ركز الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش على التوجه الاستراتيجي الواضح الذي مكن المغرب من تحقيق إنجازات متتالية في مختلف المجالات، ورسخ حضوره ضمن مراكز متقدمة قاريا ودوليا.
وفي قراءة تحليلية لـ”مشاهد24″، فككت المحللة السياسية الدكتورة راضية الدباغ ملامح التوجه الاستراتيجي الذي يقوده الملك محمد السادس، متوقفة عند أبرز مرتكزاته، وما راكمه المغرب من مكتسبات، فضلا عن الآفاق التي يفتحها هذا المسار أمام المملكة خلال المرحلة المقبلة.
“التوجه الاستراتيجي لبلادنا يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل”. هكذا افتتحت الدباغ قراءتها، مؤكدة أن الأمر يتعلق برؤية متكاملة في ممارسة السلطة وتدبير الشأن العام، قوامها الاستمرارية والتراكم والتقييم المستمر، بما يجعل الإصلاح مسارا متواصلا لا يرتبط بإيقاع الحكومات أو بتقلبات الظرفيات السياسية.
وأشارت المحللة السياسية إلى أن الخطاب الملكي شدد من خلال هذا التصور، على أن ما حققه المغرب من مكتسبات وإنجازات “لم يكن وليد الصدفة”.
واسترسلت في تحليلها، مبرزة أن خطاب الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش لا يقدم منجزات الدولة باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها حلقات متكاملة ضمن مشروع وطني ممتد الأفق. لذلك، لم يكتف الخطاب باستعراض مؤشرات النمو، أو تطور القطاعات الصناعية، أو اتساع حجم الاستثمارات، بل ربط هذه الدينامية برهان أكبر يتمثل في بناء دولة قادرة على حماية اختياراتها الاستراتيجية، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وفي هذا السياق، تقول الدباغ، تتجلى إحدى أبرز سمات الخطاب الملكي، والمتمثلة في الانتقال من منطق الإعلان عن المشاريع إلى منطق ترسيخ أثرها وضمان استدامة نتائجها، بما يجعل التنمية مسارا تراكميا يتجاوز منطق الإنجاز الظرفي نحو بناء مقدرات وطنية راسخة.
وسجلت المتحدثة ذاتها أن الاستقرار الذي تنعم به المملكة يشكل الركيزة الأولى لهذه الرؤية، مردفة أن الخطاب الملكي لا يتعامل مع الأمن والاستقرار باعتبارهما معطيين طبيعيين، وإنما يقدمهما كـ”رأس مال استراتيجي” للمغرب. وبهذا المعنى، يصبح الاستقرار شرطا لجذب الاستثمار، وحماية الاقتصاد، وضمان استمرارية الإصلاحات، وليس مجرد هدف سياسي في حد ذاته.
ولفتت في السياق ذاته، إلى التحول الذي عكسه الخطاب في مفهوم السيادة الوطنية، موضحة أنها لم تعد تقتصر على الدفاع عن الوحدة الترابية وحماية الحدود، بل باتت تشمل أبعادا اقتصادية وتكنولوجية واستراتيجية متعددة، من السيادة الصناعية والطاقية والغذائية والدوائية، إلى السيادة الدفاعية والرقمية.
وأضافت أن الحديث عن صناعة السيارات والطيران، والهيدروجين الأخضر، والبطاريات الكهربائية، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، لا يأتي في إطار استعراض قطاعات اقتصادية ناجحة، وإنما يعكس توجها استراتيجيا يرمي إلى تمكين المغرب من أدوات القوة الاقتصادية والتكنولوجية.
وتطرقت أيضا إلى البعد الاجتماعي الذي حضر بقوة في الخطاب الملكي، من خلال التأكيد على أن التنمية لا تكتمل إلا بمدى انعكاسها المباشر على حياة المواطنين. ومن هذا المنطلق، جاء التشديد على مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، وتفعيل برامج التنمية الترابية المندمجة، وتقوية آليات تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، باعتبارها أدوات لتحقيق مزيد من العدالة المجالية والاجتماعية.
وترى الدباغ أن هذه المقاربة تعكس فلسفة متوازنة تجعل النمو الاقتصادي وسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي، وليس غاية منفصلة عنه، بما يربط بين قوة الاقتصاد وتحسين شروط العيش وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
وفي قراءة المحللة لما تطرق إليه الخطاب بشأن إطلاق دورة جديدة من المسار التنموي بالمملكة عقب الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في شتنبر المقبل، توقفت عند الدلالة السياسية والمؤسساتية لهذه الإشارة.
وقالت: “تحمل هذه الصياغة دلالة دستورية وسياسية واضحة، مفادها أن التداول الديمقراطي يتم داخل إطار استمرارية الدولة، وأن الحكومات تتغير، بينما تظل الاختيارات الوطنية الكبرى ثابتة، لأنها تمثل سياسات دولة لا برامج ظرفية”.
كما لفتت إلى أن تأكيد الخطاب على أن المكاسب التي حققها المغرب تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، يعكس تصورا مؤسساتيا عميقا، قوامه أن التنمية المستدامة لا تبنى بمنطق الدورات الانتخابية القصيرة، وإنما بمنطق التراكم والاستمرارية.
وبحسب الدباغ، فإن هذه الرؤية تحمل أيضا دعوة ضمنية إلى مختلف الفاعلين السياسيين، لجعل التنافس الديمقراطي مدخلا لتحسين الأداء العمومي، وليس سببا في تعطيل المشاريع أو التشكيك في الاختيارات الاستراتيجية للدولة.
وعلى الصعيد الخارجي، يرسخ الخطاب وفق المتحدثة، صورة المغرب كفاعل دولي موثوق، استطاع خلال السنوات الماضية بناء شراكات متنوعة ومتوازنة، وتعزيز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي. غير أن اللافت، تضيف الدكتورة، هو أن هذا الحضور لم يقدم باعتباره نجاحا منفصلا عن الدينامية الداخلية، بل باعتباره نتيجة مباشرة لاستقرار المؤسسات، وقوة الاقتصاد، ووضوح الرؤية الاستراتيجية.
وخلصت المحللة السياسية إلى أن خطاب العرش لسنة 2026 يشكل إعلانا عن مرحلة جديدة عنوانها “استدامة الإنجاز”، تقوم على حماية المنجزات المحققة، وتطويرها، وتحويلها إلى رصيد استراتيجي مستدام، بما يضمن أن تمتد آثارها الإيجابية إلى أبناء المغرب، اليوم وغدا، وتؤسس لمستقبل أكثر قوة.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير