الرئيسية / دراسات / صناعة دولة غزة
IBRAHIM ABRACHE

صناعة دولة غزة

مقدمة
تبوأت غزة مكانة متميزة بين مدن العالم من حيث ورودها في وسائل الإعلام وجذب الاهتمام العالمي، وإن كان انشداد الأنظار في السنوات القليلة الماضية لغزة يعود إلى ما يشهده قطاع غزة من أحداث وخصوصا العمليات العسكرية الإسرائيلية التي وصلت أوجها في العدوان الاخير في يوليو 2014، بحيث بات مصطلح الحرب أو العدوان على قطاع غزة الأكثر ترددا في وسائل الإعلام العالمي وعلى ألسنة المواطنين والمحللين السياسيين، إلا ان لغزة تاريخ عريق يضعها ضمن اقدم مدن العالم حيث ورد ذكرها في التوراة وفي وثائق فرعونية قديمة.
حاضر غزة غير منقطع الصلة بتاريخها، وتميز غزة بشراسة وتكرار العدوان الإسرائيلي إنما يعود لموقعها الجيوسياسي وتكوينها ودورها السسيوثقافي في حمل راية الوطنية الفلسطينية والتصدي للمخططات الإسرائيلية. كانت غزة وستبقى القلعة التي تقف في وجه العدوان الإسرائيلي وتتصدى لكل محاولات الإجهاض على المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني.
سنقارب الموضوع من خلال المحاور التالية :
المحور الأول : غزة في سياقها الوطني
المحور الثاني : الانسحاب الإسرائيلي من القطاع بداية محاولة لنزع غزة عن سياقها الوطني
المحور الثالث : المسار الدموي لصناعة (دولة غزة)
المحور الرابع :مستقبل القضية الوطنية ما بعد عدوان2014على غزة
الخاتمة

المحور الأول
غزة في سياقها التاريخي الوطني
بالرغم من أن كل مدن وقرى وربوع فلسطين متساوية من حيث الانتماء الوطني والمشاركة في النضال الوطني التحرري، إلا أن منطقتين استقطبتا الاهتمام المحلي والدولي أكثر من غيرهما من المناطق وكل منهما تميزت برمزيتها وخصوصيتها التاريخية والنضالية. هاتان المنطقتان هما مدينة القدس بما لها من رمزية دينية ولكونها عاصمة دولة فلسطين، وقطاع غزة لرمزيته الوطنية ولما شهده من أحداث وحالات عدوان لم تشهد مثيلا لها بقية مناطق فلسطين. كان الموقف مما يجري في هاتين المنطقتين بمثابة بارومتر يؤشر على سخونة الأحداث أو هدوئها، كما كان الموقف العربي والدولي مما يجري في هاتين المنطقتين يُقاس عليه للحكم على الموقف من القضية الوطنية بشكل عام.
تعتبر غزة ثاني اكبر مدن فلسطين بعد مدينة القدس حيث تُذكر غزة في أقدم الوثائق التاريخية الفرعونية التي تعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام، ولا ينفصل صمود غزة وتاريخها النضالي المعاصر عن تاريخها القديم في مواجهة الغزو العبراني الأول، حيث جاء في أحد الكتب الدينية اليهودية وهو سفر الملوك الأول الذي يعود لعهد سليمان : إن حدود مملكة اليهود تنتهي عند حدود مدينة غزة التي لم تدخل أبدا ضمن مملكة اليهود، وظلت بعد ذلك ملكا للفلسطينيين. (الملوك الأول 4 : 24)نفس الأمر ورد في سفر القضاة.
غزة تلك المنطقة الصغيرة من جنوب فلسطين والفقيرة بمواردها الطبيعية وشبه الصحراوية لم تتميز فقط من خلال دورها النضالي بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 67 بل كان دورها النضالي قبل الاحتلال لا يقل أهمية عن دورها بعد الاحتلال. فقطاع غزة حافظ على الهوية الوطنية الفلسطينية بعد النكبة وفي سنوات التيه والضياع بعد أن فرضت إسرائيل جنسيتها وقوانينها على فلسطينيي الخط الأخضر، وفرض الأردن جنسيته وقوانينه على فلسطينيي الضفتين، فيما كان ممنوعا على غالبية فلسطينيي الشتات التعبير بحرية عن هويتهم الوطنية أو ممارسة حقهم بالنضال الوطني.
خلال سنوات التيه والضياع استمر فلسطينيو القطاع في حمل راية الهوية الوطنية والحفاظ على الشخصية الوطنية وخصوصا أن القطاع استقبل حوالي مائتي ألف من لاجئي النكبة مما غير من تركيبته السسيولوجية وأصبح ثلاثة أرباع القطاع من اللاجئين الذين كانت الغربة وحياة اللجوء دافعا قويا عندهم لرفض الواقع والنضال من اجل العودة لأرضهم التي شردوا منها، ولاجئو القطاع جسدوا وعبروا عن خصوصية كل قرية ومدينة فلسطينية بملابسها ولهجاتها ومأكولاتها وتجاربها النضالية وذاكرتها التاريخية، وفي قطاع غزة تشكلت أولى خلايا المقاومة الوطنية منذ خمسينيات القرن الماضي، وأبناء القطاع رفدوا الثورة في الخارج بخيرة القيادات والمقاتلين، ومن قطاع غزة انطلقت شعلة الانتفاضة الأولى 1987، وقطاع غزة احتضن اللبنات الأولى لمؤسسات كان يؤمل منها تجسيد حلم الدولة ولو في إطار تسوية مشكوك بنجاحها، فكان المطار ومقر الرئاسة (المنتدى) ومقرات وزارية والمجلس التشريعي والبدء بمشروع ميناء غزة، بالإضافة إلى الممثليات الأجنبية ومشاريع تنموية واعدة الخ.
إن كانت غزة بالنسبة إلى الفلسطينيين تمثل جنوب فلسطين أو منطقة من فلسطين يحبونها كما يحبون فلسطين، فإنها بالنسبة لأهل غزة تمثل مسقط الرأس أو الوطن الصغير وخصوصا بالنسبة لمن لم ير أية منطقة أخرى من فلسطين. ولكن وطن الذاكرة أو وطن مسقط الرأس مجرد إثبات مكان مولد أو ذكريات جميلة عن مرحلة الطفولة والمراهقة، إنه حب أضافي لفلسطين الوطن الكبير، كما هو الحال لحب ابن الخليل لمدينته وحب أبن القدس لمدينته وابن يافا لمدينته. لا يمكن لمسقط الرأس أن يشكل وطنا ودولة، ولا يمكن لأي منطقة تتميز بدور أو بخصوصية نضالية أن تشكل دولة أو كيانا خاصا، فلكل مدينة في فلسطين تاريخها النضالي، ومقابر شهداء فلسطين في الأردن وسوريا ولبنان لا تميز بين شهداء مدينة ومدينة، فالشهداء قضوا في سبيل الله والوطن وليس دفاعا عن مدينة بعينها.
لن نقلل من المعاناة التي يعيشها أهلنا في قطاع غزة منذ حصاره عام 2006، ولكن يجب أن لا ننسى أن كل فلسطين محتلة وأن أهلنا في الضفة والقدس وفي مخيمات لبنان واليوم في مخيمات سوريا عاشوا ويعيشون معاناة لا تقل عن معاناة أهل غزة، وبالتالي فالتميز بقسوة المعاناة لا يبرر مجرد التفكير بالخروج من الحالة الوطنية من خلال توظيف المعاناة لخدمة تطلعات سلطوية للبعض أو لخدمة أجندة خارجية. وحتى نكون أكثر وضوحا وصراحة، وبعيدا عن الانتقائية في الحديث عن المعاناة، فإن أهلنا في الضفة والقدس هم الأكثر معاناة من الاحتلال والمعركة الحقيقية بالمقياس الوطني هي التي تجري هناك، ويجب أن نحكم ونحاكِم ونُقَيم الوضع في الضفة والقدس ليس من خلال سياسة السلطة وممارساتها بل من خلال معاناة الشعب وما تتعرض له الأرض من استيطان وتهويد.
خلال ست وستون سنة من تَشَكُل قطاع غزة بتركيبته الجغرافية والبشرية الراهنة جرت محاولات ومؤامرات متعددة لنزع القطاع من سياقه الوطني، وكانت اخطر هذه المحاولات ما أقدمت عليه إسرائيل من انسحاب من القطاع من جانب واحد عام 2005، الأمر الذي مهد لاحقا لسيطرة حركة حماس على القطاع، وبداية الحديث عن مخطط لفصل غزة عن المشروع الوطني والكل الوطني والدفع بها جنوبا نحو مصر، أو اقتطاع جزء من سيناء وضمه لقطاع غزة لإقامة (دولة غزة) المنسلخة عن تاريخها وسياقها الوطني، الأمر الذي وضع المشروع الوطني على المحك. وجاءت تطورات الأحداث في قطاع غزة : الحصار، الانقسام، والحروب الثلاثة – حرب نهاية 2008 وبداية 2009، وحرب 2012، وحرب 2014 – التي شنتها إسرائيل على القطاع لتؤكد خطورة ما يُحاك للمشروع الوطني من مؤامرات ليس فقط من إسرائيل بل أيضا من أصحاب مشاريع وأجندات عربية وإقليمية.

المحور الثاني
الانسحاب من القطاع 2005 ومحاولة نزع غزة عن سياقها الوطني
يتعرض قطاع غزة لتهديد رباعي الأبعاد : الاحتلال بالرغم من خروج الجيش الإسرائيلي من وسط القطاع عام 2005، الانقسام، الحصار، ومن العدوان العسكري المتكرر. لكن غزة تبقى أرضا فلسطينية وليست محل أطماع أحد، لا من إسرائيل ولا من دول الجوار، وليس من خيار أمام فلسطينيي غزة إلا أن يكونوا فلسطينيين. فبعد سنوات من المحاولات الإسرائيلية الفاشلة لثني الفلسطينيين عن هدفهم بإقامة دولتهم المستقلة، والفشل في إخضاع القطاع وكسر روح المقاومة أو تدجين سكانه لحالة من الاستكانة، لم تجد دولة الاحتلال من وسيلة إلا الخروج عسكريا من القطاع في عام 2005 في محاولة منها لضرب المشروع الوطني وقطع التواصل بين الضفة والقطاع.
الانسحاب الإسرائيلي (أحادي الجانب) وغياب استراتيجية فلسطينية للمواجهة
لم يكن الانسحاب من غزة قرارا مفاجئا لكثير من الأطراف بل جاء تنفيذا لمخطط استراتيجي إسرائيلي بدأ التفكير فيه رسميا بعد فشل مباحثات كامب ديفيد الثانية عام 2000. فكرة الانسحاب من قطاع غزة من جانب واحد كانت حاضرة عند المفكرين الاستراتيجيين الإسرائيليين قبل الانسحاب بوقت طويل، فقد تم تناول الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة كسيناريو محتمل في تقرير صادر عام 1989 عن مركز جافي الإسرائيلي، وفي التعقيب على نتائج هذا السيناريو يقول التقرير : (ومن الممكن أن تكون الآثار الناجمة داخل القطاع حادة بشان السلطة بين وطنيين علمانيين – مدعومين بعناصر من منظمة التحرير يأتون من الخارج – وبين مسلمين أصوليين يتمتعون بقوة أكبر من قوتهم في الضفة الغربية. وأي تكن النتيجة فان الدويلة في غزة ستلهب نزاعا مطردا باستمرار مع إسرائيل ولن يجني أي من الفلسطينيين الآخرين فائدة فورية منه. وستجد السلطات الغزية صعوبة في احتواء العنف الموجه نحو إسرائيل وفي حين أنها ستكون قلقة بالتأكيد من ردات إسرائيلية انتقامية عنيفة وغير متحمسة لعودة الاحتلال فمن غير الواضح إلى أي درجة سيرتدع السكان عامة بفعل الخطر الأخير، فالأحوال في غزة قد تسوء إلى درجة أن بعض الغزيين قد يستعيد ذكرى الاحتلال الإسرائيلي بشيء من الحنين).
في 1 نوفمبر 2004 صدرت وثيقة عن مؤسسة TOLEDANE تتضمن ورشات عمل غير رسمية عقدها فريق مشترك فلسطيني /إسرائيلي في مدريد دعا لها شلومو بن عامي وزير خارجية إسرائيل الأسبق والذي كان يعمل نائبا عن مدير مؤسسة TOLEDANE. في ذاك الوقت كان الرئيس أبو عمار محاصرا في مقر المقاطعة في رام الله، وكان جوهر النقاش يدور حول الكيفية التي سيتم فيها فصل غزة عن الضفة وتشكيل إدارة انتقالية للسلطة في قطاع غزة بعيدا عن السلطة الفلسطينية. تم عقد هذه الورشة في خضم العداء الأمريكي والإسرائيلي للرئيس أبو عمار، واتفق الطرفان على البحث عن قيادة فلسطينية جديدة، ولم تكن الأطراف العربية المعنية وخصوصا مصر وأطراف دولية بعيدة عما يجري.
كانت النقاشات واضحة ومركزة على خلق منطقة إدارية انتقالية فلسطينية في قطاع غزة (PAT) وهذا يعني أن قطاع غزة : (يجب أن يكف عن كونه منطقة محتلة كما أعلنت خطة الانسحاب الإسرائيلية، إذ يجب تغيير وضعه القانوني استجابة لهذا التغيير، وسيحتاج إلى بنى سياسية وقانونية جديدة يجب إقامتها لإدارة الإقليم بشكل فعال، ومع ذلك، عملية التخطيط لبنية عملياتية سياسية وإدارية في غزة يجب أن لا تعيق طريق مفاوضات الوضع النهائي لحل الدولتين). كما تحدثت الوثيقة عن تشكيل “ميثاق غزة ” من أشخاص من منظمة التحرير أو من السلطة أو من خارجهما ومن المجتمع المدني: (ويجب أن يتم التصديق على رئيس تنفيذي، أو رئيس (Chief ) للإدارة الانتقالية الفلسطينية وكذلك على وزارة لمساعدة المعينين لإدارة شؤون المناطق المخلاة في غزة)… وترى الوثيقة أنه من الممكن إيجاد الشخص أو الهيئة التي ستدير القطاع : ( إذا قامت مصر والمجتمع الدولي بالضغط على السلطة الفلسطينية والرئيس عرفات من أجل الموافقة على تعيين شخص أو لجنة لتولي مسؤولية الحكم والإدارة في غزة بعد الانسحاب إلا أن هذا الضغط لم يحرز أي نتيجة).
جاءت الظروف لتنفيذ الخطة بعد وصول عملية التسوية لطريق مسدود واندلاع انتفاضة الأقصى 2000 حيث تم طرحها علنا من طرف شارون في مؤتمر هرتسليا يوم 18-12- 2003، وصادقت الحكومة الإسرائيلية على خطة الفصل المعدلة يوم 4-6 -2004، وكان الحديث عن الانسحاب من مستعمرات قطاع غزة وأربع مستوطنات في الضفة، وتم تفعيل الخطة مع احتدام الصراع مع أبو عمار وسعي إسرائيل وواشنطن لتصفيته سياسيا والبحث عن قيادة بديلة.
منذ بداية الحديث الجاد عن عزم إسرائيل إعادة نشر قواتها في القطاع وسحب مستوطنيها قلنا بأن المرحلة القادمة ستكون حبلى بالتطورات والتوقعات والمراهنات، منها ما نملك خيوطها والقدرة على تحديد مسارها وضبط تداعياتها، وغالبيتها تملك إسرائيل وقوى خارجية أخرى خيوطها وتحديد مسارها. وقلنا بأن المرحلة القادمة والتي عنوانها تطبيق خطة شارون شبيهة بمرحلة أوسلو، فالآتي مخطط سياسي جديد ولكنه يأتي في ظل متغيرات محلية ودولية أقل تفاعلا وتجاوبا مع حقوقنا المشروعة وفي ظل موازين قوى عسكرية وحضارية أكثر ميلا لصالح إسرائيل.
قيادات رسمية فلسطينية كانت تعلم بالمخطط وتعلم بأن شارون لا يهرب من غزة بقدر ما إنه يقدم القليل ظاهريا وتكتيكيا ليأخذ الكثير استراتيجيا، وخصوصا تدمير وحدة المشروع الوطني والتخلص من الكثافة السكانية في القطاع. استهترت أو هونت بعض القيادات من الخطة إما لجهلهم بأبعادها أو لأن شارون أربكهم بخطته ولأنهم لا يملكون البديل، فالانتفاضة وصلت لمأزق والمفاوضات وصلت لمأزق.
تم تشكيل لجنة تحت رئاسة الوزير محمد دحلان للتعامل مع خطة شارون وتم رصد مبلغ عشرين مليون دولار لتنسيق عملية الإشراف على الانسحاب وتسهيله. نعتقد أن تشكيل لجنة للإشراف على الانسحاب بتزامن مع قرار من حركة حماس وبقية فصائل المقاومة بوقف الأعمال العسكرية أثناء فترة الانسحاب معناه الاعتراف الفلسطيني بالخطة بل واستعداد البعض باعتمادها كمنطلق لتسوية جديدة وهو ما تريده إسرائيل.
لم يكن الخروج من غزة هروبا لجيش الاحتلال بل مخططا سياسيا متكاملا له تداعيات خطيرة سياسية واقتصادية وقانونية. وكان يُفترض على السلطة تشكيل لجان لبحث الوضعية القانونية لغزة بعد خروج الجيش الإسرائيلي ؟ هل ستكون سيادة فلسطينية أم حكم ذاتي موسع ؟ هل سيكون الانسحاب تطبيقا لقرارات الشرعية الدولية أم تطبيقا إسرائيليا لخارطة الطريق دون أية مرجعية إلا مشيئة شارون ؟ والوضعية القانونية لغزة ستختلف حسب مرجعية الانسحاب، إلا أنه لم يحدث شيء من ذلك، حيث شغل الصراع على السلطة بين مراكز القوى داخل السلطة نفسها، والصراع بين فتح وحماس، الجميع عن الخطر الذي يهدد الوطن.
خطة الانسحاب قطعت الطريق على المبادرة العربية للسلام وعلى مشروع الدولة الفلسطينية.
كانت إسرائيل ترمي من خلال الانسحاب من القطاع من طرف واحد إلى إرباك الفلسطينيين والتشويش على المبادرة العربية للسلام التي طرحها العرب قبل سنتين من طرح إسرائيل لخطة الانسحاب، وإلى افتعال خلافات فلسطينية داخلية وفلسطينية عربية، وقطع الطريق على مشروع الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع.
لم تكن خطورة خطة الانسحاب تكمن في ضيق مساحة قطاع غزة بل في كونها محاولة لإجهاض المشروع الوطني الفلسطيني – كيانا سياسيا وهوية وطنية – وعلى هذا الأساس فإن الخطة كانت أكثر خطورة وسوءا من خطة خارطة الطريق حتى بالتحفظات الأربعة عشر التي وضعها شارون عليها، فخطة خارطة الطريق حتى بالصيغة الإسرائيلية كانت تعترف بوجود طرف فلسطيني مفاوض، وكانت ترتب حقوقا والتزامات على كلا الطرفين، وكان لها مرجعية دولية والأهم من ذلك أنه كان يلوح بالأفق دولة فلسطينية، وكلها أمور مفتَقَدة في خطة الانسحاب.
قضت خطة الانسحاب على كل المرجعيات القانونية والسياسية التي كانت تعترف للفلسطينيين بحقوق سياسية، حيث تجاهلت منظمة التحرير والسلطة وبالتالي تجاهلت الحقوق السياسية الوطنية التاريخية، كما تجاهلت قرارات الشرعية الدولية وبالتالي حقوقنا المستمدة من هذه الشرعية كالحق بدولة حسب قرار 181 وحق العودة حسب قرار 194 وحق تقرير المصير حسب قرارات متعددة للجمعية العامة بالإضافة إلى قرار 242 الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة، وغيرها من القرارات التي صدرت خلال سنوات الانتفاضة وتعترف بحق الفلسطينيين بدولة مستقلة.
خطورة الخطة على المشروع الوطني كانت تكمن أيضا في كونها لم تتحدث بوضوح عن انسحاب من قطاع غزة بل من مستوطنات غزة، مع استمرار سيطرتها على المياه الإقليمية للقطاع والجو بالإضافة للشريط الحدودي – وبالتالي استمرار مصادر للتوتر-، أيضا الخطة تتحدث عن إعادة انتشار وعدم وجود عسكري إسرائيلي دائم، كما أنها لم تتحدث عن سيادة فلسطينية على غزة بل عن سيطرة أمنية فلسطينية ومصرية بعد الانسحاب، وفرق كبير بين السيطرة الأمنية والسيادة. أيضا الخطة تحدثت عن فك الارتباط مع الفلسطينيين وليس مع فلسطين أو أرض فلسطينية، مع إبقاء السيادة والأمن العام بيد إسرائيل، وهو ما كان في اتفاقية أوسلو، حيث استغلت إسرائيل هذا النص حول مسؤوليتها عن الامن العام لتبرير إعادة اجتياحها لقطاع غزة لاحقا.
حذرنا منذ ذاك التاريخ بان الثمن الذي قد يضطر الفلسطينيون لدفعه مقابل إشرافهم على غزة، هو الضفة الغربية والقدس، وحذرنا من مخطط فصل غزة عن الضفة، ومن أن الفلسطينيين لن تكون لهم سيادة على غزة، والحكم الذاتي الذي سيمارسونه على غزة هو كقصور على رمال متحركة. فبالإضافة إلى محدودية سلطتهم – حيث سيشاركهم فيها المصريون من خلال تحكمهم بالمعابر – قد تتحول غزة إلى ساحة لمواجهات قد تأخذ أبعادا خطيرة بين الفصائل، فالمناصب المتاحة وخيرات القطاع المحدودة هي دون القدرة الاستيعابية لشباب غزة الذين يتزايدون باستمرار وسيكون الأمر أكثر صعوبة إذا ما توقفت المنظمات عن عملها العسكري وتحولت إلى العمل السياسي، آنذاك ستطالب بنصيبها من المناصب والخيرات التي هي محدودة في غزة.

المحور الثالث
المسار الدموي لصناعة (دولة غزة)
خروج الجيش الإسرائيلي من القطاع لم يكن كافيا لوحده لتدمير المشروع الوطني وكان مطلوبا استكمال المخطط بخلق فتنة داخلية تؤدي لترتيب أوضاع سياسية وأمنية في القطاع متباينة عما هو في الضفة، بمعنى استكمال الانقسام الجغرافي بانقسام سياسي ومؤسساتي، وهذا بدوره كان يحتاج لأدوات ضغط أو مبررات إكراهية لتمرير المخطط، فكان الحصار والحروب المتكررة.
سيطرة حماس على غزة كتحد للمشروع الوطني
ما جرى يوم 14 يونيو 2007 من هجوم لعناصر حماس على المقرات الأمنية والمؤسسات المدنية التابعة لحركة فتح ولمنظمة التحرير والسلطة الوطنية، واقتحام وتدمير بيت الرئيس أبو عمار ومكتبه وكذلك بيت ومكتب الرئيس أبو مازن ومقر منظمة التحرير الفلسطينية، ومهاجمة البيوت والمدنيين المحسوبين على حركة فتح وممارسة عمليات قتل بشعة، الخ، كان نتيجة حتمية لما سبقه من أحداث، أو بداية المرحلة الثانية لتدمير المشروع الوطني، من خلال تمكين حركة حماس ذات المشروع المغاير للمشروع الوطني من السيطرة على قطاع غزة وصيرورة القطاع كيانا أو حالة سياسية قائمة بذاتها خارجة عن سيطرة أو إشراف منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.
لم يصدر حتى الآن دراسة أو تقرير رسمي أو غير رسمي يضع ما جرى في قطاع غزة في سياقه الحقيقي، حتى اللجنة التي تم تشكيلها بطلب من الرئيس أبو مازن للتحقيق في أسباب سقوط قطاع غزة بيد حماس ركز على الجانب الأمني والعسكري الداخلي فقط، مع إشارة عابرة إلى الدور الخارجي للأحداث حيث ورد فيه : ( إن بعض المؤشرات تقود إلى الاستنتاج بأن بعض القيادات انخدعت بأطروحات حماس ووقعت في مصيدتها، فكانت تنظر إلى المجابهة مع حماس، بمعطيات الصراع الداخلي الفتحاوي وانغماسها فيه، مما غيب عنها بصيرة رؤية الأحداث والتحولات الجارية بمحيطها، وكذلك الأبعاد الحقيقية لمجريات تلك الأحداث).
ما بعد الانقسام وبشكل مخطط ومدروس تم توجيه الأمور في قطاع غزة وفي الضفة بما يعزز تكريس عملية الفصل بينهما والتعامل مع قطاع غزة كأنه كيان سياسي قائم بذاته. كان فرض الحصار على قطاع غزة وعمليات العدوان العسكري أو الحروب المتكررة على القطاع من آليات ومستلزمات تكريس الانقسام وتعزيز التباين بين الضفة وغزة وجذب الانتباه إلى ما يجري في القطاع وإبقائه جبهة مفتوحة حتى يتم إبعاد الأنظار عن الضفة والقدس حيث الحرب الفعلية التي تخوضها إسرائيل وحيث يجب أن تكون حربنا مع إسرائيل.
بعد سيطرة حماس على القطاع اعتبرت إسرائيل وبقرار من الكابينت صدر يوم 18-9 2007 أن قطاع غزة كيانا معاديا، بالرغم من أنها لم تحرك ساكنا طوال أيام القتال الذي مكن حماس من السيطرة على كل مناحي الحياة في القطاع، وقد انتقدت منظمة التحرير وحركة فتح القرار الإسرائيلي لأنه سيزيد من معاناة سكان القطاع، فيما اعتبرته حركة حماس بمثابة إعلان حالة حرب عليها، أما بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة فقد انتقد القرار من منطلق أنه (سيكون مخالفاً لالتزامات إسرائيل تجاه السكان المدنيين في غزة بموجب القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان).
مقابل توجه حماس بالاستفراد بحكم غزة فإن جزءا لا باس به من أهالي الضفة بالإضافة إلى قيادات في السلطة لم يُظهروا كثير اهتمام بانفصال غزة عن الضفة، بل برزت نزعات غير مريحة في الضفة لا تخفي فرحة بالتخلص من (عبء غزة ) وتنظر بعين الريبة لأبناء قطاع غزة المتواجدين في الضفة، وكان يتم تغذية هذه التوجهات المعادية لغزة من نافذين لهم علاقات مع الإسرائيليين ومع بعض الجهات في الأردن.
سادت حالة من الالتباس وتناقض التصريحات والمواقف على خطاب قادة حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى، عند تناولهم الوضع القانوني لقطاع غزة. أحيانا يتحدثون عن قطاع غزة كأراضي محررة، وبالتالي يُسقطون عنه صفة الاحتلال، وتارة أخرى يتحدثون عنه كأراضي محتلة ويطالبون العالم بالتعامل معه على هذا الأساس، تارة يتعاملون مع القطاع باعتباره جزءا من السلطة والدولة الفلسطينية ويطالبون الرئيس أبو مازن والسلطة بالقيام بواجباتهما المادية تجاه القطاع على هذا الأساس، وتارة أخرى يتحدثون عن القطاع ككيان قائم بذاته له حكومته الشرعية ومجلسه التشريعي وأجهزته الأمنية والقضائية والجبائية الخ، ولا يخضع للرئيس المنتهية ولايته ولا لـ (سلطة أوسلو) كما يزعمون !.
لا شك أن حركة حماس تم انتخابها من الشعب، ولا شك أيضا أن قرارات المجلس الوطني الفلسطيني شرعية، ومن هذه القرارات ما ورد في البرنامج المرحلي لعام 1974 حيث جاء أنه يمكن لمنظمة التحرير إقامة سلطة وطنية مقاتلة على أي جزء من فلسطين يتم تحريره أو يُعطى لنا… لكن ما آل إليه أمر القطاع من سيطرة حماس عليه وطبيعة علاقة القطاع بالضفة وعلاقة الطرفين بإسرائيل، وعلاقة حماس بمنظمة التحرير لا يتطابق مع مضمون البرنامج المرحلي.
كانت حركة حماس أمام تساؤلات كبيرة وكثيرة ولكنها كانت تتهرب من الإجابة عنها بوضوح مثلا : هل قطاع غزة أرض محتلة أم منطقة محررة ؟ فإن كان القطاع أرضا محتلة فعلى حماس أن تعلن ذلك وآنذاك عليها أن تجيب على الأسئلة التالية : لماذا تقيم حركة حماس في أرض محتلة سلطة وحكومة ومجلس تشريعي ؟ ولماذا تُريح الاحتلال من مسؤولياته تجاه الشعب الخاضع للاحتلال المنصوص عليها في القانون الدولي، وذلك بسعي الحركة لتوفير متطلبات الحياة اليومية للمواطنين ؟ ولماذا تطالب بفتح الحدود مع مصر كحدود فلسطينية –مصرية ؟، وإن كانت غزة أراضي محتلة فلماذا تستقبل حركة حماس الوفود العربية والأجنبية على أراضي محتلة وتتباهى أمامهم بأنها حررت غزة بالمقاومة وتطالب العرب والمسلمين والأجانب بزيارة غزة للاطلاع على تجربة الاستقلال الفريدة من نوعها ؟.
أما إذا كان القطاع منطقة محررة أو مستقلة، فهذا يتطلب الإجابة على التساؤلات التالية : لماذا استمرار العدوان والتوغلات الإسرائيلية على القطاع ؟ ولماذا استمرار حفر الأنفاق وإطلاق الصواريخ على إسرائيل؟ ولماذا لا تحدد حركة حماس العلاقة التي تربط غزة بالضفة ؟ ولماذا لا تعلن استقلال قطاع غزة ؟ وإن كانت غزة محررة، فلماذا لا تمارس السلطة القائمة في القطاع سيادتها على المجال الفضائي والبحري للقطاع؟ ولماذا فقط تضغط لفتح الحدود مع مصر دون أن تحاول فتح الحدود البحرية والمجال الفضائي ؟ ألا تدرك حركة حماس أن مطالبتها للعالم للتخاطب والتفاوض معها كسلطة شرعية في قطاع غزة، يعني تكريس فصل القطاع عن الضفة؟.
أسئلة كثيرة وكبيرة، بعضها سياسي وبعضها قانوني، وفي الحالة الفلسطينية يتداخل القانون بالسياسة كما يتداخل الاقتصاد والدين بالسياسة، وهنا نذكر بالبعد الدولي للموضوع، مثلا إن قرارات الشرعية الدولية تتعامل مع الضفة والقطاع كوحدة واحدة، والشرعية الدولية تعتبر أن منظمة التحرير الفلسطينية هي ممثل الشعب الفلسطيني وبالتالي هي المخاطِب والمخاطَب بهذا الشأن، أيضا قرار المجلس الوطني أعلاه يتحدث عن سلطة وطنية بينما حماس خارج إطار منظمة التحرير وتشكك بالصفة التمثيلية الوحدانية للشعب، كما أنها تمثل مشروع إسلام سياسي له امتدادات خارجية، يتجاوز المشروع الوطني إن لم يكن متصادما معه.
لا نروم من هذه الأسئلة التقليل من أهمية أن يكون وجود الاحتلال في جزء من الوطن أقل حضورا من بقية أجزاء الوطن، ولكننا لا نريد للشجرة أن تخفي الغابة، ولا نريد لتضحيات آلاف الشهداء والمعتقلين وما خلفوا من آلاف اليتامى والأرامل والمنكوبين، عبر أكثر من ستة عقود من النضال داخل الوطن وخارجه، لا نريد لها أن تؤول لمجرد كيان سياسي دون سيادة مرتبط بمشروع خارج حدود الوطن على حساب المشروع الوطني بحدوده الدنيا – مشروع الدولة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشريف وحق عودة اللاجئين -. وهنا نعيد التأكيد بأنه ليس المهم من يحكم في غزة ؟ حركة فتح أو حركة حماس أو الجهاد أو الشعبية الخ ؟ بل المهم أن تكون الحالة السياسية في القطاع جزءا من المشروع الوطني ونقطة منطلق لاستكمال هذا المشروع. وأن لا يكون ثمن تمكين حركة حماس من حكم مريح للقطاع، إطلاق يد إسرائيل بالضفة والقدس ووأد المشروع الوطني.
رفع الحصار: مطلب مشروع ونوايا مبيتة
تحت شعار رفع الحصار عن غزة يتم استكمال مخطط الإجهاض على المشروع الوطني الفلسطيني وتكريس فصل غزة عن بقية الوطن. جاء الحصار على قطاع غزة ليخدم هدف تكريس الانقسام، حيث إن الحديث عن حصار غزه ورفعه أو تخفيفه غطى على جوهر القضية الوطنية، وبدلا من أن تدفع ديناميكية دعوات رفع الحصار التي أوجدها رأي عام عالمي يتزايد في تأييده ودعمه للفلسطينيين إلى التسريع بالمصالحة زادت من تعقيد ملف المصالحة وجعلتها أبعد منال.
غالبية الحديث عن رفع الحصار كان وما زال مُنّبَت الصلة بجوهر القضية الفلسطينية، حيث يدور عن رفع الحصار عن غزة بما يكرس فصلها عن الضفة وتأبيد حالة القطيعة بين الطرفين، أما الرؤى التي تسعى لتزامن رفع الحصار مع المصالحة بما يحافظ على وحدة الشعب والأرض فهي محدودة، حتى الحرب الأخيرة 2014 بما تركته من دمار ومآسي أفرزت ميكانزمات ودعوات انفصالية اكثر من التوجهات التوحيدية.
الحديث عن حصار قطاع غزة والدعوات المتكررة لرفع الحصار عنه وتوالي الزيارات لغزة من شخصيات سياسية أوروبية وأمريكية وغيرها عبر معبر رفح، كان يطرح أكثر من سؤال حول دوافع الزوار ودوافع هذا التحمس الكبير لرفع الحصار عن غزة، في الوقت الذي تتعاظم فيه الممارسات الصهيونية في الضفة والقدس لتهدد الوجود الوطني برمته ؟. غالبية الوفود العربية والإسلامية والدولية التي هلت على غزة تحت شعار رفع الحصار عن غزة أو لبيك غزة ونصرة غزة الخ، تعاملوا مع المشكلة في غزة من منظور إنساني، والبقية نصروا غزة من منظور الإسلام السياسي المُتَطلع إلى تثبيت كيان سياسي تابع لمشروع إسلامي شمولي، والجميع كانوا يتجاهل جوهر المشكلة أو التعامل مع غزة كجزء من حالة وطنية أشمل.
مشكلة غزة ليست إنسانية فقط، صحيح كان يوجد وما زال حالة صعبة في مجالات الغذاء والدواء والكساء والتعليم والمياه والعمل الخ، وحرية سفر أهل غزة كانت وما زالت مقيدة، ولكن هذه كلها تداعيات لجوهر المشكلة وهو استمرار الاحتلال وإعاقة إسرائيل لعملية السلام والانقسام الفلسطيني الداخلي.
المشكلة في غزة سياسية كما أن غزة ليست أصل المشكلة، وإن كانت أطراف خارجية تريد التغطية على التهرب من مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية والسياسية تجاه الشعب الفلسطيني من خلال التدخل في القطاع بدوافع إنسانية، ويمكن لهذه الأطراف أن تزعم بأنها قامت بواجبها من خلال بعض المساعدات، وإن كانت أطراف من الإسلام السياسي توظف أيضا معاناة أهل غزة لترفع الحصار عن غزة لتثبيت سلطة حركة حماس ككيان سياسي منفصل عن الضفة ومجمل الوطن، فإننا نقول بأن غزة ليست فلسطين ولا قيمة لأي كيان سياسي في غزة بمعزل عن الوطن الفلسطيني والمشروع الوطني الفلسطيني الذي يجب إعادة بنائه وليس الهروب من استحقاقاته، والذين يركزون اليوم، بعد الحرب الدموية التي أزهقت اكثر من ألفين ومائتي شهيد وعشرة آلاف جريح وتدمير غير مسبوق في البيوت، على رفع الحصار عن غزة فقط من خلال ممر مائي أو مطار إنما يستكملون تنفيذ خطة شارون للانسحاب من القطاع عام 2005 سواء كانوا مدركين ذلك أم لا، ويصنعون دولة غزة.
مع كامل التقدير لكل من يتعاطف مع معاناة أهل غزة إلا أنه يجب الحذر من توظيف بعض الأطراف للأوضاع في قطاع غزة لسلخه عن الضفة، وخلق حالة كيانية سياسية في قطاع غزة منفصلة عن بقية الأرض الفلسطينية، هذا التوجه كان حاضرا بداية مسلسل التسوية الذي كانت أولى خطواته غزة وأريحا أولا، وكانت إسرائيل وما زالت تريده هكذا، وهو التوجه الكامن وراء انسحاب شارون من غزة، وهو التوجه الذي حكم كل الاستراتيجية الصهيونية بغض النظر عن الأحزاب الحاكمة.
من يعتقد أن رفع الحصار عن قطاع غزة وصيرورة غزة كيانا سياسيا مستقلا، سواء بسبب حملات رفع الحصار أو نتيجة حروب إسرائيل المتكررة على القطاع والتي قد تستدعي تدخلا دوليا لتدويل مشكلة القطاع، سيكون إنجازا وطنيا، فليسأل نفسه لماذا قدم الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء والأسرى والجرحى بالإضافة إلى المعاناة والدمار خلال ستة عقود؟ ولماذا رفض الراحل أبو عمار في بداية مسلسل التسوية بل منذ كامب ديفيد الأولى استلام قطاع غزة وإقامة دولة فيه ؟. من يعتقد أن رفع الحصار عن غزة وصيرورتها كيانا سياسيا إنجاز وطني، فليعترف بأن ممارسته للمقاومة المسلحة ودفعه آلاف الشباب للموت والأسر وتعريض بنيات الوطن للدمار الخ، لم يكن من أجل تحرير فلسطين بل من أجل سلطة هزيلة في قطاع غزة.
سيكون واهما من يعتقد أنه إذا ما رُفِع الحصار عن غزة خارج إطار وحدة الأراضي الفلسطينية ووحدة الشعب ستتحول غزة لكيان وطني مستقل وتشكل قاعدة نضالية ومنطلقا لاستكمال تحرير الوطن، فغزة التي لا تمثل سوى 1،5% من مساحة فلسطين وسكانها الذين لا يشكلون سوى 15% من مجموع الشعب الفلسطيني، لن يكون حالها بعد الحرب ورفع الحصار، ولن يسمح له أن يكون، أفضل كثيرا من حالها قبلهما، إلا في حالة واحدة وهي إن قرر أهل غزة والحكومة القائمة فيها قطع صلتهم بالمشروع الوطني وبكل ما يمت بصلة للمقاومة، آنذاك سيكون نهج المقاومة ورأس المشروع الوطني هو الثمن لرفع الحصار وتمكين حركة حماس من الحكم المريح في غزة، وهذا ما تطرحه إسرائيل وأطراف أخرى اليوم وبعد عدوان 2014، حيث تطرح تل أبيب وواشنطن وأطراف أخرى معادلة رفع الحصار مقابل نزع سلاح المقاومة.
الحروب على غزة جزء من صناعة دولة غزة.
حرب سبتمبر 2014 على قطاع غزة ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة، ولكنها الأولى التي تأتي في سياق متغيرات وطنية وإقليمية : سقوط حكم الإخوان في مصر وانكشاف ما يسمى بالربيع العربي، أزمة حركة وحكومة حماس، وقف المفاوضات وفشل عملية التسوية الأمريكية، الاعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة، وتأتي أخيرا بعد التوقيع على تفاهمات مخيم الشاطئ وتشكيل حكومة توافق وطني.
بالرجوع إلى كل حالات العدوان السابقة على قطاع غزة سنجد ان إسرائيل تختار الوقت المناسب للعدوان، ودائما يكون مصاحبا إما لتحريك ملف المصالحة الفلسطينية او لتحريك ملف المفاوضات أو في حالة وجود تحركات دولية ضاغطة على إسرائيل، فتأتي الحرب لتخلط الأوراق وتُعيد ترتيب الأولويات ليصبح الأمن سابقا على الملفات الأخرى. وفي جميع الحروب كان الطرفان – إسرائيل وحركة حماس – يخرجان منتصرين كما يزعمان، فيما الانقسام يُكرس ومعاناة أهل غزة تتزايد، والمشروع الوطني يتراجع.
لو تفحصنا توقيت العدوان الإسرائيلي الأخير – سبتمبر 2014 – على أراضي الدولة الفلسطينية وخصوصا على المحافظات الجنوبية، سنجده جاء في وقت تحتاج فيه الحكومة اليمينية لنتنياهو لحالة حرب أو حالة أمنية، لتهرب من مآزقها المتعددة ولتحقيق الأهداف المُشَار إليها. إسرائيل هي التي تحدثت عن اختفاء أو اختطاف ثلاثة مستوطنين، وهي التي قالت إن حماس قامت باختطافهم بينما لم تعلن آنذاك حركة حماس أو أي جهة فلسطينية مسؤوليتها رسميا عن العملية، وإسرائيل هي التي قالت إنها وجدت جثث المستوطنين المختفين، وإسرائيل هي التي قامت (بردة فعل) كانت مُعَدة مُسبقا على عملية الخطف المفترضة، سواء تعلق الأمر بإعادة اعتقال أسرى محررين ونواب تشريعي وقيادات من حماس، أو بمداهمة البيوت في الخليل وشعفاط والقدس، أو بتشجيع إسرائيليين لخطف وقتل وإحراق الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير.
عندما تقوم إسرائيل بكل ذلك كانت تعرف أن الشعب الفلسطيني في القطاع لن يسكت عما يجري في الضفة، وأن بعض فصائل المقاومة سترد على ممارسات إسرائيل في الضفة، أو ستوظف ما يجري في الضفة لتحقق بدورها أهدافا خاصة بها في قطاع غزة، وإسرائيل تعرف أنه ستتشكل حالة وطنية متأججة ستدفع كل الفصائل للرد على ما تقوم به. هذا ما جرى حيث شاركت كل فصائل المقاومة بما فيها فصائل منتمية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بإطلاق صواريخ على إسرائيل ومحاولات اقتحام لمواقع إسرائيلية، لتقوم إسرائيل بالتصعيد بدورها.
هناك شبه بين هذه الحرب وحرب تموز في لبنان 2006 بين حزب الله وإسرائيل. فبعد قيام حزب الله بعملية خطف لجنود إسرائيليين والرد القاسي والمدمر الذي قام به الجيش الإسرائيلي الذي طال قوات حزب الله ومدن وقرى الجنوب والضاحية الجنوبية للبنان، وهي الحرب التي أدت لإخراج حزب الله من جنوب لبنان ومرابطة قوات دولية والجيش اللبناني على الحدود، آنذاك قال حسن نصر الله لو كان يعرف أن الرد الإسرائيلي كان بهذه القوة لفكر قبل القيام بعملية الخطف.
