الرئيسية / دراسات / ظاهرة الارهاب: جذورها الفكرية والتاريخية
irh

ظاهرة الارهاب: جذورها الفكرية والتاريخية

“.. ان دماء الانسان حمراء في مختلف الاحوال، وهي متشابهة ان سالت نقطة باسم العنف، (الظلم، الاستبداد او النظام الدولي السائد) او جرت سواقي باسم الارهاب. فليس هناك فارق فيما بينهما، الا اذا رفضنا ذلك عن خبث دنيء…”.

Isaac STEINBERG.op.cit.,p.369
تطلق كلمة “ارهاب” اليوم على كثير من الجرائم العادية الواقعة ضممن اطار الحق العام وعلى اعمال العنف المختلفة التي يقوم بها الافراد كمحاولات الاغتيال التي يتعرض لها اشخاص  لهم صفة سياسية او معنوية او اناس عاديون ابرياء، وعلى اعمال التخريب التي تتعرض لها الممتلكات الخاصة او العامة. كما تطلق كلمة “ارهابي” او “ارهابيون” على الاشخاص الذين يقومون بتلك الاعمال وعلى المجموعات السياسية والاقليات الاتنية التي تضرب من تعتبره عدوا لها، بشكل دموي رهيب ثم تختفي عن الانظار بسرعة، او تقاوم طويلا على ساحة الصراع وترغم اعدائها على خوض غمار صراع صعب، باهظ الثمن وطويل الامد(1).
ورغم ان الحديث عن الارهاب لم يبدأ منذ “الحادي عشر من ايلول”(2)، فأنه ليس هناك امكانية لتحديد مفهومه، سواء اعتبر شرا ام اعتبر سلاح “المستضعفين” والفقراء، وليس ثمة تحديد قانوني لمعناه، وقد عجزت المنظمات الدولية نفسها، رغم المداولات والمطارحات القانونية في هذا الشأن، عن الاتفاق على معنى محدود وجليّ للإرهاب وعلى مدى شمولية المفهوم لجميع اشكال العنف الايديولوجي (الثوري، الجهادي، الفوضوي او التحريري…)(3). وينتج العجز او الخلاف في تعريف الارهاب من السياسات الدولية التي تجد احيانا في مساندة الارهاب مصلحة ووسيلة لفرض سيطرتها تارة، وآلية لمحاربة اعدائها تارة اخرى. فالبعض يعتبر الارهاب شرا والامر يعتبره وسيلة من وسائل الحرب.
فالجماعات المتطرفة تسمي (ارهابها) نضالا وقتالا، و”حزم العصى”(4) الفاشيستية(5) تمجد الارهاب، لا الفكر، بقدر رغبتها في التعبير عن اعتناقها لنظرية عنف خاصة بها، وتوصلها الى الاقتناع بان الوصول للحكم هو لب الصراع الطبقي(6) ونهاية حرمان المحرومين. وحتى الفكر له عندها استعمالات ومفاهيم مبنية على فلسفة القوة حسب تصور الطبيعيين Naturalisme)) ( (7. فالأفكار حسب قول موسيليني “ليست مفاهيم مجردة بل قوى ملموسة. وعندما تسعى الفكرة الى تحقيق نفسها في الواقع لا يتم ذلك الا من خلال الظواهر العصبية والعضلية والعضوية”(8)، اي القوة والارهاب. وتطلق الشلل او الرابطات الفوضوية او التحررية
(L’anarchisme) على “ارهابها” اللامحدود عبارة ثورة مستمرة او الثورة الدائمة، والناشطون ضد الاستعمار يسمون “ارهابهم” نضالا او مقاومة(9).
اما في الواقع، فان ظاهرة الارهاب هي أكثر تعقيداً وعمقاً من هذه النعوت والمفاهيم السطحية، ولها خصائص تمتنع عن الانزلاق والانحلال في عموميات العنف. ان هذه المفاهيم السطحية لظاهرة العنف هي نتيجة منطقية للدعاية التي تلجأ اليها السلطات و”السلاطين” والاقوياء من اجل تشويش الافكار وطمس الحقائق تجاه الرأي العام بهدف التقليل من اهمية هذا الواقع السياسي والتنديد بالعدو او المنافس السياسي ووصمه بطابع لا اخلاقي(10). ولذلك نرى المواقف الدعائية تتمثل بنوع من الاخراج الدقيق والمتقن بحيث ان الصفة اللااخلاقية التي تلابس استعمال العنف، بجميع اشكاله، تنسب دائما الى العدو السياسي. دائما هم الاخرون الذين يستعملون العنف، ولذلك فهم متهمون. كل طرف يتهم الاخرين باستعمال العنف ويحتفظ لنفسه بحق الرد والمجابهة باساليب ووسائل غالبا ما تكون اشد عنفا وتحت شعار اعمال وقائية او اجراءات شرعية للدفاع عن النفس. وبتعبير آخر، يسعى كل طرف الى ابراز العدو امام الرأي العام في صورة قوة لا اخلاقية دنيئة تهدد المصالح الوطنية او القومية، وتعرض سلام المجتمع ووجوده وامن العالم وانسانيته لخطر الموت(11). ولذلك يصبح استعمال جميع الوسائل مسموحا ومبررا، بما فيها جميع اشكال العنف، وذلك لمواجهة عدو على هذا القدر من
الخطورة(12). وعلى كل حال، فلم يعد العنف، حاليا، الضرورة القصوى في ممارسة السياسة، ان كان على المستوى الداخلي او العالمي، ولم يعد ظاهرة استثنائية وعرضية بل اصبح عند رجال السياسة والدول عنصرا مقررا في تبرصهم العقلاني(13).
في دراستنا هذه، نحاول فهم وشرح ظاهرة الارهاب وفلسفتها انطلاقا من جذورها الفكرية معتمدين على تطورها التاريخي، من اجل فهم هذه الظاهرة العنفية والاحاطة بعناصرها المكونة ومدلولاتها على الصعيدين الاجتماعي والاخلاقي. واعتمادنا على التاريخ لا يهدف الى تاريخ ظاهرة الارهاب بل يهدف الى استخراج معانيها انطلاقا من الوقائع التاريخية وربطها بالظروف الاجتماعية والسياسية التي نشأت فيها والتي ساهمت في تطور معانيها وفلسفاتها.
ويجب التمييز، قبل بدأ دراستنا، بين “الارهاب” ذي الطابع الايديولوجي اي السياسي وبين “الارهاب” الفردي المتعلق بالحق العام، اي المرتبط باعمال الاجرام واللصوصية والابتزاز و”الخوة” (Rakette) التي تدخل في اختصاص القانون الجنائي رغم اطلاق كلمة ارهاب عليها، لان تعريف الارهاب “كاستعمال العنف او التهديد باستعماله لبلوغ هدف معين” يؤدي بنا حتما الى القياس بمقياس واحد اعمال العنف التي تمارسها الحكومات والجماعات والاحزاب السياسية – خصوصا في دول العالم الثالث – والافراد والمجرمون، رغم ان الروائز السيكولوجية
(les caracterés Psychologiques)  (14)بين رجال الارهاب السياسي ورجال لارهاب السياسي ورجال ارهاب “الجريمة المنظمة” تتلاقى في خصائص وعوامل مشتركة من وجهة نظر علم النفس، اي ان اكثرهم مصابون بنوع من مرض “الباثولوجيا الاجتماعية” Sociopathes)) (15). فاعمال العنف الارهابية التي تمارسها سلطة حكومية او “شبه حكومية” ترتكز على معطيات اجتماعية و/ او سياسية و/ او دينية، وترمي الى بلوغ هدف سياسي يتعلق بحياة الجماعة او المجتمع، بينما ينطلق “الارهاب الفردي” من دوافع فردية وشخصية ويستعمل وسيلة العنف للكسب الشخصي او لتحقيق الثورة او للانتقام. لكن “الخيط رفيقع” بين الارهاب الاول والثاني، خصوصا في العالم الثالث حيث رجال السلطة السياسية يستعملون، بأكثريتهم، سلطتهم السياسية او الادارية لمكاسبهم الشخصية ومكاسب جماعاتهم التي تستعمل “الارهاب”، ورغم ان هذا الارهاب هو نوع من الارهاب السياسي الا انه يبقى بالواقع بعلم النفس المرضي. ورغم ان هذا الموضوع يستحق الدراسة “رغم حساسيته المفرطة….” الا اننا نستثنيه من درستنا هذه…
ونود ان نوضح انه في دراستنا سوف يسود موقفنان فكريان مختلفان من ظاهرة الارهاب، من حيث الاحكام القيمية التي يطلقها كل موقف على الارهاب وبغض النظر عن كل ما نسمعه اليوم من مواقف سياسية معلنة:
الموقف الاول، موقف عدائي يرفض الارهاب بصورة قطعية ويعمل بمختلف الوسائل لمحاربته والقضاء عليه. فهو يعتبره وسيلة شنيعة ولا اخلاقية تخالف جميع القوانين والقواعد والاعراف التي تسير المجتمع والحياة الجماعية، وتنال من القيم الانسانية العامة والحريات الفردية والعامة. انه رزية اجتماعية تهدد استمرار السلام الوطني والسلم العالمي على السواء. باختصار، انه الشر مجسما في الافراد الذين يلجأون
اليه(16).
اما الموقف الثاني فهو الموقف المؤيد للارهاب، واتباعه فئتان: فاما ان يكونوا ملتزمين بعقيدة ايديولوجية سياسية تؤيد العنف كوسيلة للتغيير الاجتماعي – السياسي، واما ان يكونوا، هم انفسهم، ارهابيين واعضاء في منظمات تمارس الارهاب السياسي. يرى اتباع هذا الموقف ان للارهاب امكانية فضلى لتحرير المجتمعات المضطهدة والمستبعدة من قبل المجتمعات القوية او من الانظمة الكليانية او الديكتاتوريات الجماعية والفردية على السواء. انه الطريق البطولي للشهادة والفداء. وهو “دفشة اصبح” (Coup de Pouce) لا غنى عنها في دفع حركة التاريخ الى الامام(17). لأن التاريخ يمشي ببطء شديد، فهو يحتاج الى “دفشة”، كما صرح جليابوف بعد اغتيال ولي عهد النمسا، الارشيدوق فرنسوا فرديناند، حيث اغتياله كان الشرارة لنشوب الحرب العالمية
الاولى(18).
ان هذين الموقفين، الرافض والمؤيد، يمتازان بطابع واحد، متحيز، انفعالي وشخصي
(Subjective)، يواجه ظاهرة الارهاب السياسي انطلاقا من رأي تفضيلي او من قناعة مسبقة. الموقف الاول يرفض الارهاب باسم الاخلاق الاجتماعية السائدة وباسم اخلاق سياسية معترف بها ومتمثلة بالمؤسسات والقوانين والانظمة السياسية التي تحيط بها. والموقف الثاني يؤيد الارهاب باسم نظرية تعليلاتها على ايديولوجية ثورية او فوضوية او تحررية Anarchisme))( (19 او باسم التزام سياسي بقضية اجتماعية سياسية معينة.
في دراستنا، لهذه المرحلة من بحثنا، سوف نعالج موضوع ظاهرة الارهاب، منذ ظهور عبارة “الارهاب” دون اي مدلول سياسي لها، وحتى اتخاذها نسقا في الحكم السائد بصورة قانونية في مرحلة الثورة الفرنسية الكبرى La Révolution))( (20، وبالتحديد مرحلة الحكم “الجاكوبي” او (اليعاقبة)، حيث اخذت العبارة بعد سقوط روبسبير شكلها النهائي، اي حينما استعملت كلمة ارهاب (Terreur) بمعنى يدل على ارادة تأديبية عادلة تنبثق من الشعب في وضع اجتماعي/ سياسي معيّن، مع ما اضيف اليها من دلالة اخلاقية تتضمن معنى الادانة، آخذة بذلك معنى ارهاب:
(Terrorisme).
تطور دلالة عبارة الارهاب(21)
اكتسبت عبارة الارهاب مضمونا سياسيا واضح المعالم على عدة مراحل فكرية، اذ حصرنا هذه العبارة في ثلاث فترات حاسمة ورئيسية من تاريخ تطور استعمالها بحيث يمكننا استخراج المراحل الثلاث الاساسية في تكامل مدلولها: المرحلة الاولى حيث لم تكن العبارة تدل بعد على اي معنى سياسي. والمرحلة الثانية حيث تظهر بعض الملامح السياسية في استعمالها، والمرحلة الثالثة والاخيرة حيث اتضح فيها المعنى السياسي.
ويتفرع  عن هذه المرحلة الاخيرة تجاه ايديولوجي مهم استطاع ان يجمع عناصر المرحلتين الاخيرتين مع بعض التعديلات الحاسمة والتي جاءت نتيجة للتطور التاريخي في الفكر والاجتماع والسياسة.
لكن يحسن بنا توضيح مشكلة تتعلق بالمفردات، وهي ناجمة عن اختلاف اللغة العربية عن اللغة الفرنسية التي عاينت تاريخ كلمة الارهاب، والتي كان لها، كما كان لتاريخ فرنسا الحديث، دور رئىسي في تبلور المضمون السياسي لهذا المصطلح. وهذه المشكلة هي في اننا نجد في الفرنسية كلمة (Terreur) وكلمة (Terrorisme)، وهما تشتركان الى حد كبير في الدلالة على المعاني نفسه، الا ان لكل واحدة منهما مميزات مستقلة بلغت في فترة معينة من تاريخ فرنسا حد التناقض. فلو حاولنا نقل هاتين المفردتين الى العربية بالصورة المتعارف عليها معجميا لوجدنا ان كلمة (Terreur) ترادفها “رعب” او “ذعر” او “رهبة”، كما ترادفها اصطلاحيا كلمة “ارهاب”، وذلك للدلالة على حكم الارهاب كالذي عرفته فرنسا ابان الثورة الكبرى. الى ذلك هناك ايضا كلمة (Terrorisme) وترادفها في العربية كلمة “ارهاب”. يتضح اذا ان كلمة “ارهاب” العربية تدل على كلتا الحالتين (Terreur) و(Terrorisme) دون ان يكون ثمة ما يميز في المفردات العربية بين خصوصيات كل حالة على حدة كما هو حاصل في اللغة الفرنسية، او في اللغات الاجنبية الاخرى، حيث ان كلا منهما يدل على نموذج معين من نماذج الارهاب السياسي. اضف الى ذلك انه يصعب ايجاد لفظة عربية مرادفة لكل من تلك الحالتين والا وقعنا في الالتباس، وبالتالي عدم الثقة(22).
ان تاريخ عبارة ارهاب بمعنى (Terrorisme) لا يتعدى في بدئه نهاية القرن الثامن عشر، لان هذه العبارة لم تعرف اولا الا في فرنسا ابان الثورة الكبرى، وبالضبط ابتداء من عام 1794 حيث كانت تستعمل في سياق سياسي بحت. ولكن لا يسعنا الانطلاق من هذا التاريخ في دراسة تلك العبارة، لسببين رئيسيين. فمن جهة اولى، على الرغم من ان كلمة ارهاب، بالصيغة الفرنسية بالمعنى السياسي اللذين ذكرناهما، لم تستعمل قط قبل هذا التاريخ، فهي عندما ظهرت كان ظهورها نتيجة حياة جماعية طويلة ومشحونة بالقلاقل، بالاقتناعات المتعددة، بالاحداث المختلفة وبالافكار والعقائد، والتي ادى تفاعلها، كلها الى بروز العبارة هذه وبالصيغة التي نتكلم عنها. وهذا يدل، اذا، على ان ظهور كلمة ارهاب (Terrorisme) ابان الثورة الفرنسية لم يكن وليد الصدفة بل وليد تاريخ معين. اما من جهة ثانية – وهي متعلقة بالاولى تعلقا وثيقا – فإن كلمة ارهاب (Terrorisme) مشتقة من الرهبة (Terreur) وهذه الصيغة الاخيرة، بالاضافة الى تحولات المعنى التي طرأت عليها واكتسبتها خلال تاريخها الطويل، هي التي قادت الى الصيغة المستحدثة (Terrorisme) واعطتها المضمون السيكولوجي والاجتماعي/ السياسي الحالي. فبديهي اذا، ان نتحرى عن العملية التاريخية التي ادت الى ولادة الصيغة الجديدة التي هي بمثابة وجه آخر لواقع سياسي واحد. ومهما يكن من امر التلازم بين هذين الوجهين فان ثمة مجالا خاصة لممارسة كل منهما.
ان عملية جمع اشتات العناصر السياسية التي دخلت تباعا على معنى الارهاب، ستمر بمراحل ثلاث: سنعمد في المرحلة الاولى الى اظهار المعنى الاصلي اللغوي المتعارف عليه، والذي كرّسته المعالجم الكبرى في لغة المنشأ، اي اللغة الفرنسية، دون ان نهمل مقارنة مدلولها في اللغة العربية، ذلك لان اهمية هذه المرحلة تقوم بالاساس على دراسة تطور معنى الارهاب في اللغة الفرنسية التي نشأ فيها واكتسب من خلالها، ومن خلال تاريخها الاجتماعي والسياسي، المضمون الذي تبنته كل اللغات بما فيها اللغة العربية. اما في المرحلة الثانية فسنحاول ابراز ما قدمته الثورة الفرنسية وايديولوجيتها من مضامين سياسية واضحة المعالم والدلالات، وسنعرض في المرحلة الاخيرة لما استجد في معنى الارهاب بفضل ما قدمته اهم حركتين ثوريتين في تاريخ اوروبا الحديث ونعني بهما الحركة الفوضوية والحركة العدمية او النيهيلية Nihilisme)) ( (23 الروسية. الا ان هذه المرحلة الاخيرة ستدعونا ايضا الى دراسة الارهاب في التجربة الثورية البولشفية، خلال مرحلتين: الاولى قبل تسلم السلطة. وفيها يتمثل ارهاب الضعفاء، والثانية بعد وصول البلاشفة الى السلطة وفيها يتمثل ارهاب الاقوياء، وهذا ما نود معالجته لاحقا.
وقد اعطت الحركتان الثوريتان، الفوضوية والعدمية، عبارة “ارهاب”، معني سياسيا اكثر وضوحا وتركيزا مما كان عليه قبلهما، وكذلك، ارستا الارهاب على اسس نظرية وقواعد تطبيقية بشكل اصبح فيه الارهاب قادرا على تمثيل وجه مهم من حقيقته السياسية، وعلى تحديد نموذج اساسي من نماذج هذه الظاهرة السياسية، واعني به نموذج ارهاب الضعفاء  الذي سوف يتجلى بنضال حركات التحرر الوطني من اجل تحرير بلادها من الاستعمار الغربي، وضد الانظمة الحاكمة التي كانت الحركات الشعبية تعتبرها غير ممثلة لارادتها…
الارهاب قبل الثورة الفرنسية
تشتق كلمة (Terreur) الفرنسية من الاصل اللاتيني (Tersere) و(Terrere). وهما فعلان يفيدان معنى: جعله يرتعد ويرتجف. ومن الاسماء المتعلقة بهذين الفعلين
(Terror) و(Terroris) نشأت الكلمة الفرنسية (Terreur). ففي قاموس الاكاديمية الفرنسية المنشورة عام 1694 نجد لهذه المفردة التفسير التالي: “رعب، خوف شديد، اضطراب عنيف تحدثه في النفس صورة شر حاضر او خطر قريب”(25). ويتضح هنا ان ما يقابل هذا المعنى في اللغة العربية هي لفظة “رهبة” او “راهبة” او “رهبى” وكلها تدل على معنى الخوف والفزع او “الحالة التي ترهب اي تفزع وتخوف”(26). اما لايضاح مكان استعمال هذه المفردات وكيفية هذا الاستعمال فإن قاموس الاكاديمية الفرنسية يقدم الامثلة التالية: يقال مثلا، “القى الرهبة بين الاعداء، نشر الرهبة في جميع الامكنة التي يمر فيها، زرع الرهبة في كل مكان. كما يقال عند الكلام عن امير كبير او فاتح، انه يملأ كل شيء برهبة اسمه، وذلك للاشارة الى ان اسمه يزرع الرعب في كل مكان”(27).
وبالنظر الى كيفية استعمال مفردة الرهبة، يمكننا تصنيف عناصرها الدلالية وفق اتجاهين اساسيين: اتجاه سيكولوجي وآخر سوسيولوجي. فالنسبة للاول نفهم الرهبة
(Terreur) باعتبارها حالة تعيشها النفس، او حالة شعورية عنيفة ومزعجة يعبر عنها افراد معرضون لشر معين او لخطر محتمل. وعندما يكون “الفاتح” او “الامير الكبير”، سببا لرهبة الاعداء او المجرمين، وعندما يزرعون الرهبة في النفوس، فهذا يعني ان هذه الرهبة تترك اثرا في الاشخاص الذين تطولهم. وقد عبرت القواميس اللاحقة لقاموس الاكاديمية الفرنسية لعام (1694)(28) عن هذا الاثر بعبارة “اضطراب عنيف” و”رعب كبير” وغيرها. وتندرج كل هذه الانفعالات في المجال السيكولوجي. اما بالنسبة للمجال السوسيولوجي فبإمكاننا توسيع معنى الرهبة بصورة يتعدى فيها النطاق الفردي ليشمل النطاق الجماعي. فالرهبة لا تقصدر على الافراد من حيث كونهم افرادا بل بامكانها ان تسود ايضا مجموعة من الافراد تربطهم علاقة اجتماعية ناتجة عن تشاركهم في وجود جماعي تحدده مقاييس سوسيولوجية. فمن جهة الفاعل” الفاتح والامير الكبير مثلا”، انما هي مفاهيم ذات مضمون سوسيولوجي من حيث ارتباطها بمنظومة اجتماعية معينة ولكل مفوم من مكانته ودوره الاجتماعيان في البناء الاجتماعي التراتبي الذي يسود كليانا جماعيا معينا. ومن جهة المفعول فيه يدل مفهوم “الاعداء” على وجود جماعي تربط بين عناصره علاقة واحدة تجمعهم روابط مشتركة تحددها مقايسس اجتماعية وسياسية معينة. فمن ضمن هذا المنظور تصبح الرهبة حالة نفسية تعيشها جماعة موحدة وتعبّر عنها جمعيا وبطريقة واحدة.
من خلال هذه الاوجه التي تتجلى فيها عبارة الرهبة، هناك مجال لابراز العلاقة الرئيسية القائمة بين السبب والمسبب. فمن جهة، هناك سبب الرهبة الذي يجسده الفاعل الذي يوحي بها او يفرضها، ومن جهة اخرى هناك المسبب الذي يتجلى بردة الفعلا لتي تظهر عند الاشخاص المقصودين. الا ان هذه العلاقة هي مباشرة وتلقائية، او بعبارة اخرى انها علاقة طبيعية. فمن خلال الامثلة التي نعالج على ضوئها مدلول الرهبة، يبدو ان الفاعل الذي يوحي الرهبة او يفرضها، انما يستطيع ان يفعل ذلك لانه يمتلك قوة مادية او معنوية يواجه بها الاخرين الذين اما لا يملكونها واما يملكونها ولكن بنسبة اقل. وهذا يعني ان العلاقة السببية بين الرهبة ومفعولها، او بين الفاعل والذي يتحمل الفعل، هي علاقة طبيعية وتلقائية ينحصر فهمها ضمن حدود المبدأ الطبيعي في علاقة القوي بالضعيف: فالضعيف يخاف تلقائيا وطبيعيا من الاقوى الذي يمكنه ان يشكل خطرا مستمرا. وعند هذا الحد فقط تتوقف العلاقة السببية بين الرهبة ومفعولها(29).
ان ما نرمي اليه من خلال هذا التحليل هو ان المعاني التي تقدمها القواميس الفرنسية الابعة المذكورة، لعبارة الرهبة (Terreur)، لا تمكننا، وحتى هذه الفترة من التاريخ اللغوي للعبارة، من التكهن ان الفاعل يستغل مفعول الرهبة بقصد معين، او انه يرمي بشكل واع الى تحقيق افادة معينة من مفعول الرهبة التي يوحيها او يفرضها على الاشخاص المعنيين. وبعبارة اخرى، لا تحمل عبارة الرهبة (Terreur)، حتى هذا التاريخ، معنى الوسيلة التي يستعملها الفاعل بصورة هادفة للوصول الى هدف اجتماعي/ سياسي. بيد ن هناك ملاحظة تجدر الاشارة اليها وهي انه قد ورد في قاموسي فورتيير وريشليه مثل على استعمال عبارة الرهبة (Terreur)، هذا نصه: “سادت رهبة جعلتهم اسايد الساحة”(30). ففي المثل عنصر يقترب الى حد بعيد من مسألة الاستغلال الهادف لمفعول الرهبة ويقوم هذا العنصر على رجة وعي الفاعل لما امكنه تحقيقه من خلال مفعول الرهبة التي فرضها على الاخرين. ولكن هذا لا يعني ان الرهبة قد اصبحت وسيلة حقيية واضحة ومتميزة، وان الفاعل قد لجأ اليها بسبب امكانيتها في تحقيق الهدف الاجتماعي/ السياسي المرغوب. ولكن مهما يكن من امر فان لهذين اللغويين فضلا في تقدم المعنى الذي ستحمله عبارة الرهبة (Terreur)، وذلك من خلال ايحائهما بهذا العنصر الجديد الذي سيلعب دورا كبيرا في تحقيق المدلول الاجتماعي/ السياسي لهذه العبارة تحديدا نهائيا، وذلك خلال الثورة الفرنسية الكبرى.

يتبين مما سبق ان عبارة الارهاب (Terrorisme)، لم ترد مطلقا في اللغة الفرنسية حتى اواخر القرن الثامن عشر. ومع بداية الثورة الفرنسية الكبرى طرأ تحول عميق على مفهوم الرهبة ليس من جهته النظرية بل من جهة ممارسته في الواقع، اذ اصبحت وسيلة يستعملها الفاعل المدرك لمزاياها وللفوائد العملية التي يمكنه تحقيقها من جرائها. وهذا ما ادى بالنتيجة الى ولادة مفهوم جديد ينتمي اليها بحكم الاشتقاق ولكنه مستقل بحكم الواقع الذي يدل عليه.
الارهاب ودوره في الثورة الفرنسية
خلال الثورة الفرنسية الكبرى a Révolution)() (31)لم يطرأ اي تغيير جذري على عبارة الرهبة (Terreur) من حيث عناصرها الاساسية التي تحدد مدلولها باعتباره حالة نفسية معاشة او انفعالا يثيره في النفس شر او خطر معين. ففي الواقع، لقد استمر هذا المعنى السيكولوجي منذ ظهور هذه العبارة حتى اليوم دون اي تغيير. اما اذا كانت الثورة الفرنسية لم تؤد الى تغيير في المضمون السيكولوجي للعبارة فانها نجحت في ادخاله في الحياة الاجتماعية/ السياسية بصورة واضحة. ان ما قدمته الثورة في هذا المجال لا يقوم على وصف الرهبة وتعريفها بل على تطبيق مضمونها وممارسته. وهذا يعني ان ثوار عام 1789، بناة الجمهورية، قد استفادوا من خصائص الرهبة، ممن حيث مفعولها في الناس، ورفعوا شأنها الى مستوى الوسيلة في الحكم. وبالتالي، فانهم ابرزوا البعد الاجتماعي الذي تستطيع ان تحمله هذه العبارة واسندوا اليه دورا سياسيا ادى بالنتيجة الى ايجاد عبارة ارهاب (Terrorisme). وبذلك قدمت الثورة الفرنسية خصائص الارهاب في مجال تطبيقه السياسي، وهذا يعني ان هناك عملية عبور من العبارة الاولى: رهبة (Terreur) الى العبارة الثانية: ارهاب (Terrorisme). ولكن يجب ان نشير الى انه خلال الثورة الفرنسية لم يطرأ اي تغيير على معنى كلمة رهبة
(Terreur) من حيث التفسير القاموسي للكلمة حيث ارتدى شكله الاخير، وكلك في مؤلفات اللغويين الفرنسيين. ولكن، خلال هذه الفترة، يجب التركيز على دلالاتها في الواقع وفي مجريات الاحداث الغنية بالمعطيات السياسية الثورية.
فخلال الثورة الفرنسية، اعطى الموقف الايديولوجي معنى الرهبة مضمونا سياسيا، كما ان الواقع والاحداث كان لها دور في دمج تلك العبارة في الحياة الجماعية. وهنا تجلت الرهبة في الحياة الاجتماعية/ السياسية العملية.
كان لافكار فلاسفة عصر الانور، كما هو معروف، دور رئيسي في التغيير السياسي والاجتماعي الذي بدأ في فرنسا مع الثورة. ففي مقابل مثاليات القرن السابع عشر القائمة على الروح السلطوية الاستبدادية والزهدية التي رسختها الدولة والكنيسة في النفوس، حققت حركة التنوير تقدما سريعا في توعية وتنمية الروح النقدية في المجتمع الفرنسي وذلك بخلق افكار جديدة ومبادئ جديدة تقوم على الايمان بالعقل، وهذا ما فتح المجال امام رفض مفهوم السلطة الالهية المتمثلة بالملكية المطلقة والسنة الكنيسة المتمثلة بالعادات والتقاليد والشعائر التي فرضها رجال الاكليروس، فعم هذا الموقف الجديد مختلف المجالات العلمية والاخلاقية والاجتماعية والسياسية على السواء. لكن كتابات فلاسفة القرن الثامن عشر لم تكن لتؤثر تأثيرا مباشرا على جماهير المجتمع الفرنسي الثوري. اي ان الثوار لم يكونوا قد استوعبوا الافكار الجديدة وتبنوا العقائد الثورية ليناضلوا من اجلها، وبمعنى آخر لم يكن لحركات التنوير تأثير جماهيري مباشر بل اقتصر على النخبة البورجوازية وانتلجنسيا الصالونات والاندية الفكرية، وذلك يعود الى ان الشعب الفرنسي لم يكن يقرأ نظرا لبنية مجتمع ما قبل الثورة وظروف العمل التي كان يعيشها الفلاحون والحرفيون والتي كان من نتيجتها تدن هائل في عدد المتعلمين الذين يعرفون القراءة والكتابة. بالاضافة الى ذلك لم يقدم احد من فلاسفة القرن الثامن عشر ايديولوجية اجتماعية وسياسية محددة بل قدموا مجموعة مبادئ ومدارس فكرية تتناول المسائل الاجتماعية والسياسية والفلسفية الدينية، واسترشد قياديو الثورة البورجوازيون بتوجيهاتها، واقتبسوا منها الجانب الذي يتمشى مع مطالبهم ومواقفهم المعادية للملكية المطلقة وللنظام الاقطاعي. يتضح من ذلك ان البحث عن اصول الارهاب السياسي خلال الثورة الفرنسية ضمن اطار فلسفة التنوير لا يقودنا الى نتائج مرضية وكاملة. فالبرغم من الاثر العميق الذي كان لتلك الفلسفة على قياديي الثورة، لا نرى فيها تلك الدعوة الصريحة الى ممارسة الارهاب كما هو واضح في ما سنسميه بالايديولوجية الجاكوبية المتمثلة بكتابات وخطب روبسبيير وسان جوست بالاضافة الى محاضر لجنة السلامة العامة Comité de Salut Public))( (32، والاجراءات العملية التي اتخذتها تلك اللجنة بهدف تحقيق افكارها ومواقفها السياسية، اي بعبارة اخرى، بهدف بناء الجمهورية وتركيزها.
ليست الايديولوجية الجاكوبية (Jacobinisme) (33) نظاما فكريا مترابطا تنتج عنه حقيقة اجتماعية سياسية معينة، بل مجموعة صور ومفاهيم تغوص جذورها في التاريخ الروماني وفي فلسفة التنوير، “ستعينة بالافكار الحقوقية والسياسية فقط، دون ان يخطر في بالها ان تستعيض عن الدين القديم بدين جديد ما. رغم ان روبسبير حاول، دون جدوى، اقامة دين جديد”(34)، اسماه دين الكائن الاعلى(35). هذه الافكار الحقوقية والسياسية كانت وسائل لاقناع الآخرين واستمالتهم او اخضاعهم(36) بفضل القوة السياسية والعسكرية التي كان يتمتع بها القائمون على قيادة الثورة من الجاكوبيين. اما الفكرة الرئيسية التي كانت محور تلك المفاهيم والاجراءات ومركزها فهي مسألة الجمهورية وما يكتنفها من قيم ومفاهيم جديدة على الشعب الفرنسي ان يعتاد عليها ويتأقلم معها واخيرا يتبناها. وبالاضافة الى ذلك فان الاخطار التي احدقت بهذا النظام الاجتماعي السياسي الجديد، في داخل البلاد وخارجها(37)، كانت عاملا مهما في اعطاء الايديولوجيا الجاكوبية قوتها وثباتها وعنادها. فلقد اخذت على عاتقها التصدي للملكية المطلقة ولنظام الطبقات الذي كان سائدا قبل الثورة، فركزت على بغض الارستقراطية والطغيان ودعت على لسان روبسبير الى اعلان الانسانية كمبدأ غير منفصل عن الحرية. فالانسان الفرد مواطن حر مساو لكافة المواطنين وليس له على غيره افضلية الا بمقدار ما يخدم الجمهورية، بعد ان اصبح قويا بالحقوق التي استعادها بفضل النظام الجمهوري الجديد يجب ان يكون قويا بالواجبات المفروضة عليه. وذلك لان بينه وبين الجمهورية عقد اجتماعي على غرار ما قال روسو(38). ومن هنا اصبح الحكم على الفرد يمر بالجمهورية، واتحد الضمير الاخلاقي مع الضمير الاجتماعي المدني في فكرة الفضيلة، ولم تعد فكرة الوطن قاذمة على محبة قطعة من الارض يولد فيها الانسان بل على محبة بلاد تمثل قوانينها الارادة العامة. الوطن والفضيلة والحرية عناصر متكاملة، فحيث “تتوافر الفضيلة في ظل القوانين، وحيث تسود المساواة بين الناس، وحيث يصبح اسم السيد مجهولا، وحيث يعود الانسان ذلك الكائن الذي تصنعه الطبيعة، حرا وعادلا، ناك يكون وطن الفرنسي”(39). ان الامة، وفي نظام ما قبل الثورة، كانت تقتصر على الملاكين النبلاء والاقطاعيين التابعين لبلاط الملك، اما بعد ثورة 1789 فهي لا تقبل الا المواطنين الذين يجمعهم الولاء للجمهورية وارادة التصدي لاعدائها. فعندما تكون القضية قضية الامة لا يعود هناك ثمة اخوة ولا اخوات ولا اب ولا ام، لان الجاكوبيين يضحون بكل شيء في سبيل وطنهم.
بعد ان تسلم الجاكوبيين قيادة الثورة واعلنوا مبادئ الجمهورية الاولى. كان على فرنسا ان تطوي صفحة من تاريخها وتفتح صفحة جديدة. وكان مفروضا على الجمهورية ان تعيش والا سقط الناظم الثوري وسقط معه الثوار. كان هناك اذا خيار بين اثنين: اما الحياة واما الموت، وهذا ما اكده جو الصراع الذي كانت تنمية الايديولوجية الجاكوبية والذي كان يجمع بين المبررات لكل من هذين الخيارين. فالحرية لا تقوم الا تحت ظل الجمهورية وهكذا يكفي لتبرير حياة المواطنين بكرامة وعدل، وكل ما عدا الحرية فهو استبعاد وموت. ولكن حتى تقوم ايديولوجيا الجاكوبيين وتستمر الثورة وتبنى الجمهورية يجب ان يكون الجاكوبيون وايديولوجيتهم على صواب. فنشأ عند قادة الثورة شوق ملح، ليس فقط للحقيقة، بل لان تكون حقيقتهم هي وحدها الحقيقة المطلقة، ويجب تحقيقها والا بطلت قيمتها وانهارت الثورة. ان الانسان الذي يعتقد انه يملك الحقيقة المطلقة هو انسان شديد الخطر لانه يرفض الحوار مع الاخرين ولا يأخذ بعيبن الاعتبار حقائقهم وعقائدهم وبالتالي حرياتهم على ضوء الشك بحقيقته هو. وعندما تختلط المقاييس وتزعزع القيم ابان الازمات وتقتضي الحال الراهنة قيام مبادئ وقيم جديدة كليا وادخالها بشكل سريع في الجسم الاجتماعي، لا يمكن الا ان يفرض الجديد فرضا وبعنف شديد يصل الى حد الارهاب. ففي داخل كل ايديولوجي يوجد ارهابي ينتظر من يوقظه. وبالتالي فان الايديولوجيا – وكل عقيدة اجتماعية سياسية تدعي حقيقة ما – تقاس ابان الازمات الحادة وفي اوقات الحروب بفاعلياتها، وهذا ما ادركه الثوريون وعملوا على ضوئه وبمقتضاه. فجاء الاجراءات التي اتخذوها في سبيل ذلك لتعطي بعدا جديدا لمضمون عقيدتهم، وشكلت وجها آخر ملازما لها، فلا يقوم الواحد الا بالاخر.
على الرغم من ان الفترة المعروفة باسم “حكم الارهاب (Terreur)”، تتحدد تاريخيا بين العاشر من آب عام 1792، وهو تاريخ الدعوة الى مؤتمر وطني، وسقوط روبسبيير في التاسع من شهر ترميدور في السنة الثانية للجمهورية (27 تموز 1794)، فان ممارسة الارهاب (Terreur) بصورة قانونية ومؤسسية، لم تحصل بشكل علني وواضح الا ابتداء من 10 آذار 1973. ولكن مهما يكن من امر، فلقد اصبح لعبارة
(Terreur) وقع سياسي بالنسبة للحكام والمحكومين على السواء، قبل هذا التاريخ بعد اشهر. ويعود سبب هذا الامر الى حدثين مهمين. اولهما هو المرسوم الذي سمح فيه بمداهمة المنازل لنزع السلاح من المشبوهين، والذي ادى الى توقيف ثلاثة الاف مشبوه بمعاداة الثورة وزجهم في السجون. لقد صدر هذا المرسوم، الذي كان وراءه دانتون
(Danton). في 28 آب 1792، اي قبيل حصول الحدث الثاني المعروف بمجازر ايلول. فحتى عشية 2 ايلول من السنة نفسها، كانت القيادة الثورية تعاني وضعا حرجا وصعبا نشأ عن ضيق السجون والامكنة التي كانت تغص بالموقوفين والسجناء من كل انحاء فرنسا. ان بإمكان هذا الواقع ان يشكل، بحد ذاته، مؤشرا مهما لظهور الارهاب ولكن دون ان يسميه باسمه. ولكن بعد ظهر الثاني من ايلول اطلقت هذه العبارة بمعناها السياسي كما تجلت باعمال معينة تدل على مضمونها الواقعي. ففي هذا الوقت، كان الغزو الخارجي الذي كانت تتعرض له فرنسا الثورة من قبل الدولة المحيطة بها، قد وصل الى ابواب فردان (Verdun) وحاصرها، مما دفع المتوطعين الى ان يهبوا لمواجهة هذا العدو الخارجي. ولكن قبل ذلك كان عليهم واجب “تصفية حساب العدالة” مع اعداء الثورة في الداخل، حسبما نصح به القائد الثوري مارا      (Marat). وليس المقصود باعداء الثورة سوى هؤلاء المساجين والموقوفين الذين بامكانهم ان يستفيدوا من هذا الظرف ليمدوا ايديهم الى العدو. ولذلك، هجم المسلحون جماعات وزمرا تتكون من مارسيليين وبريتانيين وحرفيين من باريس وضواحيها، بالاضافة الى مجموعات من الحرس الوطني، على السجون الباريسية وفي بعض النواحي القريبة وقضوا على جميع المعتقلين فيها(40)، خوفا من تعاملهم مع العدو اثناء انهماك  الثوار برد الهجمات الخارجية، فيهددون بذلك مصير الثورة ومصير الجمهورية، كما يهددون السلامة العامة. وعلى الاثر سارعت  لجنة المراقبة لكومونة باريس (La Commune de Paris) الى “ابلاغ جميع المحافظات ان قسما من المتأمرين القساة، والمعتقلين في سجونهم، قد نفذ فيهم حكم الموت على يد الشعب. انه اجراء عادل، وقد بدا للشعب ضروريا من اجل السيطرة بواسطة الرهبة (Terreur) على آلاف الخونة المختبئين وراء جدران باريس، في الوقت الذي كان يهبّ فيه لمواجهة العدو(41).
يبدو واضحا من خلال النص ان كلمة ارهاب (Terreur) قد استعملت بمعنى يدل على ارادة تأديبية عادلة تنبثق من الشعب في وضع اجتماعي/سياسي معين. انها ردة فعل فورية ايدتها، بهدف سياسي لجنة المراقبة التي تشكل سلطة قانونية رسمية تأسست بمرسوم يمثل النظام السياسي والتشريعي القائم في تلك الفترة.
بعد هذا الحدث الذي فتح صفحة الارهاب السياسي في تاريخ فرنسا، تتالت الاجراءات المشابهة، واخذت الوقائع تضفي على معنى الارهاب الطابع الرسمي والمؤسسي. فبعد سنة تقريبا من مجازر ايلول، اي في منتصف عام 1793. جاء وفد مؤلف من بعض رؤساء المقاطعات ومن بعض الاعضاء في الجمعية الجاكوبية، ليحضر جلسة للمؤتمر الوطني المنعقد في باريس، ليبلغ المؤتمرين ارادة الشعب الفرنسي. وقد جاء في احدى خطب الوفد ما يلي: “لقد حان الوقت للمساواة كيف تعمل منجلها فوق الرؤوس. لقد حان وقت ترهيب المتامرين. ايها المشرعون، ضعوا الارهاب (Terreur) على جدول الاعمال… وليحوّم سيف القانون فوق جميع المجرمين”(42). وردا على ذلك وقف بارير (Barrere) خطيبا ليؤكد للوفد ان الحكومة، تحقيقا لمطالبهم ومطالب الشعب، ستعمد الى تشكيل “جيش ثوري ليحقق تلك الكلمة الكبيرة التي يعود فضلها لكومونة باريس، الا وهي: “ضعوا الارهاب على جدول الاعمال”. وحتى يبدد بارير كل شبهة او سوء فهم اضاف: “انها ليست مجرد انتقامات غير قانونية، بل ستكون المحاكم الاستثنائية هي المولجة بالتنفيذ”(43). اما الذي توجّ رسميا هذا الوعد فهو ما جاء في المحضر الذي حرر على اثر تلك الجلسة اذ جاء فيها: “ان المؤتمر الوطني، بعد ان استمع الى تقرير لجنة السلامة العامة، يقرر ما يلي: سيكون في باريس قوة مسلحة، تمولها الخزينة العامة، وتتألف من ستة آلاف رجل ومن الف ومائتي مدفعي، غايتها قمع اعداء الثورة وتنفيذ الاجراءات الكفيلة بحفظ السلامة العامة التي تقررها
الكونفنسيون (44)”(45).
يتضح مما سبق ان المدلول الواقعي لعبارة رهبة (Terreur) اثناء الجمهورية الجاكوبية، قد مرّ بمرحلتين. فبالاضافة الى المدلول السيكولوجي الذي كانت تتضمنه منذ نشأتها، كانت في المرحلة الاولى ردة فعل فورية قام بها الشعب واستخدمها كأداة دفاع وطني وثوري ضد العصاة والخونة واعداء الثورة. وقد سارعت السلطة القائمة آنذاك الى تغطيتها وتبريرها وابراز عدالتها بغية تحقيق هدف سياسي واضح المعالم. فعندما نعرف ان يوم 2 ايلول كان موعدا لانتخاب ممثلين عن الشعب لدى الجمعية الوطنية. ندرك ان تبرير السلطة لمجازر ايلول الارهابية
(Les Septembrisades) يعني ان قيادة الثورة قد صممت على فرض مبادئها السياسية بالقوة، وارغام الشعب على اختيار العناصر التي ترشحها هي لدخول المجلس، وذلك باذكاء التعصب لدى مؤيدي الثورة. كما كانت ترمي ايضا من خلال تبريرها ذلك الى التهويل على المترجرين باتخاذ اجراءات ليس اقلها القتل والتنكيل تحت ستار الارادة العامة وعدالة الشعب. وبكلمة موجزة، كانت الرهبة (Terreur) في هذه المرحلة وسيلة سريعة المفعول لنشر المبادىء الاجتماعية والسياسية الجاكوبية وتثبيت اسسها. اما في المرحلة الثانية فقد اصبحت الرهبة (Terreur) نظام حكم تدعمه المؤسسات الرسمية واجهزتها السياسية والعسكرية، حتى اصبح من المستحيل ان نذكر الايديولوجية الجاكوبية دون ان نتكلم عن الارهاب ودوره في تسيير عجلة الحكم في السنتين الاوليين من عهد الجمهورية الاولى.
