الرئيسية / هكذا نراها / الثورة الليبية لم تكتمل بعد

الثورة الليبية لم تكتمل بعد

ثلاث سنوات مرت على الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، والذي حكم البلاد والعباد بقبضة من حديد، واستولى على مقدراتها وحرمها من إرساء لبنات دولة حديثة، حتى عندما قامت الثورة ضده لم يجد الليبيون الأسس التي يشيدون عليها دولة ديمقراطية كما حلموا بها وضحوا من أجلها.
بعد مرور ثلاث سنوات وجدت ليبيا نفسها وقد غرقت في دوامة من العنف والفوضى أجلت حلم بناء الديمقراطية المنشودة، بحيث صار الهاجس الأمني هو المسيطر في بلد يسعى جاهدا إلى الحفاظ على مسار ثورته من الانزياح بعد أن ظهر أن فاتورة الربيع العربي صارت باهظة في عدد من البلدان التي شهدته.
 هذا البلد سطر إحدى أروع ملاحم الثورة من أجل التحرر في القرن العشرين بقيادة المجاهد عمر المختار، فشل لحد الساعة في وضع الأرضية لمرحلة انتقالية تقوده إلى بناء الدولة الحديثة.
وإن كان يحق لقائل أن يقول إن كلفة الثورة كانت غالية، وأن النخبة السياسية في ليبيا اصطدمت بالواقع الذي أقامه القذافي من خلال خلق نظام سياسي هجين، من خلال بدعة ما أسماها “الجماهيرية”، فضلا عن تعمده لعدم إرساء مؤسسة حقيقة للجيش مما جعلها تخضع للأمر الواقع الذي فرضته الكتائب المسلحة اليوم، إلا أن استمرار الوضع كما هو عليه اليوم يشي بنقص الوعي السياسي وغياب بعد النظر لدى مختلف الأطراف مما يهدر الكثير من الوقت من أجل وضع مسار الثورة الليبية على السكة الصحيحة.
ورغم أن الثورات بطبعها تتطلب وقتا لتظهر ثمارها، وهو ما يتناقض مع الرغبة المفهومة والطبيعية للمواطنين الذين يريدون نتائج فورية لكي لا يحسوا أن تضحياتهم من أجل الكرامة والحرية والعيش الكريم قد ذهبت سدى، إلا أنها على مر التاريخ تطلبت وجود نخب تعي حجم المسؤوليات وقيادات كاريزمية نجحت في جعل الأمة تتجمع حولها وحول مبادئ مشتركة من أجل السير بالبلاد نحو الأمام.
اليوم تبدو الطبقة السياسية في ليبيا عاجزة عن القيام بذلك بسبب افتقادها للسلطة الحقيقية، وتبدو قيادات الميليشيات وكأنها تلعب بالنار وهي لا تدرك أنه ينبغي عليها التخلي عن السلاح والاندماج في أجهزة الدولة لأن الأخيرة هي الوحيدة المخولة باستعمال القوة وضبط الأمن في أي نظام سياسي حديث، وأن عليها الابتعاد عن التدخل في العملية السياسية خصوصا من خلال استعمال جانب الإكراه الجسدي أو التلويح به كما يحدث في ليبيا بين حين وآخر.
مما لا شك فيه أن تركة القذافي ثقيلة، فقد خلف الزعيم الراحل دولة تغيب فيها مؤسسات حقيقية، ولديها مشاكل مع عدد من الدول في العالم واتهامات بالتورط في ملفات للإرهاب ومناطق ومجموعات عرقية مهمشة ومجتمعا فيه حزازات قبلية ظهرت جليا إلى السطح خلال ثلاث سنوات الاخيرة.
بيد أن كل هذا يجب أن يستثمر للبرهنة على أن تجاوز هذه التركة الثقيلة لا يمكن أن يتم سوى بتظافر الجهود والتخلي عن المصالح الذاتية والسياسية القبلية والعرقية والمناطقية الضيقة والتفكير بلغة الوطن الواحد، وإلا فإن المركب الذي يحمل الجميع مهدد بالغرق أكثر.