الرئيسية / هكذا نراها / رفقاً بليبيا وأهلها…

رفقاً بليبيا وأهلها…

يوما بعد آخر، ومع تواتر الأخبار القادمة من ليبيا عن “قرب” حسم هذا الفريق أو ذاك للمعركة العسكرية الدائرة فيها، والحديث عن “تطهير بنغازي” أو “طرابلس”، تتأكد الهواجس عن “بعد” الاستقرار والأمن عن هذا البلد العربي العزيز. فقرب حسم المعركة عسكريا لا يفيد إلا في مزيد من تعنت الطرف الذي يعتقد بإمكانية الانتصار، ومعها تتضاؤل إمكانية إيجاد حل سياسي، يحفظ لهذا البلد كيانه الموحد، ولأهله الطمأنينة، ولمقدراته وخيراته الصيانة، ولمستقبله الازدهار والحرية.
وفي هذه المعركة الدموية العبثية، مهما أسبغ عليها طرفاها من أوصاف وساق في تبريرها من حجج، تبدو الضحية الأولى أبناء ليبيا وخيراتها، ويصبح كل انتصار أيا كان طرفه، هزيمة حقيقية وعميقة لهذا البلد برمته، تدين الجميع وتعريهم من ثوب البراءة المزعومة.
إن الانتصار الحقيقي لأي بلد عربي من تلك التي تشهد معارك دموية مجرمة، وليبيا مجرد مثال عليها، يكمن في قدرة الفرقاء السياسيين من مختلف الأيديولوجيات والبرامج السياسية، على خوض معركة بناء بلد حر مستقل يعيش أهله بكرامة وتوزع ثرواته بعدالة وينظر مواطنوه إلى غدهم بثقة وتفاؤل، وهو ما يبدو بعيد المنال في الغالبية الساحقة من بلداننا العربية، بما فيها تلك التي لا تشهد صراعات دموية مسلحة ومعلنة.
وبالعودة لليبيا، ومع تمسك الإسلاميين “بشرعية” مؤتمرهم الوطني، وتمسك خصومهم “بشرعية” مجلس نوابهم، وخوض كل فريق عبر ميليشياته حرب إقصاء للآخر، وكأن الوطن وإدارة شأنه العام لا تقبل القسمة على اثنين، تبدو الأمور مرشحة لمزيد من التصعيد، لن يسهم إلا في تزايد أعداد القتلى والجرحى والمهجرين من الأبرياء، ومزيد من إهدار الثروات والارتهان للخارج العربي والأجنبي، وهو ما من شأنه مصادرة مستقبل أجيال بأكملها من الليبيين، بالكاد خرجوا من دمار عقود “ملك ملوك إفريقيا” الأربعة، التي حرمتهم من كل فرصة للنمو والتطور. والأدهى أن هذا “الانتصار” سيخول الرابح التعامل مع خيرات ليبيا كغنيمة، ويحتكر الحكم بعد أن احتكر الصواب، وندخل في دوامة استبداد جديد، الله وحده يعلم متى سنخرج منها.
ومما يزيد من سوداوية المشهد، أن ليبيا أصبحت ساحة لتصفية حسابات حقيقية ومؤلمة بين قوى إقليمية عربية ودولية، في حرب معسكرات تكتوي بنارها – إضافة إلى ليبيا- كلا من اليمن وسوريا والعراق ولبنان ومصر وإلى حد ما تونس، تذكرنا بما دفع لبنان من ثمن لتصفيات مماثلة خلال السبعينيات والثمانينيات، وتوسع دائرة الدمار وهدر المقدرات التي نعيشها في الدول العربية المذكورة.
ولو جاز لنا أن نتحدث بلسان حال أبرياء ليبيا لقلنا، لا يهم ضحايا حرب تصفية الحسابات هذه بين فرقاء الداخل والخارج إن كانوا قد قتلوا خطأ أم بشكل مقصود، أو بسبب تأييدهم لهذا الفريق أو ذاك، أم لمجرد تواجدهم في دائرة الحرب المجنونة، أم برصاص ميليشيات فجر ليبيا أم الزنتان أم حفتر، ما يهم أن رب العالمين قد قرر من فوق سبع سماوات أن “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا”، وستبقى يداه ملطختان بدماء الأبرياء إلى أن يلقى العزيز الجبار، وساعتها لن تنفع جميع المبررات التي يسوقونها لتبرير إجرامهم، لا انتصارا لثورة 17 فبراير أو حربا على الإسلاميين المتشددين.
لهؤلاء وهؤلاء نقول: رفقا بليبيا وأهلها، ولتلقوا السلاح وتحتكموا إلى صوت العقل، وليكن تنافسكم في البرامج التي من شأنها جلب الرخاء لأهل هذا البلد الطيبين، ولتذهب خيراتها ومقدرات نفطها لصالح ترقية بنيتها التحتية وتقديم خدمات صحية وتعليمية تليق بهم، وليقرر الليبيون ساعتها أي هذه البرامج هو الاجدى والأقدر على تحقيق طموحاتهم، ويصححون اختياراتهم مع كل عملية انتخابية مرة كل أربع أو خمس سنوات، بدل الإيغال في خوض هذه الحرب المدمرة التي تخسركم خير الدنيا ونعيم الآخرة..