في العاشر من آذار عام 1793. أي بعد ان تبنت حكومة المؤتمر الوطني وسيلة الارهاب. تم انشاء المحكمة الجنائية الاستثنائية التي دعيت على سبيل الاختصار بالمحكمة الثورة. وكان من اهدافها قمع الجرائم التي ترتكب ضد الثورة واجهزتها الحاكمة، كما ارادت الحكومة الثورية من وراء انشاء هذه المحكمة ان تحول دون وقوع مجازر شعبية جديدة كالتي وقعت في ايلول الماضي. الا انها احتكرت بهذا العمل قانونية اللجوء الى الارهاب واحتفظت بحق ممارسته عند الضرورة، ذلك الحق الذي كرسته لها اجهزة التشريع الدستورية. ففي الفترة الاخيرة من تسلمها المهمات الموكلة اليها، كانت تتألف المحكمة الثورية من خمسة اعضاء قضاة يكتمل نصابهم بثلاثة، ومن مدعّ عام له رديفان ومن اثني عشر محلفا لهم اربعة ردفاء. وكانت الكونفنسيون هي التي تعين القضاة والمحلفين. ولكن في 22 من شهر “بريريال (Prairial)” من السنة الثانية للجمهورية (10 حزيران 1794) صدر قانون قدمه روبسيير، تغيرت بمقتضاه اصول المحاكمات لدى المحكمة الثورية: فقد تم الغاء هيئة المحلفين والاستماع الى الشهود، والغيت هيئة الدفاع واجراءات التحقيق الاولية. ومنذ ذلك الحين اصبحت الاحكام مبرمة غير قابلة للاستئناف، كما انه لم يترك لهيئة القضاة سوى الاختيار بين التبرئة او الحكم بالموت(46).
يمكننا ان نستنتج مما سبق ان هذه الاجراءات من قبل الحكومة الثورية لم تغير شيئا في المضمون السياسي والعملي للارهاب،  الا انها جعلت منه ركنا اساسيا من اركان النظام السياسي. لقد كانت الحكومة الثورية تحكم بالارهاب، تلك الوسيلة التي اعتبرت الاصلح والاوفق لتأسيس الجمهورية. وبهذا المعنى يمكننا ان نفهم ما صرحّ به سان جوست
(Saint Just) في تقرير رفعه الى الكونفينسيون باسم لجنة السلامة العامة، ويتكلم فيه ضرورة اعلان الحكم حكما ثوريا الى ان يستبب الامن والسلام في فرنسا. يقول “لن تتأسس الجمهورية الا عندما تقمع ارادة الحاكم الاقلية الملكية وتفرض عليها سلطتها بحق الغلبة”. ثما يتابع سان جوست قائلا “ولكن بين الشعب واعدائه لا يوجد اي قاسم مشترك الا السيف. يجب ان تحكموا بالحديد هؤلاء الذين لا يمكن حكمهم بالعدالة: يجب ان تقمعوا الطغاة”(47). علينا اذ ان نفهم من ذلك، ان العقيدة الجاكوبية التي تنادي بالجمهورية هي عقيدة غير فاعلة ما لم تقترن بالوسائل الكفيلة بتحقيقها. فمن جهة، هناك حقيقة سياسية تبرر حياة الذين يؤمنون بها، ولكن الشرط الاساسي لتلك الحقيقة ليس فقط الايمان بل تنفيذها ونقلها من حيز الفكر المجرد الى حيز الواقع المتعيّن في الزمان والمكان. وهذا يعني ان هناك، من جهة اخرى، عقبات في طريق تحقيق تلك الحقيقة – التي هي الجمهورية. واذا بقيت تلك العقبات قائمة فان صفة الحقيقة تبقى معلقة عن الجمهورية حتى اشعار آخر. بكلمة اخرى، ليس بين الجمهورية والملكية، بنظر قادة الثورة، اي قاسم مشترك: يجب ان تموت واحدة لتبقى الاخرى. وهذا ما يجعلنا نفهم كثيرا من مواقف وآراء روبسبيير: “لا يوجد مواطنون في الجمهورية الا الجمهوريون”(48)، او عندما يقول ايضا “ان من واجب الحكومة الثورية تجاه المواطنين الصالحين العناية الوطنية الكلية، وليس من واجبها تجاه اعداء الشعب الا الموت”(49). لقد كان من شأن هذا الموقف ان يدعو روبسبيير الى ان يكون قاطعا وحاسما في استعماله عبارة الرهبة (Terreur)  ودلالته على مضمونها الواقعي. ففي تقرير قدمه بدوره هو ايضا، الى الكونفينسيون باسم لجنة السلامة العامة، في 25 كانون الاول 1793، حيث كان يتكلم عن مبادىء الحكومة الثورية، يقول: “ليس علينا ان نزرع الرهبة (Terreur)  في قلوب المواطنين والتعساء، بل في مخابىء المجرمين الغرباء حيث يتقاسمون الاشلاء، وحيث يشربون دماء الشعب الفرنسي”(50).
يتضح اذا ان الرهبة (Terreur) قد تجاوزت، في هذه المرحلة، حدود كونها ردة فعل تلقائية تقوم بها الجماهير بدافع من حماستها الوطنية المتزمتة. لقد اصبحت وسيلة حكم يقوم على الترهيب. ومنذ ذلك الحين اصبحت كلمة الرهبة (La Terreur) تدل على نظام الحكم القائم آنذاك، كما تدل ايضا على الفترة التاريخية التي مورست فيها الرهبة من خلال نظام الحكم هذا، والذي انتهى بسقوط روبسبيير.
ان سوقط روبسبيير في التاسع من شهر “ترميدور ()” في السنة الثانية للجمهورية
(27 تموز 1794) واعدامه في اليوم التالي(51)، كان لهما نتائج مباشرة على استعمال كلمة
(Terreur) فلقد ادى هذا الحدث، المهم في تاريخ الثورة الفرنسية الى نشوء كلمة ارهاب (Terrorisme). وتوضيح ذلك ان ممارسة الرهبة من قبل الاجهزة الحكومية الثورية  باشراف الثلاثي روبسبيير وسان جوست وكوتون (Couthon) قد تمت بصورة غير محتملة اجتماعيا وسياسيا وانسانيا. ولذلك فقد استفاد خصوم روبسبيير من هذا الواقع وواجهوا اليه اتهام اللجوء الى هذه الوسيلة الشنيعة في الحكم، وبعبارة اخرى، لقد اتهموه بجريمة ممارسة الارهاب (Terrorisme) واعدم في ساحة الثورة باعتباره ارهابيا “(Terroriste)”. فبهذه الصورة ومن ضمن هذه الظروف استعملت عبارة (Terroriste, Terrorisme) في اللغة الفرنسية لاول مرة.
ان هذا الانتقال من عبارة (Terreur) الى (Terrorisme) يحتوي، لدى تحليله، على عنصر رئيسي في مضمون العبارة الجديدة. فقبل التاسع من ترميدور كانت الرهبة نسقا في الحكم سائدا بصورة قانونية، اذ ان جميع الاجراءات القمعية العنيفة والشرسة، كانت تحصل تحت غطاء القانون الصالح  والشرعي الوحيد. وجميع المطالب والعرائض التي كانت ترفع للحكومة الثورية مطالبة اياها بتطبيق الرهبة، انما كانت تحققها الاجهزة الرسمية والسلطات السياسية والادارية باسم القانون والدستور السائدين. اما بعد الاطاحة بروبسبيير فقد اصبح خصومه اسياد الساحة. وبهدف تبرير الانقلاب الذي قاموا به، قام الخصوم باجراءات “عقائدية” اذا جاز التعبير، وهي انهم عمدوا الى الغاء عبارة رهبة (Terreur) من محاضر الكونفينسيون، كما قاموا ايضا باجراءات دعائية تقوم على استهجان نظام الحكم الذي كان يمارس في السابق، وتحقره مع اصحابه امام الرأي العام. نستنتج من ذلك ان خصوم روبسبيير قد اتهموه مع اعوانه بجريمة القيام باعمال كانت منذ يومين اعمالا قانونية وفاضلة. بيد ان الترميدوريين اذا نجحوا في تجريم حكم الارهاب، فهذا يعني ان الحكم الارهابي الذي مارسوه كان اقل عنفا وشراسة من سلفه، ولم يكن الفارق بين الاثنين سوى تبدل الاشخاص، وهذا ما كان يعنيه جوزف دي ميستر عندما قال مشيرا الى هذا الفارق “بعض المجرمين قتلوا بعض المجرمين”(52).
يتبين من خلال هذا العرض ان معنى النسق في الحكم، والذي كان يسند سابقا الى عبارة (Terreur) قد تحول الى عبارة، (Terrorisme) مع ما اضيف اليه من دلالة اخلاقية تتضمن معنى الادانة. وهذا ما يفسر كون الاكاديمية الفرنسية قد احجمت عن اسناده الى كلمة (Terreur) بل حصرته في (Terrorisme) ففي قاموسها الصادر في العام السادس من الجمهورية عادت الاكاديمية الفرنسية وكرست للرهبة
(Terreur) معنى “الانفعال” السيكولوجي(53) وذلك دون اية اشارة الى العبارة الجديدة. ولم تدرج هذه الاخيرة في قاموس  الاكاديمية الا في الملحق الصادر عام 1829 حيث نجد كلمة (Terrorisme) بمعنى “نظام، نسق الارهاب الذي ساد فرنسا خلال الثورة”(54)، اما كلمة (Terreur) فقد بقيت على معناها نفسه. ولاجل ابراز التمييز بين هاتين الكلمتين، عمدت الاكاديمية الفرنسية الى وضع فعلين مختلفين يتعلق كل منهما بواحد من دينك الاسمين. فهناك فعل (Terroriser) الذي يعني “فرض نسق الرهبة او نظامها” وفعل(Terrorifier) الذي يعني: “جعله يضطرب من الرهبة، اوحى بالرهبة”(55).
اما على سبيل المقارنة مع اللغة العربية فان كلمة (Terrorisme) تقابلها عادة كلمة ارهاب. وقد ردت هذه المفردة عند الزمخشري اذ يقول “يقشعرّ الاهاب اذا وقع منه الارهاب”(56)، ولكن يبدو واضحا انها قد استعملت هنا بصيغة المصدر من فعل ارهب، وبالتالي فهي تقابل كلمة (Terreur) بمعناها المجرد من كل بعد اجتماعي وسياسي. ولم تستعمل كلمة ارهاب العربية للدلالة على الواقع السياسي الا مؤخرا. فقد ورد في “المنجد” مثلا، “الارهابي: من يلجأ الى الارهاب لاقامة سلطته. الحكم الارهابي: نوع من الحكم يوم على الارهاب والعنف، تعمد اليه حكومات او جماعات ثورية”(57). كما جاء في دائرة المعارف ان “الارهاب مصدر ارهب: اخاف، راع، خوفّ، روّع. فهو الاخافة والترويع. يستعمله بعض المعاصرين بمعنى التخويف والتفزيع. ويستعمله البعض الآخر بمعنى التهديد في سبيل الابتزاز والاخذ، وكلمة تهويل اولى بهذا المعنى. وقد يستعمل بمعنى القاء الخوف الجماعي وخلق جوّ من الذعر: (Terrorisme, Terreur) وكلمة “رعب” اولى بهذا المعنى”(58).
من خلال دراسة هذه المرحلة التاريخية التي ادت الى نشوء كلمة ارهاب
(Terrorisme) يمكننا ان نستخرج ثلاثة عناصر رئيسية تختص بها هذه العبارة:
1- انها تتضمن معنى سيكولوجيا يتجلى بحالة الرعب التي يزرعها في النفوس وبدون هذا المعنى تفقد هذه العبارة اسسها ومقوماتها.
2- وتتضمن معنى سياسيا من حيث دلالتها على نسق في الحكم، وبدون هذا المعنى تصبح مجرد ردة فعل عنيفة، تلقائية وفردية.
3- انها تختص باصحاب السلطة. وبدون هذا المعنى تصبح فعلا اجراميا يخضع لاحكام القانون الجنائي العام.
لقد استمر هذا المعنى المثلث العناصر بضع عشرات من السنين. ثم حققت بعدها هذه العبارة قفزة مهمة حصلت بفضل موقف ثوري جديد، ظل يختمر طيلة القرن التاسع عشر، ونعني به موقف الفوضويين والعدميين. وقد طرأ على اثره تحول على مستوى العنصرين الاخيرين.
فهرس:
1ـ د. ادونيس العكرة، الارهاب السياسي، بحث في اصول الظاهرة وابعادها الانسانية، دار الطليعة، بيروت 1993، ص 13.
2ـ الحادي عشر من ايلول، عام 2001، حينما قامت مجموعات انتحارية باختطاف طائرات مدنية وصدمتها في برجي التجارة العالمية في نيويورك وفي مبنى وزارة الدفاع الاميركية “مبنى البنتاغون”.
3ـ محمد الحجيري “ديكتاتوريات و”طالبان” وهنود حمر. من هو الارهابي؟” ملحق النهار، السبت 29 ايلول 2001، ص 6.
4ـ او حزمة اللكتر (Lictor’s bundle-fasce): شعار قضاة الامبراطورية الرومانية الذي كان يتكون من حزمة من العصى تتوسطها بلطة ذات حدين والذي كان يحمله تابع القاضي او اللكتر. اتخذه موسيليني شعارا للفاشية للتعبير عن ان حزبه امتداد للامبراطورية الرومانية وامجادها. ولم تكتف الفاشية باستخدام شعار الرومان بل استعارت القابهم وتشكيلاتهم العسكرية، مثل: قنصل وتريبونو وتشنتوريوني (قائد المائة…) الخ، انظر: جوسيبي دي لونا، موسيليني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الالف كتاب، مصر، 1997 ص 9 & ص 72 الهامش رقم 7.
5ـ او الفاشية او فاشه (Fasce): مشتقة من كلمة “فاشيو” التي تعني الحزمة او العصبة او العصابة. ظهرت عصابات او فاشيات في جنوب ايطاليا وصقلية في سنة 1893 واثارت القلاقل، الى ان تغلبت عليها الشرطة، كما شهرت فاشيات اخرى قبل فاشية موسيليني وقبل دخول ايطاليا الحرب العالمية الاولى وبعد ان هزمها النمساويون في كابوريتو باسم عصابات الدفاع الوطني.