الرئيسية / دراسات / الطائفة اليزيديه.. قراءه منهجيه لتاريخها العقدي والاجتماعي
unnamed (1)

الطائفة اليزيديه.. قراءه منهجيه لتاريخها العقدي والاجتماعي

تعريف:
اليزيديه هى طائفه يتجاوز عدد اتباعها المليون ، يعيش أغلبهم قرب الموصل ومنطقة جبال سنجار في العراق، وتعيش مجموعات أصغرمنهم في تركيا، سوريا، إيران ،جورجيا وأرمينيا. وينتمى اتباع هذه الطائفه عرقيا إلى اصل كردى ، اختلط بجماعات عرقيه أخرى كالعرب وغيرهم، ولليزيديين لغه – لهجه- كرديه قبليه خاصه، كما ان اللغه العربيه هى اللغه المشتركه بينهم وبين الجماعات القبليه والقوميه الاخرى.
اصل الاسم:
تعددت الاراء حول اصل اسم اليزيديه، وسبب تسميه هذه الطائفه به،واهم هذه الاراء اولا: نسبه الى مدينه يزد فى ايران، التى كانت بدايه ظهور هذه الطائفه فيها حسب راى البعض.
ثانيا:نسبه الى كلمه” يزدان” او ” ايزدان” و التى تعنى ” الله” فى اللغه الكرديه.
ثالثا: نسبه الى الخليفه الاموى” يزيد بن معاويه”، حيث ان مبداْ هذه الطائفه مذهب سياسى ، كان من ضمن من قال به الشيخ عدى بن مسافر الاموى، ومضمونه القول ببراءه يزيد بن معاويه من دم الحسين ، يقول ااشيخ عدى ” أن يزيد بن معاوية رضي الله عنه إمام وابن إمام ولي الخلافة وجاهد في سبيل الله ونقل عنه العلم الشريف والحديث وأنه بريء مما طعن فيه الروافض من أجل قتل الحسين رضي الله عنه..”،وهذا الراى هو الراى الرجح عند اغلب الباحثين.
النشاْه التاريخيه للطائفه: وترجع بدايه النشاْه التاريخيه لهذه الطائفه الى فتره انهيار الدوله الامويه في معركة “الزاب” الكبرى شمال العراق سنة 132هـ ، وهروب الأمير إبراهيم بن حرب بن خالد بن يزيد إلى المنطقه الكرديه فى شمال العراق، لان أم مروان الثى اخر الخلفاء الامويين كانت كرديه وقد جمع الامير ابراهيم فلول الامويين ،ودعى الى أحقية يزيد في الخلافة.
المراحل التاريخيه للطائفه اليزيديه : وقد مرت الطائفه اليزيديه بعده مراحل تاريخيه،تحولت خلالها من مذهب سياسى ودينى الى طائفه، ومن طريقه صوفيه اسلاميه الى فرقه متاثره بعقائد اجنبيه، ومن هذه المراحل :
من مذهب سياسى ودينى الى طائفه :فقد كانت اليزيديه فى البدايه مذهب سياسى “اموى” ،يقول باحقيه الامويين بالخلافه ويسعى لاعاده سلطه الدوله الامويه.وفى مرحله تاليه تحولت الى مذهب دينى “صوفى” على يد الشيخ عدي بن مسافر الأموي (467-557هـ).غير انه فى مراحل تاريخيه متاخره تحولت اليزيديه الى طائفه اى مذهب دينى مقصور على جماعة أو جماعات معينة (عشيرة أو قبيلة أو شعب معين”. وهذا التحول لا يخرج عن اليه تكون الطوائف فى المجتمعات المسلمه ،والتى مضمونها ان الإسلام عند ظهوره كانت هذه المنطقة عبارة عن شعوب وقبائل متفرقة ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾ فحوَّلها إلى أمة،غير أن الأمة لا تلغي العشائر والقبائل والشعوب، بل تحدها كما يحد الكل الجزء فتضيف إليها وتكملها وتغنيها.غير أن تخلف النمو الاجتماعى للامه ،فى مراحل تاريخيه تاليه ،وكمحصله لعوامل داخليه (كالجمود وقفل باب الاجتهاد وظهور البدع والاستبداد…)، وخارجيه (كالغزو التتارى والصليبى والاستعمار القديم والجديد) متفاعله ، حال دون ان تبرز الأمة كطور ارتقت إليه القبائل والشعوب يمكن من خلاله حل مشاكل الناس المتجددة، وهنا بدأ الناس في البحث عن حل مشاكلهم من خلال علاقات أخرى أضيق (كالعشائرية، القبلية…)، ومن أشكال هذا البحث العودة إلي المذاهب الدينية محاولين اتخاذها رابطة اجتماعية بديلة يحلون من خلالها مشاكلهم،غير ان اهم اسباب هذا التحول عند اليزيديه هوانغلاقها القبلى وعزلتها عن محيطها العربى – الاسلامى،نتيجه للاسباب تاريخيه محدده
من طريقه صوفىه اسلامىه الى فرقه متاثره بالعقائد الاجنبيه: كما كانت اليزيديه طريقه صوفيه اسلاميه ، تلتزم بمنهج اهل السنه والجماعه ،خلال فتره تولى مشيختها كل من :مؤسسها الشيخ عدى بن مسافر “عدى الاول” ، وخليفته وابن اخيه الشيخ صخر بن صخر بن مسافرالمكنى بأبي البركات، وخليفته و ابنه عدي (عدي الثاني) ،غير ان اليزيديه تحولت الى فرقه متاثره بالعقائد الاجنبيه فى مراحل لاحقه ،بدات بعد تولى مشيختها حسن بن عدى الثانى الذى الف كتب “الجلوة لأهل الخلوة”، و” محك الإيمان” و”هداية الأصحاب” والتى تضمنت عقائد ذات مصادراجنبيه، تخالف العقيده الاسلاميه ومنهج اهل السنه والجماعه.. وقد اشار الامام ابن تيميه الى هذا التحول من طريقه صوفيه اسلاميه ،الى فرقه متاثره بالعقائد الاجنبيه فى الرساله العدويه التى يقول فيها «وفي زمن الشيخ حسن زادوا أشياء باطلة نظما ونثرا وغلوا في الشيخ عدي وفي يزيد بأشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ عدي الكبير قدس الله روحه، فإن طريقته كانت سليمة لم يكن فيها من هذه البدع ، وابتلوا بروافض عادوهم وقتلوا الشيخ حسنا وجرت فتن لا يحبها الله ولا رسوله» ،يقول الباحث السوري محمد حبش أن “اليزيديين كانوا مسلمين يؤدون الشعائر ويذهبون للحج ويمرون ببغداد، وقد جرد الخليفة المعتصم 224 هجرية حملة للقضاء عليهم أيام الأمير اليزيدي مير جعفر الداسني، وانتهت بهروب اليزيديين إلى الجبال، وانقطاعهم عن النسك الإسلامي، وبالتالي دخول عناصر كثيرة من الثقافة الزرداشتية والموروث الآشوري والسرياني في ثقافتهم”.
الاقليه اليزيديه و مشكله الاقليات: يشيراليزيديون الى تعرضهم كطائفه للاضطهاد العرقى والدينى عبر التاريخ ، ومن ابرز محطاته : حمله الخليفة العباسي المعتصم 224 هجرية ، وحملات ولاة بغداد العثمانيين ، و حملة نادر شاه الفارسي ( 1732-1743 )،و حملات الباشوات العثمانيين،وحملة سنة 1935 من قبل الجيش العراق الملكي، و حملات الأنفال في العراق (1963-2007 م)، وتفجير سنجار آب 2007، والذى نسب الى تنظيم القاعده،واخيرا استهداف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” لمعقلهم التاريخي في الموصل وجبل سنجار2014.

ويرجع هذا الاضهاد الى سببين:

السبب الاول: يتمثل فى اعتبارهذه النظم السياسيه المتعاقبه ،ان اليزيديين جماعه متمرده على السلطه المركزيه والدوله،وخارجه على القانون ،وذات نزوع انفصالي.
وهنا يجب الاشاره الى ان حل مشكله الاقليه اليزيديه –وغيرها من الاقليات – على المستوى السياسى – لا يتحقق الا من خلال تجاوز كل من مذهبى : التعدد المطلق الذى ينظر الى هذه الاقلييات ككل قائم بذاته ومستقل عن غيره ، والوحده المطلقه الذى يقوم على محاوله الغاء هذه الاقليات ،والانتقال الى الى مذهب الجمع بين الوحده والتعدد ،الذى ينظر الى هذه الاقليات كجزء من كل (وطنى وقومي وديني) يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.كما ان تجاوزالطائفة ، لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال العمل (السلمي والتدريجي)على إلغاء تخلف النمو الاجتماعي، بإلغاء عوامله الذاتية والموضوعية ، والمقصود بهذا التجاوز ليس إلغاء الطائفة باعتبارها جزء من كل، بل إلغاء اعتبارها كل قائم بذاته مستقل عن غيره ومتميز عنه.أما الطائفية كعلاقة انتماء إلى الطائفة فان تجاوزها يتحقق من خلال نشر الوعي الاجتماعي والديني..

السبب الثانى: هو صدور فتاوى تقول بكفر اليزيديين،ثم توجب قتالهم ، غير انه بفرض ثبوت القسم الاول من هذه الفتاوى( خروج اليزيديين عن المله ) فان القسم الثانى من هذه الفتاوى (وجوب قتال اليزيديين) غير ثابت لان الإسلام لم يوجب قتال غير المسلمين إلا في حالتين : الحالة الأولى هي إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنتهم عنه كما فى قوله تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، والحالة الثانية هي إخراج المسلمين من ديارهم كما فى قوله تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله(..، ولذا نجد الامام ابن تيمية يخالف الرأي القائل بقتال الجميع لمجرد الكفر(وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ، ومقصودة أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين ، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة ” كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن وغيرهم” فلا يقتل عند جمهور العلماء ، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر -إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين- والأول هو الصواب ، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”، وفي السنة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازية، قد وقف الناس عليها، فقال “ما كانت هذه لتقاتل”، وقال لأحدهم: الحق خالداً فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً “، وفيها أيضاً عنه (صلى الله عليه وسلم) يقول: لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة”. وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى “والفتنة أشد من القتل”، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أشد، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله ، لم يكن كفره إلا على نفسه). هذا فضلا عن ان اى قتال لايجوز وصفه بالجهاد مالم يلتزم بشروط وضوابط الجهاد الشرعيه ،واهم هذه الضوابط عدم جواز قتل المدنيين كالنساء والولدان والشيوخ والأجراء و الرهبان ، روى عن أنس بن مالك (رضي الله عنه): أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان إذا بعث جيشاً قال : (انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخاً فانياً و لا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)( رواه أبو داود في السنن)،ووجد النبي (صلى الله عليه وسلم) في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فقال: «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ فِيمَنْ يُقَاتِلُ) أخرجه أحمد (3/488، رقم (16035)، و جاء في وصيه ابوبكر الصديق (رضي الله عنه) للجيوش والسرايا(لا يقتلوا وليدًا، ولا شيخًا فانيًا، ولا امرأة، ولا معتزلا في صومعة، وهم في هذا مقتدون بالنبي -صلى الله عليه وسلم فإنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا”.

*أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم