الجزائر

بروتوكول “نصف السفير”.. حين تنتظر الجزائر تغريدة الرضا الأمريكية

بقلم: هيثم شلبي

في أروقة الدبلوماسية العالمية، يُقال إن مكانة الدولة تُقاس بحجم العَلَم الذي يرفرف فوق سفارة قوةٍ كبرى في عاصمتها. وإذا صحّ هذا المعيار، فإن الجزائر تجد نفسها في مطلع عام 2026 أمام مشهدٍ يستحق الوقوف عنده مليّاً: لم يُرسل دونالد ترامب إلى “قصر المرادية” سفيراً يحمل أوراق اعتماده وسط طقوس الحرس الجمهوري والسجادة الحمراء، بل اكتفى بإيفاد “قائم بالأعمال”، يفترض أن يستقبله الوزير عطاف لا الرئيس تبون! وفي لغة العواصم الكبرى، هذا التمييز ليس مجرد إجراء إداري روتيني، بل هو “حمية دبلوماسية” قاسية تفرضها واشنطن على المائدة الجزائرية، كأن لسان حال البيت الأبيض يقول ببساطة: “لماذا نُقدّم لكم وجبة كاملة بينما يكفيكم طبق المقبلات؟”.

غادرت السفيرة إليزابيث مور أوبين الجزائر وهي تبتسم للكاميرات، تاركةً خلفها فراغاً لم يكن أحد في المرادية يتمنى أن يُملأ بمارك شابيرو. الرجل ليس غريباً عن الساحة؛ فهو يعرف أزقة الجزائر العاصمة وزواياها الدبلوماسية جيداً، لكنه يعود هذه المرة بملفٍّ مختلف كلياً، يُشبه إلى حدٍّ بعيد مهمة “المراقب المالي” الذي ترسله الشركة الأم لتدقيق الدفاتر قبل البتّ في أي عقود مستقبلية. الرسالة المشفرة التي يُجسّدها وجوده واضحة لمن يُحسن القراءة: الجزائر، بكل ثقلها الغازي وطموحاتها الإقليمية وتاريخها في حركة عدم الانحياز، لم تعد في قائمة “الأولويات” التي تستحق سفيراً معتمداً بكامل الصلاحيات، بل انزلقت إلى قائمة “الانتظار” حتى إشعار آخر.

 

من “استمالة ترامب” إلى “تجنّب إغضابه

منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، راهن صانعو القرار في الجزائر على معادلة بدت في ظاهرها منطقية: “الرجل التاجر” سيُقدّر حتماً قيمة الغاز الجزائري الذي يُمثّل صمام أمان حقيقياً لأوروبا في ظل الأزمة الطاقوية المستمرة. اعتقد بعضهم أن صفقات الطاقة الكبرى ستكون مفتاح الباب الأمريكي، وأن الحديث عن دور الجزائر في استقرار منطقة الساحل سيُغري إدارةً تدّعي أولوية “مكافحة الإرهاب”. بل ذهب المتفائلون إلى أن “استقلالية القرار الوطني” التي يتبناها النظام العسكري الجزائري قد تلقى قبولاً لدى رجلٍ يكره المؤسسات الدولية والمنظمات متعددة الأطراف.

غير أن الواقع جاء ليكسر هذا الرهان بأسلوب ترامبي صارخ. فبينما كانت الدبلوماسية الجزائرية تُدار بمنطق “الشطرنج الاستراتيجي”، كانت واشنطن تلعب “مونوبولي” بقواعد مختلفة كلياً. ترامب لا يُريد الاستماع إلى محاضرات عن “تقرير المصير” أو “توازن القوى في شمال أفريقيا”؛ هو يُريد أرقاماً واضحة، وخرائط فيها أصدقاء مُعرَّفون. وحين ينظر إلى المنطقة، يرى في المغرب شريكاً موثوقاً تجسّدت علاقته به في قنصلية أمريكية في الداخلة وسفيراً معتمداً في الرباط، بينما يرى في الجزائر ملفاً شائكاً تعكّر صفحاته مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا، وتقارب ملتبس مع طهران في بعض الأروقة الدولية. لا غضب بالضرورة، بل ببساطة: “تخفيض الرتبة”.

 

ثلاجة العلاقات وحارسها الوفيّ

الرهان الجزائري اليوم لم يعد على “كسب” واشنطن، بل تحوّل إلى الرهان الأصغر حجماً: “تجنّب غضبها”. ومن السخرية المرّة أن الدبلوماسية التي طالما افتخرت بأنها “قبلة الثوار” ومنارة للمقاومة ضد “التدخل الخارجي”، باتت اليوم تُحاول فك شفرات تغريدات رجلٍ يمكنه إعادة رسم مسار منطقة كاملة بضغطة إبهام وهو يتناول إفطاره في مارالاغو. إنها محاولة ترويض الإعصار بالمروحة اليدوية.

يزداد المشهد تعقيداً حين نضع في الحسبان أداة الضغط الأخطر التي تتربّص بالجزائر: قانون “كاتسا” (CAATSA) المتعلق بالعقوبات الأمريكية على مشتريات الأسلحة الروسية. فالجزائر التي تُصنَّف من بين أكبر مستوردي السلاح الروسي في العالم، تعيش على وقع هذا السيف المُعلَّق. وإذا ما قرّرت الإدارة الأمريكية يوماً تفعيل هذه العقوبات، فلن يكون هناك سفير “صديق” يُلطّف الأجواء على مأدبة عشاء دبلوماسية، بل سيكون شابيرو هو من يُسلّم “الفاتورة” بصفته الرسمية المحدودة. “القائم بالأعمال” هنا ليس مجرد منصب إداري شاغر، بل هو حالة سياسية مقصودة: أداة ضغط ناعم وفعّالة تُبقي الجزائر في حالة من القلق الدائم، تُحاول إرضاء واشنطن دون أن تبدو “مستسلمة”، وتُحاول الحفاظ على حلفائها الروس دون أن تستفز الإدارة الأمريكية.

 

قيمة الدول بالصفقات لا بالتاريخ

ثمة حقيقة أعمق يكشفها هذا المشهد كله، وهي أن ترامب “نفعيٌّ بصري” لا “واقعي استراتيجي” بالمعنى الأكاديمي الكلاسيكي. هو يرى المغرب يقوم بترقية وتعميق علاقاته، ويُعزّز شراكته مع واشنطن، ويرى قنصلية أمريكية تُرفع في مدينة الداخلة. في المقابل، يرى قائماً بالأعمال في الجزائر يُرسل برقيات تُتحدث عن ضيق هامش الحريات وتعقيد المشهد السياسي. فيخلص إلى معادلة بسيطة: الكفة تميل حيث توجد “الصفقة الأوضح”.

المفارقة الجوهرية أن الجزائر التي حاربت طويلاً فكرة أن مكانة الدول تُقاس بمدى قربها من واشنطن، تجد نفسها اليوم تنتظر بترقّب من سيخلف شابيرو، أو ما إذا كان سيبقى “ضيفاً ثقيلاً” يُذكّرها يومياً بأن الولايات المتحدة وضعت علاقتها معها في الثلاجة. وشابيرو، في نهاية المطاف، ليس سوى المكلّف بضبط منظم الحرارة، حتى تقرر “الإدارة التاجرة” أن الوقت قد حان لبيع شيء، أو شراء شيء، أو ببساطة… ترك العلاقة مع الجزائر داخل الثلاجة.

في المشهد الراهن، يبدو أن الدبلوماسية الجزائرية قد استبدلت شعارها التاريخي “السيادة فوق كل اعتبار” بشعار عملي أكثر هشاشة: “النجاة فوق كل اعتبار”. وهي تُحاول جاهدة إقناع جمهورها بأن استمرار شغور منصب السفير يعكس “تعقيد الملفات المشتركة”، لا “بساطة التجاهل الأمريكي”. لكن الأروقة الدبلوماسية لا تكذب: حين تُصبح المعادلة بين دولتين بهذا الحجم في يد “قائم بالأعمال”، فهذا يعني أن الأعمال نفسها باتت موضع تساؤل!!

اقرأ أيضا

إنجاز عالمي لطاقم بحارة نسائي

حققت ثماني بحارات إنجازاً ملاحياً غير مسبوق بوصولهن إلى ميناء «بريست» الفرنسي، ليكنّ بذلك أول …

المعرض الدولي للكتاب.. بنسعيد يطلق مسابقة الكتابة الإبداعية

أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، عن إطلاق الدورة الرابعة لمسابقة الكتابة الإبداعية، …

رؤية 2030.. “مطارات المغرب” تطلق حملتها الجديدة “لننطلق”

كشفت “مطارات المغرب”، العلامة التابعة للمكتب الوطني للمطارات، عن حملتها التواصلية الجديدة “لننطلق”، الهادفة إلى …