الرئيسية / دراسات / عن الثقافة العربية وكيفية إحياء دورها الحضاري
f53a5b453487a667d9c9010d724ed211

عن الثقافة العربية وكيفية إحياء دورها الحضاري

للثقافة معنيان متمايزان، لكنهما متواصلان: أحدهما عام والآخر ذو مدلول محدد. في المعنى العام نقصد بالثقافة عموم خبرة المجتمع، الحاضرة والموروثة: أي النمط الكامل لحياة المجتمع، بما في ذلك لغته، أدبه، فنونه، نمط عيشه، سلوكه الاجتماعي، ترتيبه لأولوياته، وطريقة تعامله مع قضاياه واهتماماته.
بهذا المعنى العام نستطيع القول أن كل مجتمع وطني، كبير أو صغير، يعيش ثقافة خاصة به، بصرف النظر عن جدارة ثقافته، وأن هناك مئاتا من الثقافات عبر العالم تتمايز عن بعضها في الموروث من الخبرات والعقائد والأعراف، وتتفاوت في حاضرها بمقدار استقرارها الاجتماعي، نضجها السياسي، انضباطها الخلقي، ومحصولها من المعرفة ومهارات التنظيم والإنتاج.   
بهذا المعنى أيضا تشكل الثقافة أحد أهم المكونات الخمس لهوية المرء، إلى جانب الوطن، الدين، العرق، التخصص المهني.  على أن الثقافة والعرق هما الأدل على الهُوية، كونهما الأعمق جذرا في تكوينها، فقد يستبدل امرؤ، إذا ما شاء، وطنا بوطن، دينا بدين، مهنة بأخرى، لكنه لا يملك أن ينسلخ من ثقافته أو عرقه بمجرد أن يريد.
أما المعنى الآخر للثقافة فيدل تحديدا على نصيب موفور من المعرفة والتهذيب، يتحلى به شخص ما فنقول عنه أو عنها أنه أو أنها شخص مثقف.  في النسق نفسه، عندما نعهد في شخص ما  تميزاً معرفيا وخلقيا، نقول أنه أو أنها على ثقافة عالية. من ذلك تتضح لنا مفارقة ظريفة: مع أننا بالمعنى العام للثقافة نستطيع القول أن لكل مجتمع ثقافة، في المعنى الآخر لا نستطيع القول أن كل فرد ضمن أيما  ثقافة شخص مثقف.  هذه الثنائية في معنى الثقافة نجد ما يوازيها في اللغة الإنكليزية: فكلمة  culture  تعني خبرة المجتمع ككل، كما تعني الوفر المعرفي والصقل الخلقي على صعيد الأفراد.
*من هو المثقف؟
هو الشخص الذي يمتلك قدرا وافيا من المعرفة بقضايا العصر، وطنية وعالمية، بحيث يستطيع أن يكوّن رأيا حصيفا إزاء ما يهمه منها، وأن يعبر عن رأيه ويدعو اليه الآخرين إذا شاء.  لا يكون المثقفون بالضرورة على توافق في آرائهم، كما لا يكون جميعهم على نفس درجة الاهتمام والالتزام بالقضايا العامة.  لا ضير ولا غرابة في ذلك، فللناس رؤاهم، والمثقف كأي واحد منهم، مواطن حر، إذا شاء أسهم في قضايا مجتمعه، وإذا  شاء عزف.
*ما علاقة الثقافة بالحضارة؟
من نظرنا في التاريخ لا نجد حضارة إلا أنها  نشأت وليدة ثقافة حية استثرت ذاتيا بتقدم معرفي، بمراس على التنظيم، بوفر في الإنتاج، وبرقي في الأخلاق.  بهذا المعنى، الثقافة أم الحضارة، لكننا نجد البنت َسرعان ما تتفوق على الأم عندما الحضارة، بأفق أوفى وأشمل نظرا في الشأن الإنساني، تتجاوز إطار الثقافة التي خرجت من رحمها بادئ الأمر. هكذا تحصل في الخبرة العربية الإسلامية عندما تحضرت الثقافة العربية بالإسلام، ولاحقا استقبلت معارف حضارات أخرى، معاصرة وسابقة.  هكذا تعدت الثقافة العربية حدود ذاتها وأنجبت حضارة الإسلام.
