في القضايا التي ترتبط بالمال العام والقدرة الشرائية للمغاربة، لا ينبغي أن تكون المساءلة البرلمانية مجرد خيار سياسي يمكن القبول به أو رفضه بسهولة. وملف دعم استيراد المواشي، بما أثاره من نقاش عمومي وشد وجذب، يستحق أكثر من التبريرات السياسية الجاهزة.
ولم يعد ملف المواشي مجرد أزمة عابرة مرتبطة بعيد الأضحى، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر الملفات التي وضعت السياسة الحكومية أمام امتحان حقيقي، وكشفت حجم التحديات المرتبطة بتدبير الأسعار والمال العام والقدرة الشرائية للمغاربة.
مناسبة عودة هذا الملف الشائك إلى الواجهة اليوم ليست مرتبطة فقط بالنقاش حول لجنة تقصي الحقائق بالبرلمان، وإنما أيضا بتسجيل صوتي مسرب نُسب إلى اجتماع للمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، وما أثاره من جدل سياسي، إلى جانب التصريحات الأخيرة لفوزي لقجع القيادي بحزب الأصالة والمعاصرة بشأن أسعار اللحوم وتطوراتها، قبل أن يصف الذين حوّلوا فرحة عيد الأضحى إلى قلق لدى الأسر المغربية بـ”الإرهابيين الحقيقيين”.
وبغض النظر عن الجدل المحيط بالتسجيل، فإن تزامن هذه المعطيات أعاد طرح سؤال أساسي: هل كانت الإجراءات المتخذة في ملف استيراد المواشي كافية فعلا لتحقيق الأهداف المعلنة، أم أن النتائج على أرض الواقع تفرض اليوم مراجعة وتقييما صريحا لهذه السياسة؟.
لم يعد الجدل حول دعم استيراد المواشي مجرد نقاش تقني يتعلق بآليات التدبير أو بتفاصيل السياسة الحكومية، بل أصبح موضوعا يلامس سؤالا أكبر: كيف تدبّر الأموال العمومية، ومن يتحمل المسؤولية السياسية خصوصا وأن حزب التجمع الوطني للأحرار ظل يشرف على وزارة الفلاحة بشكل متواصل منذ سنة 2007؟.
فرفض الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار الانخراط في لجنة تقصي الحقائق حول الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية المواشي، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد موقف إجرائي أو تقني مرتبط بانتهاء الولاية التشريعية.
فالتحفظ على تشكيل هذه اللجنة لا يثبت وجود مخالفة، لكنه يفرض سؤالا سياسيا مشروعا: ما الذي يجعل فتح الملف أمام قبة البرلمان باعتبارها مؤسسة دستورية للرقابة أمرا غير مرغوب فيه؟.
فحين تكون الحكومة مقتنعة بسلامة قراراتها وفعالية سياساتها، يفترض أن تكون مستعدة لعرض الأرقام والمعطيات أمام البرلمان بغرفتيه والرأي العام الوطني، بدل الاكتفاء بالدفاع السياسي عن خياراتها.
المسألة هنا لا تتعلق باستهداف حزب بعينه داخل الأغلبية، وإنما بمبدأ بسيط: من يتحمل المسؤولية السياسية؟. وإذا كانت الإجراءات المتخذة لم تحقق بالشكل المنتظر أهدافها المتعلقة بتوفير العرض والحفاظ على توازن الأسعار ودعم قطاع المواشي ببلادنا، فمن حق المواطنين معرفة مكامن الخلل، ومن حق البرلمان مساءلة من وضع هذه السياسات ودافع عنها.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير