الرئيسية / دراسات / الأزمة الأمنية في العراق وفرص تجاوزها
2cca73b478ba77860a33c6b6afc80bd2

الأزمة الأمنية في العراق وفرص تجاوزها

يمر العراق اليوم بأزمة سياسية خانقة قد يؤدي الفشل في تجاوزها إلى عواقب لا تحمد عقباها لا بل أنها قد تؤدي بالعراق إلى الهاوية، صحيح أن الاحتلال قد خلق ظروفا ملائمة لهذا التشرذم ولكن ساسة العراق ساهموا مساهمة فعالة في تعميقه، حيث شهد العراق في الأيام القليلة الماضية أزمة لم تكن متوقعة فبين ليلة وضحاها سقطت اكبر المحافظات العراقية بعد بغداد ألا وهي مدينة الموصل، إذ تعرضت المحافظة إلى هجمة شرسة من قبل مجموعة إرهابية تعرف بدولة العراق الإسلامية في العراق والشام والمعروفة (داعش) وتضم في طياتها العديد من المجندين العرب والأجانب الذين يتم انضمامهم للتنظيم بحجة الجهاد.
 ومن خلال متابعتنا للوضع الراهن نلاحظ أن دخول هذه الجماعة للمحافظة كان سببه مجموعة من العوامل ومن بينها الآتي:
1) تخاذل القيادات العسكرية العليا والتي أدت إلى ترك القوات العسكرية لمواقعهم وتسليم أسلحتهم وبالتالي ترك المحافظة لهذه الشرذمة البائسة.
2) ضعف الأجهزة الاستخباراتية التي يتعامل بها العراق مع الأحداث التي يتعرض لها والتي يجب أن يكون مستعدا لها عبر حصوله على المعلومات الدقيقة التي يمكن امتلاكها من خلال جهاز استخباراتي كفوء.
3) رداءة الأسلحة التي يمتلكها الجيش العراقي في مواجهة ما يتعرض له من قبل قوات تمتلك قدرة عالية ومهارة في محاربة المقابل بالإضافة إلى الأسلحة المتطورة التي يستخدمونها.
4) ضعف القدرة التكتيكية للقطعات العسكرية العراقية في مواجهة الأحداث التي قد تتعرض لها بصورة مفاجئة من اجل السيطرة عليها ومعالجتها.
5) كشفت الأزمة الحالية عن العجز التام للبرلمان العراقي في التوافق حول صيغة ما لتدارك الوضع الخطير للبلد.
6) هناك العديد من الدول الأجنبية وحتى العربية التي تمتلك مصالح في العراق تسعى إلى تحقيقها من خلال دعم هكذا جماعات.
7) هناك بعض الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر تسعى جاهدة إلى تأزيم الوضع الداخلي في العراق وبالتالي إفشال تجربته الديمقراطية الوليدة.
 على أي حال، تواجه الحكومة العراقية داخل أراضيها العديد من قوى المعارضة التي ترفض وبشدة سياستها التي تتبعها في ادارة شؤون البلد سواء كانت هذه السياسة داخلية أم خارجية ؛ وعليه فان سقوط المدن العراقية الكبيرة يعد اختبارا حقيقيا للحكومة العراقية حول بيان قدرتها على مواجهة الأزمات التي تتعرض لها، ووفقا للواقع فأنها قد فشلت في ادارة هذه الأزمة، وكان للمرجعية الدينية موقفها الساند ليس للحكومة وإنما لأبناء الجيش العراقي من اجل دعمهم وإسنادهم معنويا لمواجهة ما يتعرضون له، لكن تم تسليح أعداد كبيرة من أبناء الشعب العراقي دون تدريب ودون تنظيم وهذا أدى إلى فهم الفتوى التي أطلقتها المرجعية الدينية العليا خطأ من حيث تطبيقها.
إن تفاقم أزمة الحكومة يؤكد وجود أزمة بنيوية كان وما يزال يعاني منها العراق منذ سنوات طويلة، وإن اتخذت في طياتها أشكالا مختلفة، ولكنها في الجوهر تمس البنية الفعلية للنظام، والتي تنتج بدورها أزمة ثقة طاحنة بين الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم والتي لم يُبذل الجهد الكافي والفعلي الملموس لمعالجتها والتخلص منها، بل كانت وستبقى تعيد إنتاج نفسها وكذلك إنتاج الأزمات الناشئة عنها، ونعني بها طريقة العمل على وفق نظام المحاصصة الطائفية، التي يشجبها المسؤولون بقوة وبتصريحات متواصلة من جانب، ويعملون بها وبكل قوة من جانب آخر. فمن يتابع الأمور الآتية سيتأكد من هذا الاستنتاج القائل بوجود أزمة بنيوية عصية تبعد الدولة والمجتمع حتى الآن عن الحل:
1- عجز رئيس الوزراء عن استكمال تشكيل الحكومة العراقية بتسمية وزراء للوزارات الأمنية والعسكرية الثلاث والتي احتفظ بها طويلا بيده، وضعف الحكومة وشللها الفعلي الكبير في إنجاز ما التزمت بإنجازه خلال مئة يوم من جهة أخرى.
2- تجلي الصراع الحزبي وصراع القوائم في نشاط مجلس النواب وتأجيله المتوصل للكثير من القضايا الملحة التي تستوجبها مصالح الشعب العاجلة.
3- ورغم ما يشار إلى بذل جهود كبيرة لمعالجة الموقف الأمني في البلاد، إلا أن القوى الإرهابية العديدة تجد فرصة ذهبية في الصراعات الراهنة للولوج من خلالها إلى مواقع المعلومات والحصول عليها وإنزال الضربات بالمجتمع وبالمسؤولين لتأكيد عجز قوى الأمن والحكومة عن مواجهتها، خاصة وان الوضع الاقتصادي يسهم في توفير أرضية صالحة لمثل هذه العمليات الإرهابية عبر عناصر بائسة وخبيثة ومستعدة لبيع نفسها للمجرمين القتلة بأبخس الأثمان.
4- عجز الحكومة عن التصدي للفساد الجاري في البلاد فما يزال العراق يحتل الموقع المتقدم بين دول ثلاث هي الأكثر فسادا ماليا وإداريا في العالم، وهو الذي يؤرق الكثير من شعب العراق بسبب أثاره الضارة جدا على عملية التنمية وتنفيذ المشاريع وعلى دخل الأفراد والاستخدام السيئ والتوزيع وإعادة التوزيع الأسوأ للدخل القومي وتسرب الكثير من موارد الدولة إلى خارج البلاد لصالح وحسابات الشركات الاحتكارية الأجنبية والشركات المحلية والأفراد الفاسدين في مؤسسات الدولة وخارجها.
أن بصيص الأمل المحتمل في الأزمة الراهنة هو أنها قد تحث القوى العراقية على وضع الاستقرار السياسي نصب أعينها من جديد، حيث يناقش السياسيون حاليا قضيتان ذاتا أهمية حاسمة وهما:
أ‌- تشكيل الحكومة المقبلة عقب الانتخابات البرلمانية في نيسان/أبريل.
ب‌- والخلافات المستمرة حول الإيرادات والتراخيص النفطية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان.
وبغض النظر عن التوازن الدقيق للمقاعد في البرلمان الجديد، تعد كافة المجموعات العرقية والمذهبية الكبرى ضروريةً لتشكيل الحكومة، وعلى الحكومة العراقية اذا ما حاولت التصدي للازمة فعليها اتخاذ عدد من الإجراءات التي يتم من خلالها الوقوف على الأزمة والسعي في حلها من خلال أتباع الخطوات الآتية:-
أ) امتلاك قوة عسكرية جيدة التنظيم والتسليح والانضباط من خلال:
1- بناء جيش قوي متكامل من حيث العدد والعدة لمواجهة أي تحدي قد يتعرضون له وعلى مختلف الأصعدة، دون الحاجة إلى مساعدة الدول الأخرى وخاصة الولايات المتحدة التي تربطنا معها اتفاقية إستراتيجية ولكنها بالرغم من ذلك سعت إلى اضعاف الجيش العراقي وعدم تجهيزه بالأسلحة المتطورة والكافية لمواجهة هذه الأزمة.
2- بناء جيش يحمل العقيدة الوطنية العليا بعيدا عن المجاملات والمحاباة وبعيدا عن المزايدات السياسية والانتخابية كما حصل سابقا هاجسه الأول والأخير الدفاع عن العراق وليس الدفاع عن قومية ما أو طائفة ما ويجب أن يشمل هذا البناء من القادة الكبار إلى اصغر جندي في صفوف الجيش.
ب) اقامة علاقة طيبة مع الإقليم الذي يمثل المعارض الأبرز للحكومة العراقية والذي استغل الأزمة الحالية في تحقيق مساعيه من اجل السيطرة على كركوك واعتبارها جزء من الإقليم.
ج) امتلاك قيادة قادرة على كسب الوسط الذي تحاول المجاميع الإرهابية أن تتحرك داخله سواء كان هذا الوسط داخليا أم خارجيا.