في الحالة الفلسطينية يبدو أن حركة حماس وخصوصا كتائب القسام كانت تريد حربا مع إسرائيل، حيث كانت تعتقد أن مواجهة محدودة يمكنها أن تعيد الاعتبار لحركة حماس كحركة مقاومة وتخرجها من مآزقها المالية والسياسية والاستراتيجية، وقد تُعطل حكومة التوافق الوطني أو على الأقل تجبرها لدفع رواتب لموظفي حماس، بالإضافة إلى تحقيق مطالب الأجندة الخارجية التي تريد توظيف التصعيد العسكري في قطاع غزة لإحراج مصر. إلا أن قوة رد فعل إسرائيل كانت غير متوقعة وخصوصا بالنسبة للفصائل التي شاركت حماس حربها. إلا أن حركة حماس وبقية الفصائل لا تمتلك فضيلة النقد الذاتي لتراجع حساباتها وتبحث عن مواطن الخلل التي أدت لوقوع هذا القدر الكبير من الدمار والقتلى والجرحى.
مع كامل التقدير للمقاومة وبطولات وتضحيات أهلنا في غزة، وللتعاطف والتأييد الكبير لأهلنا في الضفة والشتات مع أهل غزة، إلا أن الحرب كانت تدور بين (قطاع غزة) وإسرائيل، وحركة حماس هي من أتخذ قرار خوض المعركة وهي من قاد المعركة، وكانت وما تزال تتحكم بقطاع غزة ومستقبله، بمعزل عن أي مرجعية وطنية أخرى. حتى الدول العربية والأجنبية وإسرائيلباتوا يتعاملون بطريقة غير مباشرة، ومباشرة أحيانا، مع حركة حماس في كل صغيرة وكبيرة فيما يخص الحرب والتهدئة، أما منظمة التحرير والسلطة والرئيس أبو مازن والوفد المشترك الذي يفاوض في القاهرة فدورهم شكلي وغير حاسم. قد يكون لهم دور في الاتفاق على وقف إطلاق النار، إلا أن التوصل لهدنة أو إنهاء لحالة الحرب فسيكون لحركة حماس وأطراف إقليمية ودولية الدور الرئيس.
لأن إسرائيل لم تقل إنها ستنهي سلطة حماس في غزة، ولأن أطرافا عديدة بالإضافة إلى إسرائيل مستعدة للتعامل مع قطاع غزة تحت سلطة حماس مقابل ضمانات بتجريد القطاع من الصواريخ والأسلحة الثقيلة وإنهاء ظاهرة الأنفاق على الحدود بين القطاع وإسرائيل… فإن هدف الحرب هو فرض تهدئة استراتيجية وترسيم حدود نهائية بين غزة وإسرائيل، أو هي حرب من أجل توقيع صفقة شاملة ما بين حركة حماس وإسرائيل برعاية وضمانات عربية وتركية وأوروبية وربما أمريكية. صفقة تتضمن التزام من حماس بوقف إطلاق الصواريخ ووقف حفر الأنفاق من القطاع، وعدم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية المرابطة على حدود القطاع،، سواء من جهتها أو من أي طرف فلسطيني آخر، ونعتقد أن حماس لا تمانع في ذلك مقابل ممر مائي يربط القطاع بالعالم الخارجي، أو فتح معبر رفح البري بشكل كامل لتصبح الحدود المصرية مع غزة حدود دولة بدولة، وتعهد إسرائيلي بعدم استهداف قيادات حماس والمقاومين أو قصف غزة.

المحور الرابع
مستقبل قطاع غزة ما بعد عدوان 2014

في الحروب والصراعات الدولية لا تكشف الدول والكيانات السياسية عن كامل أهدافها واستراتيجياتها فهناك أهداف معلنة وأهداف خفية، والحروب العدوانية الإسرائيلية الثلاثة على قطاع غزة لا تخرج عن هذا السياق، فالخفي من هذه الحروب قد يكون أكثر خطورة على القضية الوطنية من الأهداف المعلنة منها، وضجيج الصواريخ ودماء الشهداء وحالة الدمار قد تكون غطاء لتمرير مخططات كبيرة عجزت السياسة والمواجهات الصغيرة عن تمريرها، فالحرب سياسة ولكن بوسائل عنيفة أو أداة لفتح مغاليق السياسة.
لم تخرج الحروب الثلاثة على غزة عن سياق صناعة دولة غزة وتكريس فصل غزة عن الضفة، حيث نلاحظ أن كل هذه الحروب كانت تجري بين قطاع غزة وإسرائيل، أما الضفة فكانت دورها محدودا في التأثير في مجريات الحرب. إسرائيل ودول العالم بما فيها مصر التي رعت اتفاقات الهدنة تعرف أن الحرب تدور بين إسرائيل وحركة حماس ومعها بالتبعية فصائل مسلحة أخرى في القطاع، وأن منظمة التحرير والسلطة الوطنية وحكومة التوافق والدولة الوليدة خارج إطار معادلة الحرب، حتى عندما تم تشكيل وفد موحد للتفاوض على الهدنة في القاهرة كان الجميع يعرف أن المفاوض الرئيس هو حركة حماس، وأن الهدف من المفاوضات ليس حل القضية الفلسطينية بل إيجاد حل لمشكلة غزة الخاضعة فعليا لحركة حماس.
لأن قرار الحرب لم يكن وطنيا فلسطينيا، ولأنه جاء في ظروف فلسطينية وعربية غير مواتية، ولأن نتائجها كانت محصلة لموازين القوى حيث تتفوق إسرائيل، فإننا نخشى أن تكون تداعيات الحرب على المشروع الوطني كارثية من عدة جوانب، بل يمكن القول بأن معركة غزة لها أبعاد استراتيجية ترمي لإعادة رسم الخريطة السياسية في فلسطين.
تراجع استقلالية القرار الوطني لصالح الأجندة والمشاريع الخارجية بالرغم من أن الدم الذي سال في حروب غزة دم فلسطيني، وبالرغم من وجود نوايا وطنية صادقة لكل مواطن يقاوم الاحتلال بما هو متاح من أشكال المقاومة، إلا أن دولا وجماعات وجدت في فلسطين وتحديدا في غزة الفقيرة والمحاصرة، تربة ملائمة لصناعة حروب بالوكالة، ولتمرير أجندتها المتعارضة والمتصارعة، وكلِّ من أصحاب هذه الأجندة والمحاور يريد أن يسجل هدفا لصالحه تجاه خصمه، على حساب الدم الفلسطيني ومستقبل القضية الوطنية الفلسطينية.
كان الأمر جليا منذ سنوات بأن قطاع غزة بات يدفع ثمن صراع الأجندة والمشاريع الخارجية، إلا أن الحرب الأخيرة كشفت ثقل وطأة هذه المشاريع على الشعب الفلسطيني والثمن الفادح الذي تم دفعه في الحرب بسبب التدخل الفج لأصحاب هذه المشاريع – خصوصا إيران وقطر وتركيا- في التأثير على مجريات مفاوضات الهدنة في القاهرة. لم تكن مفاوضات الهدنة التي دعت لها القاهرة مجرد مفوضات لوقف إطلاق نار يُوقِف حالة الدمار والخراب التي يُلحقها العدوان بأهل غزة، بل تحولت لصفقة شاملة فيها ما هو عسكري وأمني، وما هو سياسي محلي، وما هو سياسي عربي وإقليمي، صفقة أرادت كل الأطراف الفلسطينية والعربية والإقليمية أن تجد فيها موقع قدم وتحقيق مصالح، ليس للشعب الفلسطيني وتمكينه من مقومات الصمود، ومن خلال التنافس على تخفيف المعاناة عن غزة والاستعداد لإعادة إعمارها بعد الحرب، بل لتصفية حسابات متعددة : حسابات بين مصر وحركة حماس، حسابات بين مصر من جانب وتركيا وقطر وجماعة الإخوان من جانب آخر، والأهم من ذلك تصفية حسابات بين إسرائيل من جانب والمقاومة والشعب الفلسطيني من جانب آخر بحيث أرادت إسرائيل كسر شوكة المقاومة وإذلال الشعب الفلسطيني.
في السياسة وخصوصا الدولية قد تتعدد التحالفات والمحاور وتختلط الأوراق، ودوما كان هذا ديدن القضية الفلسطينية حيث لم يكن الفلسطينيون يوما أصحاب قرار مستقل تماما فيما يخص قضيتهم، ولكن الإبداع الفلسطيني كان يتبدى في القدرة على توظيف المشاريع والأجندة العربية والإقليمية والدولية ذات المصالح المتصارعة في الشرق الأوسط لصالح القضية الوطنية، والعمل قدر الإمكان لعدم إلحاق المشروع الوطني بأي من أصحاب الأجندات الخارجية.
