في سنغفورة خلال فترة
( 1989­ – 1993)(19).
5 -­ التهرب غير المشروع من دفع الضرائب (20): Tax Evasion
يقصد بالتهرب غير المشروع من الضريبة أو الغش الضريبي، بأنه تمكن المكلف كلياً أو جزئياً من التخلص من تأدية الضرائب المستحقة عليه، وذلك عبر ممارسة الغش والتزوير في القيود، ومخالفة القوانين والأنظمة الضريبية المعتمدة(21).
ويعتبر التهرب من دفع الضرائب من أكثر المصادر التي يمكن أن تؤدي إلى جني أموال طائلة تكون هدفاً لعمليات تبييض الأموال(22).
في مصر: تشير التقديرات المصرية إلى ان نسبة التهرب الضريبي تزيد عن 50% من الممولين الذين لا علاقة لهم بمصلحة الضرائب رغم تحقيقهم للملايين من الجنيهات المصرية وتهريبها، سواء في الداخل او الخارج. وقد صرح رئيس ادارة مكافحة التهرب الضريبي المصري عن وجود حوالي ثلاثماية مليونير متهربين من الضرائب وسوف تتم محاسبتهم، ولكن تم نقله إلى عمل آخر ليس له علاقة بعمله الاصلي، ولا يتناسب مع خبرته الطويلة، خاصة بعد كشفه عن شخصية معروفة وذات نفوذ وثراء وتتاجر بالاستيراد والتصدير، وقد اعلنت الادارة العامة لمباحث التهرب الضريبي خلال شهر ايلول 1995، انها تمكنت من ضبط السلع المهربة إلى داخل البلاد ولم يسدد عنها جمارك، وذلك عن طريق بعض السفارات التي استغلت الاعفاءات الدبلوماسية الممنوحة لها. وتبلغ قيمة الضرائب الجمركية المستحقة على الاشياء المضبوطة 11 مليون جنيه(23).
6 -­ الجرائم الواقعة على المال: Money Crimes
تعتبر الجرائم الواقعة على المال، كما هو واضح من إسمها، بأنها جرائم تهدف إلى الحصول على الأموال. والذي يهمنا في مجال تبييض الأموال هو الجرائم التي تهدف إلى الحصول على أموال طائلة وضخمة ويعمل مرتكبوها على إخفاء أو تمويه مصدرها لتبدو وكأنها أموال ذات مصدر مشروع ولا تشوبه شائبة.
ومن اكبر الجرائم المصرفية في العالم، امبراطورية الفساد المالي التي اطلقت على بنك الاعتماد والتجارة الدولي، (مركزه في بريطانيا وله فروع منتشرة في غالبية دول العالم). وهناك غموض حول طبيعة نشاط هذا البنك، اذ لم تطرح اسهمه للاكتتاب العام، ولم يكن مطالباً بتقديم معلومات او بيانات عن نشاطه إلى اية جهة رسمية. فضلاً عن وجود مؤسستين ملك للبنك، احداهما في اللوكسمبورغ والاخرى في جزر الكايمان، مما جعل الامر مشوباً بالتعقيد والغموض والتعتيم، خاصة ان عدد المؤسسين للبنك يبلغ ثلاثين مؤسساً، بالإضافة إلى بنك اوف اميركا وشركة الاعتماد والاستثمار الدولية في جزر الكايمان، وقد حرص البنك على ان يلعب دوراً هاماً في الجاسوسية الاقتصادية من خلال توطد علاقاته الحميمة مع وكالة المخابرات الاميركية والمخابرات الباكستانية التي تحرص على التعاون مع الجهة التي تمارس انشطة خفية وتجمع بعض المعلومات والاسرار ونقل الاموال عبر قنوات متعددة، ولديها علاقات وثيقة مع الحكام والساسة وكبار رجال المال والاعمال وكبار رجال الدولة في عدد كبير من الدول. وقد كانت ادارة البنك خاضعة لنفوذ وتوجيهات رجال المخابرات الاميركية والمخابرات الباكستانية داخل البنك وتتلقى توجيهات وتساهم في تسهيل عمليات الجاسوسية في مختلف دول العالم الثالث التي تنتشر فيها فروع البنك. مثال ذلك تعاون المخابرات الاميركية مع المخابرات الباكستانية لتأمين وصول السلاح والاموال إلى “المجاهدين الافغان” في حربهم ضد الاتحاد السوفياتي السابق من خلال فتح حسابات في البنك وفي بنك فرست امريكان التابع له لتأمين اداء عمليات المخابرات الاميركية والباكستانية في افغانستان.
إضافة إلى لعب بنك الاعتماد والتجارة الدولي دوراً بارزاً في تمويل ثوار الكونترا في نيكاراغوا خلال عامي 1985 و 1986 للحصول على السلاح والمعدات العسكرية المصدرة إلى ايران من اسرائيل مقابل اطلاق سراح رهائن اميركيين في لبنان، كما قام هذا البنك في تمويل احتياجات الاطراف المتحاربة في الشرق الاوسط مثل ايران والعراق. وكان لعمليات الفساد المالي وتمويل الارهاب والحركات الانفصالية العالمية والتجارة غير المشروعة وغيرها من العمليات المشبوهة اضافة إلى الفساد الاداري الدور الاكبر الذي أدى إلى عجز الادارة عن المحافظة على الهياكل المالية والمصرفية للبنك واسفر في النهاية عن سقوطه(24).
7 -­ جرائم أصحاب الياقات البيضاء:
تعرف جرائم أصحاب الياقات البيضاء بأنها الجرائم التي تقترف من قبل أشخاص لهم مكانتهم العالية إجتماعياً وإقتصادياً، في معرض قيامهم بأعمالهم المهنية(25).
وقد كشف المدعي العام الروسي السابق يوري سكوراتوف الذي يجري التحقيق معه بتهمة استغلال السلطة، انه يملك معلومات عن شخصيات روسية معروفة تغذي حسابات لها في سويسرا من اموال قذرة. كما نقلت وكالة انترفاكس عن المدعي العام انه كتب استقالته تحت الضغط بعد لقائه الرئيس يلتسين بتاريخ 18/3/1999(26).
وتظهر خطورة جرائم أصحاب الياقات البيضاء في مجال تبييض الأموال، من خلال القدرة على إخفاء او تمويه مصدر الأموال أو المداخيل، الناتجة بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن إحدى الجرائم.