*ما العلاقة بين الثقافة العربية والقومية العربية؟
العروبة قومية ثقافية بقدر ما هي ثقافة قومية، لذا نفي وجود القومية العربية، كما نسمع ادعاء ذلك أحيانا من البعض، في الحقيقة نفي لوجود الثقافة العربية التي ارتبطت بها ولا تزال هوية الإنسان العربي، داخل الوطن العربي وفي المهجر.
في واقع الحال المتشخص بالقومية العربية متشخص بالثقافة العربية، والعكس صحيح، بصرف النظر عن فارق عرق أو دين أو لون أو منشأ وطني.  ذلك أن العروبة يوم أن تحضرت بالإسلام خفضت العرق وأعلت الأخوة في الدين والتماثل في الخلق، شجبت التفاضل بالمال والجاه والسلطة، وباركت التمايز بالتقوى والعلم وخدمة الناس.  إثر فتح مكة، أعلن النبي العربي الفصم بين الماضي الجاهلي المؤكد عصبية العرق، والحاضر الإسلامي المؤكد كرامة الإنسان، فدعا قومه إلى ترك الاستعلاء بالنسب، وأصّل بينهم المساواة. قال مخاطبا قوما ما عرفوا قبلاً سوى العصبيةَ القبلية قاعدةً للحياة: “يا معشرَ قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء.  الناس من آدم وآدم من تراب”.
بذلك أخرج نبي الإسلام قومه من عروبة عرق ونسب قبلي إلى عروبة ثقافة رحبة، متوائمة مع عالمية الإسلام وإنسانية مقاصده.  بذلك أهّل العروبةَ لتكون الثقافة المركزية في الإسلام، لتكوّن أمة وسطا شهيدة على نفسها وشاهدة على الناس، ولتسلك بذلك مسلكَ القدوة بين الأمم.  قبل ذلك وصف القرآن الكريم نفسه مكررا بعربي، لا انتساباً لعرق، وإنما اتصافاً بثقافةٍ شرحة بليغة خيرة.
*هل نحتاج لاستراتيجية ثقافية؟
نعم نحتاج. ذلك لأن حفظ الثقافة بالنسبة لنا يعني حفظ الهوية الوطنية والقومية بسواء.  من هنا ضرورة أن يكون لدينا عملا نشطا وهادفا لأجل تعزيز الارتكاز الثقافي وتوطيده.  من أهم استحقاقات المرحلة الراهنة، على ما أرى، تأصيل ثقافة المعرفة في خبرتنا الوطنية، بمعنى إحداث حراك ثقافي يعرّض أفقنا الفكري، ينمّي رصيدنا المعرفي، يطور قدراتنا العملية، ويمكننا من إنجاز تقدم كمي ونوعي معا في ترادف واتساق.  ذلك يعني تأصيل المعرفة كقيمة متصدرة بين القيم التي نعتد بها، نحتكم إليها، ونستبصر بمعطاها في تدبير ما يعنينا من شؤون عامة وخاصة.  بذلك نولي ثقافتنا الوطنية – الموصولة طبعا بالثقافة العربية عبر الوطن العربي الكبير – وجهة معرفية تتطور بها مع الزمن إلى ثقافة معرفية بامتياز، قادرة على دعم تنمية وطنية إنسانية، جامعة ومستدامة. إجمالا، أرى أن يكون التركيز الثقافي، وطنيا وعربيا، على الأبعاد التالية:
البعد الفكري: لأجل ضمان سلامة منهجية التفكير
البعد المعرفي: لأجل إنماء ثقافة المعرفة
البعد الاقتصادي: لأجل زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع بترادف واتساق
البعد الخلقي: لأجل تأكيد ضرورة الاستقامة في الحياة
البعد الإصلاحي: لأجل تفعيل التوجه الإصلاحي كواجب وطني مستدام
البعد العروبي: لأجل تعزيز الثقافة العربية بمضمونها الحضاري
البعد الإنساني: لأجل تأكيد المشترك الإنساني عالميا
*ماذا يتطلب العمل لأجل تفعيل هذه الأبعاد في الثقافة العربية؟
يتطلب وعيا جماهيريا بأهمية الثقافة كحاضنة جامعة ترتبط بها الهوية الوطنية والقومية معا.  يتطلب رعاية من الدولة من حيث توفير ممكنات النماء الثقافي.  يتطلب إسهاما فاعلا من المثقفين من خلال أعمالهم الأدبية والمعرفية وعموم نشاطاتهم المدنية.  يتطلب غرسا مبكرا من خلال المناهج التعليمية لتنشأ الأجيال مثمنة ثقافتها العربية الإسلامية التي شكلت تاريخيا ولا تزال إحدى أثرى الروافد في تنظيم الشأن الإنساني وترشيده عبر العالم.     
* ثورة ثقافية؟
لا أراني مائلا إلى خيار الثورة من أي نوع للتعامل تصحيحيا مع أيما شأن وطني.  الثورة قلما تكون مأمونة العواقب، بل إنها في الأعم تتلف أكثر مما تفتح مجالا للتعمير.  ذلك أن الإتلاف سهل، أما الإعمار فشاق ومكلف.  تجارب العالم العربي بالثورات مريرة ومخيبة على امتداد الحقب الأخيرة.  الأجدى أن نثابر بإصرار على مسار الإصلاح بمنهجية مؤسسية تطويرية مستدامة.  خير أن نتقدم حثيثا ضامنين سلامة ما ننجز من أن نخاطر بفورة ثورية يصعب التحكم في مسارها ودرء ما قد تحدث من تلف.  من دروس التاريخ الحديث: الثورة الثقافية في الصين على امتداد عقدٍ بين الستينات والسبعينات من القرن الماضي ألحقت بالبلاد أفدح الأضرار.  من بعدها نهجت الصين نهجا تطوريا في الإصلاح.         
* تأثير وتأثر الثقافات المختلفة في سياق التطور المرتقب
في سياق التطور الحضاري الذي أرصده عبر العالم أرى توجها متسارعا نحو مماثلة مؤسسات الحكم وأطر حقوق الإنسان واستحقاقات المواطنة من جهة، ومماثلة أنماط العيش والإدارة والإنتاج والتجارة والتعليم وسواها من مرافق الحياة، من الجهة الأخرى: اجمالا، أرى عولمة بامتياز.  من ذلك أستشرف تبلور حضارة عالمية ذات معايير ومواصفات إنسانية موحدة، تتناغم تحت سمائها سائر الثقافات بفاعليات متفاوتة بمقدار ما تمتلك كل ثقافة من عناصر التقدم وقدرات التأثير.  من هنا أرى فرصة أمام مختلف الثقافات، من خلال إسهامات إيجابية وفاعلة، أن تجعل حضارة الغد حضارة جامعة، راسية في مبادئ وقيم أخلاقية عالمية، وملتزمة بمقاصد عليا تخدم الشأن الإنساني بأسره، كما في مجالات ضمان حقوق الإنسان، حفظ الأمن، نشر العلم، تحقيق اليسر المعيشي، حفظ البيئة الطبيعية، توفير العناية الصحية، وسواها من الأمور الحيوية التي تسعى لتحقيقها في أوطانها سائر الشعوب.
إجمالا، أطمح أن أرى حضارة الغد حضارة إنسانية بامتياز: رحبة ونبيلة، مستوعبة وراعية لتنوع خبرات الشعوب.  فمع أن الحال الإنساني في جوهره حال واحد، وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، حال يصلح بذات الأسباب ويفسد بذات الأسباب مهما كانت الفوارق الثقافية، إلا أن خبرات الشعوب تتنوع، وفي التنوع تكامليا إفراز لخير ما يمكن أن يحققه الإنسان على مدرج الارتقاء.  إن تاريخ الحضارات، من حيث نهوض كل حضارة بدفع من حضارة سبقتها أو زامنتها، يشهد لمثل هذا التدافع الإيجابي المستدام بين الأمم.
الثقافة العربية، بمركزية موقعها في حضارة الإسلام، تأتي بمخزون حضاري وفير يؤهلها أن تشكل رافدا عظيما من روافد حضارة الغد الجامعة، لكن هذا لن يتأتى من حال الركود العربي الراهن. لكي يكون للثقافة العربية إسهام جدير في حضارة الغد لا بد  لأهلها أن يحدثوا أولا تحولا ذاتيا في ثلاثة أمور حيوية:
– عليهم أن يتضامنوا فيطوروا مجتمعا عربيا متواصلا، متكاملا ومتعاونا في تفعيل شتى إمكانات الحياة الإيجابية، ومن ثم أن ينجزوا تنمية إنسانية شاملة ضمن الأوطان وعبر الوطن العربي الكبير.
– عليهم أن يرتقوا إلى نظام ديمقراطي واف وشفاف، نظامٍ قائم وضوحا على مبدأ المشاركة العامة في صنع القرار العام.
– عليهم اقتباس معارف العصر، ومن ثم إنماؤها ذاتيا، وانتهاج المنهج المعرفي في تدبير الشأن الوطني والقومي بأفضل ما يستطاع، وعمل هذا كله بتواؤم مع المشترك الإنساني الذي ينبغي أن تنتهي إليه وتصب في إنمائه الإسهامات البناءة من نتاج جميع  الثقافات.
* دور المثقفين العرب في إحياء الثقافة العربية
إحياء ثقافة أيما أمة لا يكون خارج إطار إصلاح وإنماء وضع تلك الأمة ككل، وإنما يأتي شقا حيويا من  برنامج الإصلاح والإنماء.  لقد جاء تراجع الأمة العربية وانحسار ثقافتها ضمن تراجع الخبرة الإسلامية عامة، وجاء مُسبَبا بأربع: بتجزؤ الوطن، بهجر الشورى، بالانصراف عن الاجتهاد المعرفي، وبالاختصام الداخلي. إعادة بناء وضع الأمة وإحياء ثقافتها يتطلب نقضا لعناصر التراجع تلك:  يتطلب تحديدا توجيه الأوطان والأمة ككل وجهة التضامن والحوكمة الرشيدة والتقدم المعرفي والوئام الاجتماعي.  ذلك بدوره يتطلب ريادة تاريخية فائقة من المثقفين العرب، بل وتثبتا شجاعا في الصدق والصبر واللاعنف، مع الاستعداد طردا لبذل جهد جهيد ومديد.
العروبةُ ثقافةٌ ثرةٌ خيرة: في طيها سمين أكثر كثيراً من زبد، طيب أكثر كثيراً من غث، صالح أكثر كثيراً من طالح.  حريٌ بهذا السمينِ والطيبِ والصالحِ أن يُستظهر، وخليق بعرب هذا العصر أن يدَعوا الزبَدَ والغث والطالح ويُعنوا تحديدا بما يصلح ويفيد.  لا تتقدم ثقافة، بل لا تتعافي، دون أن تتجاوز سلبيات ماضيها، ودون أن تستحضر إيجابياتٍ انبنتْ فيها من قديمٍ، فتحي تلك من جديد.  ولو أن كل جيل آثر قعودا قي ماضيه على نهوض في حاضره وطموحِ صعودٍ في مستقبله، لما خطت أمةٌ خطوةً إلى الأمام.