الرئيسية / ثقافة ومعرفة / رغم الحرب..سوريا تحتفل بعيد الحب !
شباب سوريا في احتفال بإحدى المناسبات
شباب سوريا في احتفال بإحدى المناسبات

رغم الحرب..سوريا تحتفل بعيد الحب !

بلغ عمر الحرب السورية خمس سنوات، مدة كافية لتخرّج طالب من الجامعة مثلاً، أو دخول طفل إلى المدرسة. خمس سنوات تكفي المرء ليعتاد الحرب، فيمر قرب الألغام، يلعن الحرب، ويكمل طريقه إلى العمل. هذه حال الناس في دمشق مثلاً. أما الاحتفالات فلم تتوقف في سوريا يوماً، وهو أمر طبيعي في الحروب. فالمناطق البعيدة عن خطوط النار، تحتفل يوم الخميس، وتقيم الأعراس، وتنجب الأطفال.

عيد الحب أصبح قريباً، وإعلانات الحفلات تنتشر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي هنا وهناك، فتبدو الصورة لمراقب بعيد غريبة، أو ربما فصامية بعض الشيء، مقارنة بالكارثة السورية الكبرى. إليكم، مع القليل من التفاصيل الزائدة، بعض أخبار عيد الحب السوري هذا العام.

سوريات لا سوريا واحدة:

قبل الخوض في احتفالات عيد الحب، لا بد من ذكر بعض الحقائق لإيضاح الصورة أكثر. تسيطر الحكومة السورية على نحو 40% من الأراضي السورية، تتوزع بشكل رئيسي بين دمشق والسويداء، والساحل السوري كاملاً، وتتداخل سيطرتها على المناطق في بقية المحافظات بين قرية للقوى المساندة لها، وقرية لأحد أطراف الصراع المسلحة من غير النظام السوري، كريف حماة الشمالي مثلاً. إذ يتداخل النفوذ ويجعل تلك المناطق خطوط تماس ساخنة للحرب، تهدأ تارة وتعود للقتال تارة أخرى، ما يحد مظاهر الاحتفال فيها بشكل أو بآخر. حتى في القرى التابعة للنظام من تلك المناطق. أما في الساحل، حيث لم تصل الحرب بأوسع تجلياتها بعد، فللاحتفال مظاهر مختلفة.

لم يمضِ وقت طويل منذ تجمع أهل اللاذقية حشوداً هائلةً من الناس في شارع “الأميركان”، المعروف بغالبيته المسيحية، ليلة عيد الميلاد احتفالاً، وما زالت مطاعم ومحالّ السهر في طرطوس، تقيم الحفلات كل خميس، على أنغام مطربين أو DJs محليين. فيمكن للمواطن الذي يعيش في طرطوس أن يقضي خميسه يشرب الويسكي ويرقص حتى الرابعة صباحاً مع عشاءٍ لذيذ، الأمر الذي أصبح نادراً في مناطق سورية أخرى. أما دمشق، وبشكل تلقائي كونها العاصمة، فتواصل الحياة على الرغم من الصواريخ العشوائية التي ما زالت تضرب المدينة حتى في وسطها وبشكل متواتر.

جورج وسوف يغني مجدداً:

جورج وسوف

اعتادت مطاعم سوريا ومحال السهر فيها، ومنذ مدة طويلة قبل الحرب، أن تحتفل بعيد الحب، فتقيم ليلة 14 شباط حفلة يسارع كل محل فيها، أن يسبق المحالّ لجلب العدد الأكبر من الزبائن. فمنهم من يعد العشاق بأجواء رومنسية مثيرة، ومنهم من يحضر مطرباً مشهوراً للغناء. الأمر مختلف هذا العام، تبدأ الاحتفالات قبل أوانها، في 12 شباط يغني جورج وسوف للمرة الأولى بعد أربعة أعوام من الانقطاع عن الغناء على المسرح، في فندق داما روز في دمشق، وترافقه المطربة السورية شهد برمدا، مع DJ معروف في سوريا يدعى محمد سعد. تسبق حفلة جورج وسوف، في الفندق نفسه حفلة طابعها مختلف. وفي 13 شباط حفلة أبسط قليلاً، ثم حفلة أخرى مميزة للمطرب حسين الديك، يرافقه المغني محمد مجذوب. وهو مكان واحد فقط من الأمكنة التي تقيم الاحتفالات في هذه المناسبة.

اللافت هو أسعار بطاقات الدخول، فسعر بطاقة الدخول لحفلة جورج وسوف تتراوح بين 80 ألف ليرة سورية، و40 ألفاً. عدا ذلك تقيم مطاعم الساحل وبارات دمشق جميعها تقريباً، حفلة أو أكثر في مناسبة عيد الحب، مع نشاط مفاجئ للفنانين السوريين الذين عادوا ليغنوا ويحيوا الحفلات في سوريا، مع الإشارة إلى أنهم يحافظون على مبالغ معينة كأجر الليلة الواحدة، لا يقبلون بأخذ أقل منها. فمحمد سعد مثلاً، الـDJ المذكور سابقاً يحرص على قبض مبلغ مئة ألف ليرة سورية مقابل السهرة الواحدة، ويقدم عرضاَ لأربع ساعات.

ماذا تعني 80 ألف ليرة سورية؟

كجميع الحروب في العالم، أوجدت الحرب السورية مصادر جديدة لثراء الكثير من الناس، تجارات الحرب المعروفة نفسها. فإذا وضعنا جانباً، تجار المخدرات، والآثار، والسلاح، والعاملين في تشغيل الفتيات في الدعارة، ومالكي البارات والمطاعم، والمغتربين إن وجدوا، وبعض المهن الأخرى. ما زال مبلغ 80 ألف ليرة سورية مبلغاً كبيراً في نظر بقية الشعب السوري. 80 ألف ليرة تعادل 200 دولار أميركي، أي نحو راتب ونصف الراتب لموظف سوري حكومي على وشك التقاعد. وهو سعر 800 كيس خبز يحتوي على 12 رغيفاً، وهو المصروف الكامل لطالب جامعي في دمشق، ما زال يأخذ مصروفه من أهله، لمدة شهر، متضمناً بدل إيجار الغرفة التي يسكنها. وهو الرقم نفسه الذي قد تدفعه عائلة مكونة من ستة أشخاص، في مطعم في طرطوس يوم الخميس.

توضيح آخر للفصام:

عام 2015 وحده، قتل قرابة 21 ألف سوري، بطرق مختلفة، بين ضحايا الدولة الإسلامية وضحايا القصف والصواريخ والقتال.

في تقرير لمنظمة الطفل في هيئة الأمم المتحدة Unicef سبتمبر الماضي، جاء أن أكثر من 82% من سكان سوريا الآن هم تحت خط الفقر، وأكثر من أربعة مليون لاجئ في دول الجوار، و7 ملايين و600 ألف نازح داخلياً، و1 من  بين كل مواطِنين سوريَين غادر بيته بسبب الحرب أو قتل.

بعض الحقائق الأخرى:

تعمل رلى في إحدى شركات الاستيراد والتصدير في دمشق، بعد أن تخرجت من الهندسة المدنية، إلا أنها لم تجد عملاً في مجالها بعد، فقررت خوض مغامرة العمل مهما كان نوعه. تأخذ راتباً قدره 40 ألف ليرة سورية، يكفيها معيشتها مع التقنين الشديد، ويدفع ذووها بدل إيجار الغرفة التي تسكنها لاستكمال ما تحتاج إليه في دمشق. مع ذلك، تسهر مع أصدقائها كل خميس أو اثنين في أحد بارات دمشق، المعروفة بكونها رحيمة بالطلاب ومحدودي الدخل.

تقول رلى لرصيف22: “واضح جداً أن من سيدخل إلى حفلة جورج وسوف هم الضباط، والتجار”، وتضيف: “دمشق خالية من الشباب الذكور منذ مدة، فلا يجول الذكور بين 22 و35 تقريباً في الشوارع كبقية الناس، ويحدون حركتهم قدر الإمكان خوفاً من الالتقاط العشوائي لهم للخدمة العسكرية. نحن نعاني كثيراً، ويحق لنا أن نحتفل قليلاً”.

الحرب في سوريا

هذه المبالغة في الاحتفالات قد تكون شكلاً آخر من أشكال ردود الفعل الجماعي على الكارثة السورية القائمة، ولكن لا يعلم أحد بماذا يحتفل السوريون إلى هذه الدرجة، فالحقيقة الوحيدة هي أن الحرب تطحن جميع السوريين بأشكال مختلفة.