بات من الواضح أن قوة حضور وتأثير العوامل الخارجية في الشأن الفلسطيني يقابله تزايد تدهور النظام السياسي والمشروع الوطني. فقد وصلت لطريق مسدود كل محاولات إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، وحال السلطة الوطنية يسير من سيء إلى أسوء، وتتعثر كل محاولات التقدم في ملف المصالحة، وحركة فتح وبقية فصائل المنظمة تفقد فاعليتها وتاثيرها، وتَضُعف تنظيميا، وكلما تعمق فشل حماس في خياراتها السياسية داخليا كلما زادت تبعية للخارج.

محاولة تدويل غزة بعيدا عن المشروع الوطني

مفاوضات التهدئة التي بدأت منذ الأيام الأولى للحرب ومتواصلة حتى اليوم والتي تُطبخ على نار هادئة، تختلف عن تهدئة 2012 وتهدئة 2009، بل قد تكون الأخطر على مستقبل القضية الفلسطينية، فلأول مرة في تاريخ العدوان الإسرائيلي وما يعقبه من هدنة أو تهدئة، يتم عقد مؤتمر دولي (مؤتمر باريس)، الذي جمع الأوروبيين والولايات المتحدة وحليفتيهما الاستراتيجيتين قطر وتركيا، مع استبعاد الأطراف المعنية وخصوصا الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. مؤتمر باريس يوم السادس والعشرين من يوليو 2014، يجب أن يبقى عالقا في أذهان الفلسطينيين، لأنه ليس مجرد مؤتمر لعقد هدنة عادية، أو مؤتمر لجهات مانحة، بل هو أخطر من ذلك بكثير، ويستحضر للذاكرة المؤتمرات الاستعمارية في بداية القرن الماضي حيث كان مصير الشعوب يتقرر في مؤتمرات تغيب عنها الشعوب المعنية وممثلوها.
إذا استحضرنا ما قاله الرئيس الأمريكي أوباما في العام الماضي وكرره رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، من أن مفاوضات التسوية تستثني قطاع غزة، وربطنا ذلك بمؤتمر باريس الذي استبعد الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، تصبح الصورة واضحة وهي إيجاد حل أو تسوية ما لقطاع غزة منفصلة عن الكل الفلسطيني، مما يسمح في حالة العودة للمفاوضات الاقتصار على موضوع الضفة الغربية فقط.
فمنذ أن طرحت مصر مبادرتها، والتي قبلت بها إسرائيل مخادعة ومناورة، وتم رفضها من حركة حماس بطريقة فجة ومتسرعة، في مراهنة منها على تحرك تركي وقطري وأمريكي يُخرجها من خطر تفرد مصر بها، وبعد الاتصالات والمباحثات التي أجراها الرئيس أبو مازن مع كل الأطراف، شعرت القيادة الفلسطينية بخطورة ما يحاك ضد المشروع الوطني من طرف اطراف مؤتمر باريس، الأمر الذي دفع الرئيس للعودة إلى رام الله وإلقاء خطابه الذي تبني فيه مطالب المقاومة وأوحى لأهلنا في الضفة بالتحرك لنصرة غزة.
التوقيع على وقف لإطلاق النار بعد واحد وخمسين يوما من الحرب لم ينه المشكلة، فهناك فرق بين وقف إطلاق النار والتهدئة والهدنة، فما جرى هي تهدئات لأسباب إنسانية ثم وقف لإطلاق النار دون حل المشكلة. أما الهدنة فهي الأكثر أهمية وخطورة لأنها ستتضمن مواضيع وترتيبات ذات أبعاد سياسية، و عليه فإن اطراف مؤتمر باريس ما زالت تشتغل على تسوية لقطاع غزة نخشى أن تكون على حساب المشروع الوطني.

حسابات النصر والهزيمة بعد وقف إطلاق النار

في آتون الحرب، ومنظر البيوت التي تهدم على رؤوس أصحابها، ومنظر أشلاء الأطفال والنساء والشباب والشيوخ، ومع وضوح التآمر الغربي والعجز العربي… ، لا يسع المرء إلا أن يتكلم بلغة العاطفة ويمجد ويُعظم كل فعل مقاوم، سواء كان إطلاق صواريخ أو اشتباك أرضي للمقاومين مع الجيش الإسرائيلي، بل تمنينا لو أن جبهات عربية أخرى تم فتحها على العدو، من جنوب لبنان وسوريا والأردن وسيناء، ولِما لا يكون من إيران والعراق. ولكن هذه الـ (لو) لا مكان لها في عالم عربي لا يفكر إلا بمصالحه، كما أن الحروب لا تُخاض بناء على ما يجب أن يكون بل اعتمادا على موازين القوى الراهنة والمتاحة.
لكن بعد أن تصمت المدافع يجب إعمال العقل، ليس فقط بما جرى أثناء الحرب، وكيف جرت ؟ و لماذا انزلقت فصائل المقاومة لها ؟ ولكن أهم من ذلك التفكير بعقلانية، بعيدا عن أي حسابات حزبية ومصلحية ضيقة، في كيفية مواجهة ما يُحاك لفلسطين من مؤامرات، لأن الدم الذي سال دم كل الفلسطينيين، والدمار الذي جرى مس كل الفلسطينيين في القطاع ولم يقتصر على حزب دون غيره.
حسابات النصر والهزيمة لا تكون أثناء المعركة ولكن بعد أن تصمت المدافع. لا شك أنه في حالة حرب أو مواجهة بين جيش احتلال وشعب خاضع للاحتلال، كما هو حال حرب غزة، يتم تقييم النصر والهزيمة بحسابات غير حسابات الحروب بين الدول، ولكن لا قيمة لنصر إن كان نصرا لحزب وكان ثمنه تكريس الانقسام ونزع سلاح المقاومة مقابل سلطة هزيلة في قطاع غزة بحماية وضمانة أطراف مؤتمر باريس المشئوم.
كما جرى في كل الحروب السابقة تحدثت إسرائيل عن تحقيق (انتصارات) وإعادة قوة الردع والهيبة للجيش الإسرائيلي نتيجة الدمار والخراب الذي الحقه بقطاع غزة وأهله وخصوصا المدنيين والأطفال، وتحدثت حركة حماس وفصائل المقاومة عن انتصارها على العدو، وعن عدد الصواريخ التي أطلقتها ومداها وبطولة مقاتليها الخ. ولكن بعد صمت المدافع والصواريخ، وبعد خطاب الانتصار من الطرفين، بعد كل ذلك سنجد أمامنا ضفة غربية أكثر استباحة من طرف المستوطنين والجيش الإسرائيلي، وحالة تباعد ما بين السلطة الفلسطينية والشعب في الضفة الغربية، وتباعد بل ونقمة من الشعب على حركة حماس والفصائل في قطاع غزة، وسنجد قطاع غزة في حالة يرثى لها من الدمار والخراب، وسنسمع عن مزيد من عائلات الشهداء ومن الأيتام والأرامل والجرحى الخ، و فوق كل ذلك والأخطر من ذلك سيعود الانقسام أكثر ترسخا والعداء الداخلي أكثر استفحالا، فكيف يُعقل أن يتحدث حزب أو أحزاب عن انتصارات على أشلاء وطن ومعاناة شعب ؟ كيف تنتصر أحزاب وينهزم الوطن؟.
ما سيحدد مقاييس النصر والهزيمة إن لم تكن النتائج المادية المُشاهدة للحرب مقنعة، هي بنود الهدنة القادمة وقدرة الجانب الفلسطيني على توظيف معاناة أهل غزة، إن لم يكن لتحقيق إنجازات، فعلى الأقل عدم تقديم مزيد من التنازلات والخسائر السياسية. الانتصارات والهزائم لا تنبني على مفاهيم الحق والباطل، ولا على الشعارات والعواطف، بل على النتائج المادية على الأرض. حتى وإن كانت حرب غزة حربا بين الخير الفلسطيني والشر الإسرائيلي أو الحق الفلسطيني والظلم ألإسرائيلي، فالخير والحق لا ينتصران إلا إذا توفرت شروط موضوعية للنصر.
بما أن الأهداف الإسرائيلية من الحرب معروفة، وهي أهداف غير مقتصرة على غزة وصواريخها، بل تمس مجمل القضية الوطنية، ففي الإمكان مواجهة الحرب الإسرائيلية وما ترمي إليه، من خلال إعادة الحوار الوطني، للتوصل لتفاهمات على مواجهة المخططات السياسية لإسرائيل وربط العدوان على غزة بمجمل القضية الوطنية، والتأكيد على أن الحرب ليست بين إسرائيل وحماس في غزة، بل بين إسرائيل وكل الشعب الفلسطيني. هذا يتطلب استمرار التمسك بالمصالحة واستكمال بقية بنودها وعدم توظيف الحرب كذريعة للتهرب من المصالحة، ومنع إسرائيل من الاستفراد بحركة حماس وبقية فصائل المقاومة، سواء في الحرب أو في مرحلة التوصل لاتفاق أو تفاهمات هدنة جديدة.
يجب أن تؤسَس أية تفاهمات حول الهدنة على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية، وليس على واقع الانقسام، وخصوصا أن التفاعل الشعبي ما بين الضفة وغزة أكد على وحدة الشعب، وهذا يتطلب أن تستمر المفاوضات حول الهدنة تحت إشراف الرئيس أبو مازن بصفته رئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة وهو الجهة الرسمية التي تستطيع مخاطبة العالم والمنظمات الدولية والعربية والإسلامية، ومع الرئيس يجب أن تكون حركة حماس والجهاد الإسلامي وبقية فصائل المقاومة للتأكيد على وحدة الموقف الفلسطيني من العدوان. بهذا يتم إفشال المخطط الإسرائيلي لتكريس الانقسام من خلال سعيه لهدنة مع حركة حماس فقط.
بعد وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه بعد (حرب الأبراج) أصبحت كل اطراف الصراع والوسطاء والمراقبون والمحللون منشغلون بشكل وشروط الهدنة التي يمكن التوصل لها بين المقاومة في غزة وإسرائيل، وخصوصا أن إعادة إعمار غزة بات مرتبطا بالهدنة، حيث تشترط إسرائيل تجريد غزة من السلاح مقابل إعادة إعمارها. هدنة يتعدد فيها الوسطاء وتتعدد المحاور، وتتضارب المواقف وتتباعد ليس فقط ما بين شروط المقاومة وشروط إسرائيل بل أيضا ما بين الأطراف الفلسطينية نفسها، وما بين الوسطاء أنفسهم، بحيث بات الأمر يحتاج لهدن أو تفاهمات متعددة ما قبل الهدنة بين المقاومة وإسرائيل. هدنة وتفاهمات ما بين فصائل المقاومة ومنظمة التحرير، وهدنة وتفاهمات ما بين مصر ومحورها من جانب والمحور القطري التركي الإخواني من جانب آخر، وتفاهمات مصرية أمريكية، وتفاهمات داخل مجلس الأمن… بعد ذلك يمكن التوصل لصيغة اتفاق هدنة يتم التفاوض عليه مع إسرائيل.
هذا لا يعني استحالة التوصل إلى هدنة، لكن كل هذه الاختلاطات والتداخلات يجعلنا أمام صفقة هدنة سياسية وأمنية وعسكرية وليس مجرد إطلاق نار، مما قد يأخذ وقتا طويلا، ونتمنى التوصل لهدنة مشرفة تحافظ على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية. مع عدم استبعاد أن تتوصل إسرائيل وحركة حماس لتفاهمات أو أتفاق بينهما متجاوزين كل الاختلاطات والتعقيدات السالفة.
نتمنى من القيادات الفلسطينية أن تكون حسبت حسابا لكل الاحتمالات وخصوصا أن لديها دراية وتجربة ومعرفة بالخبث والدهاء الصهيوني. في السياسة، والحرب سياسة بوسائل عنيفة، على القادة أن يفكروا بكل الاحتمالات حتى الأكثر سوءا، ويجب أن يعمل الجميع على الحفاظ على وحدة الشعب التي تحققت في الحرب، لأن هدف العدو من شروطه للهدنة هو تكريس فصل غزة عن الضفة وخلق فتنة داخلية، ونقل المعركة إلى الداخل الفلسطيني، ونخشى أن تكون معاناة غزة من فتنة ما بعد الحرب أقصى من معاناتهم من الحرب ذاتها.

مستقبل حل الدولتين بعد العدوان على غزة

في خضم الحرب حاول الرئيس أبو مازن إحياء عملية التسوية وعودة المفاوضات على أساس حل الدولتين، رابطا بين شروط حماس للهدنة وشروط منظمة التحرير للعودة للمفاوضات وخصوصا إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى ووقف الاستيطان، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل حتى الآن بسبب الرفض الإسرائيلي أيضا رغبة حماس بالاقتصار على مشكلة غزة، وكان من الواضح أن إسرائيل لا تريد أن تخسر بالحرب ما أنجزته من خلال خطة الفصل وخطواتها نحو تكريس كيان غزة، وقد تناول اكثر من محلل سياسي إسرائيلي أن المشكلة التي تواجه نتنياهو في الحرب أنه يريد تحقيق انتصار مع بقاء حركة حماس كسلطة في غزة. وحماس لا تريد أيضا أن يتم تجيير نتائج الحرب لصالح أبو مازن حتى وإن كان الأمر يتعلق بتحسين إمكانية خيار الدولة في الضفة وغزة، وقد سبقت الإشارة إلى أنه من أهداف حماس بالدخول بالحرب إفشال حكومة التوافق الوطني.
في ظني أنه وبعد كل ما جرى سيكون من الصعب العودة لطاولة المفاوضات ولتسوية تمنح الفلسطينيين دولة مستقلة، ومع افتراض العودة للمفاوضات تحت ضغوط أو تدخلات أوروبية – كالمبادرة الفرنسية – فإن نتائج حرب غزة ستكون نقطة ضعف وليس ورقة قوة عند الطرف الفلسطيني إن لم يتم تعزيز المصالحة واستمرار عمل حكومة التوافق الوطني. ومع ذلك تستطيع إسرائيل أن تُلحق ضررا بالغا بالشعب ولكنها لا تستطيع أن تكسر أنفته وكرامته الوطنية، أو تفرض عليه إرادتها السياسية.
الحالة الوطنية الجامعة التي ولدها العدوان من حيث لا يدري، توفر فرصة تاريخية أمام الشعب ومنظمة التحرير والفصائل والرئيس أبو مازن لتصحيح مسار العملية السياسية والخروج من عنق الزجاجة، وذلك من خلال خوض معركة الدولة والشرعية الدولية إلى نهايتها، وخروج السلطة من حالة الانتظار والمراهنة على تسوية أو مبادرة أمريكية جديدة، أو على الزمن، أيضا فرصة لحركة حماس للخروج من مأزقها، ولكن في إطار حالة وطنية جديدة وليس بالعودة إلى ما كانت عليه.
كان انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 69 بتاريخ 26 سبتمبر 2014 فرصة ليتقدم الرئيس أبو مازن بمشروع قرار ليصوت عليه مجلس الأمن، ويدعو مشروع القرار إلى تحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية في فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات. إلا أن إسرائيل هاجمت الرئيس ونددت بلجوئه للأمم المتحدة، كما أن واشنطن عبرت عن موقف رافض لخطوة الرئيس، ومن المتوقع أن تستعمل واشنطن الفيتو عند التصويت على القرار في مجلس الأمن خلال ثلاثة أسابيع.
الدولة الفلسطينية لن تقدمها لنا الشرعية الدولية على طبق من ذهب، كما أن صواريخ المقاومة لوحدها لن تجلب لنا الدولة والاستقلال. الاستقلال وقيام الدولة يحتاجان إلى استراتيجية وطنية تجمع ما بين الاشتباك مع الاحتلال ومواجهته على الأرض، وتحرك دبلوماسي على المستوى الدولي والعربي والإسلامي، ونعتقد أن الوقت هو وقت هذه المعركة، إن كانت توجد نوايا حقيقية عند القيادة والنخبة السياسية في رهانها على الشرعية الدولية، والعالم سيتفهم الموقف الفلسطيني وسيدعمه، إذا ما خاض الفلسطينيون معركة الدولة والشرعية الدولية متحدين.

الخاتمة
لأن غزة كل هذا الماضي والحاضر والمخزون الوطني الاستراتيجي، ولأن غزة أيضا الواجهة البحرية الوحيدة للدولة الفلسطينية في حالة قيامها، واحتمال وجود نفط وغاز في مياهها، فالعدو سيستمر في استهدافها ودفعها بعيدا عن الكيانية الفلسطينية الجامعة. إلا أن غزة ستبقى عصية على الانكسار والخضوع، وستستمر غزة حاضنة الوطنية الفلسطينية، وجزأ من الدولة الفلسطينية التي ستقوم لا محالة. إذا ما تم نزع غزة من سياقها الوطني أو نجح مخطط صناعة دولة غزة فإن غزة ستفقد كينونتها وتميزها وسر صمودها ومقاومتها. حمى الله فلسطين وحمى غزة من الإجرام الصهيوني ومن كل أصحاب الأجندات الخارجية التي تسعى لنزع غزة من سياقها الوطني.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر ، ووزير الثقافة الأسبق