الجزائر

جمهورية “المادة 87 مكرر”.. عندما يسجن النظام الجزائري مستقبله هرباً من شبح الحراك!

بقلم: هيثم شلبي

مقدمة: بين “الجزائر الجديدة” وزنازين الحراش القديمة

في الوقت الذي ينشغل فيه الإعلام الرسمي الجزائري برسم صورة وردية لـ”الجزائر الجديدة” كواحة استقرار وازدهار اقتصادي، تشهد أروقة محاكم “سيدي امحمد” و”الدار البيضاء” مشاهد مختلفة تماماً. هناك، تُفتح ملفات يومياً لمواطنين لم يرتكبوا جرائم، بل مارسوا ببساطة حقهم الإنساني الأساسي في التعبير عن الرأي. في الجزائر المعاصرة، لم يعد القمع ممارسة أمنية عشوائية أو ردود فعل ظرفية، بل تحول إلى صناعة قانونية متكاملة الأركان، مصممة بعناية لإعادة إنتاج الخوف في نفوس ستة وأربعين مليون إنسان.

هذه الصناعة القمعية لها هدف واضح ومعلن ضمنياً: تحصين السلطة من أي حراك شعبي قد يشبه انتفاضة 2019 التي هزت أركان النظام. لكن المفارقة الأكثر إيلاماً للنظام الجزائري اليوم لا تكمن فقط في قمعه الداخلي، بل في انكشافه الفاضح على الساحة الدولية. في جنيف، حيث يجتمع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يجد النظام الجزائري نفسه تحت مجهر دولي حاد، في مفارقة قاسية: المجلس الذي كان يطمح للعب دور فيه أصبح يترأسه المغرب، الخصم الاستراتيجي الذي يكشف للعالم بشاعة السجل الحقوقي لنظام يرفع شعارات التحرر بينما يمارس في سجونه ما تستنكره الدول الديمقراطية.

أولاً: هندسة القمع وترسانة القوانين المفصلة على مقاس المعارضة

الناشط الجزائري اليوم لا يواجه مجرد شرطي في الشارع أو مخبر في الحي، بل يواجه منظومة قانونية كاملة صُممت بعناية فائقة لتجريم كل فعل مدني، ولتحويل أبسط أشكال التعبير عن الرأي إلى جريمة يعاقب عليها القانون. في قراءة تحليلية للتشريعات الصادرة والمعدلة منذ 2021 حتى فبراير 2026، نكتشف أن النظام استحدث مفاهيم قانونية مطاطة تتيح له سجن أي شخص تحت مسميات رنانة مثل “الإرهاب” و”تهديد الأمن القومي”.

المادة 87 مكرر: البعبع القانوني الأكب

تمثل هذه المادة حجر الزاوية في المنظومة القمعية الحالية. أعاد النظام من خلالها تعريف مفهوم “الإرهاب” ليشمل أي محاولة لـ”تغيير نظام الحكم بأساليب غير دستورية”، وهو تعريف فضفاض ومطاط يسمح باستخدامه ضد ناشطين سلميين لم يفعلوا شيئاً سوى المطالبة بإصلاحات سياسية أو التعبير عن رأي نقدي. بموجب هذه المادة، يتم إحالة مدنيين عاديين إلى محاكم الجنايات المتخصصة في قضايا الإرهاب، مما يعني حرمانهم من المحاكمات العادلة وتعريضهم لأحكام قاسية قد تصل إلى السجن المؤبد أو حتى الإعدام رغم وقف تنفيذه.

الخطورة الحقيقية لهذه المادة تكمن في قدرتها على تحويل أي مواطن عادي إلى “إرهابي” بجرة قلم. منشور على فيسبوك ينتقد السلطة؟ إرهاب. مشاركة في احتجاج سلمي؟ إرهاب. التوقيع على عريضة تطالب بإصلاحات؟ إرهاب. هكذا تتحول الكلمة إلى جريمة، والرأي إلى تهمة، والمواطنة إلى مخاطرة.

تعديلات قانون العقوبات: سيف مسلط على الرقاب

شهدت الفترة من فبراير 2024 حتى فبراير 2026 تشديداً ملحوظاً في نصوص قانون العقوبات، خاصة تلك المتعلقة بـ”نشر معلومات كاذبة” أو “المساس بالوحدة الوطنية”. هذه النصوص تحولت إلى سيف مسلط على رقاب الصحفيين والمدونين والناشطين. في الجزائر اليوم، “المعلومة الكاذبة” ليست معلومة خاطئة بالضرورة، بل هي ببساطة أي معلومة لا تعجب السلطة، حتى لو كانت حقيقة موثقة تتعلق بارتفاع أسعار المواد الأساسية أو ندرة الأدوية أو فساد المسؤولين.

المفارقة هنا أن النظام نفسه الذي يجرّم “نشر المعلومات الكاذبة” هو أكبر منتج لها عبر إعلامه الرسمي. حين يحتفل بوصول 335 حافلة كإنجاز تاريخي، أو يصور الوضع الاقتصادي بألوان وردية بينما المواطن يعاني من ارتفاع الأسعار وندرة السلع، أليس هذا نشراً للمعلومات الكاذبة؟ لكن القانون، كما هو معروف، لا يطبق إلا على الضعفاء.

قانون الجمعيات: المقصلة الناعمة

أما قانون الجمعيات الجديد، فقد فرض قيوداً تجعل من المستحيل عملياً على أي جمعية حقوقية أو مدنية العمل باستقلالية حقيقية. التدقيق المشدد في مصادر التمويل ليس هدفه “الشفافية” كما يدعي النظام، بل هو وسيلة محكمة لخنق المنظمات التي توثق الانتهاكات وتكشف الحقائق. هذا القانون دفع بمنظمات عريقة مثل “الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان” إلى الحل القسري والملاحقة، في رسالة واضحة: لا صوت يعلو فوق صوت السلطة.

ثانياً: لغة الأرقام الصادمة وجردة حساب الكرامة المهدورة

عندما نتحدث عن حقوق الإنسان في الجزائر، فإن الأرقام هي التي تتحدث بمرارة أكثر من أي خطاب. بناءً على تقارير المنظمات الحقوقية المستقلة واللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين حتى فبراير 2026، يتكشف واقع مؤلم:

معتقلو الرأي: أرقام تتحدث عن كارثة إنسانية

يتراوح عدد معتقلي الرأي الذين يقبعون حالياً في السجون الجزائرية بين 210 و250 معتقلاً. هؤلاء ليسوا مجرمين بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هم جامعيون ومحامون وصحفيون ونشطاء وحتى ربات بيوت. جريمتهم الوحيدة أنهم استخدموا عقولهم للتفكير وألسنتهم للكلام.

الأكثر قسوة من الرقم نفسه هو طبيعة الاعتقال. الإحصائيات تشير إلى أن أكثر من 70% من هؤلاء المعتقلين يقبعون في السجن تحت نظام “الحبس المؤقت” لفترات تتجاوز العام الواحد دون محاكمة حقيقية. النظام يستخدم الحبس المؤقت كعقوبة استباقية، كوسيلة لإسكات الأصوات المعارضة دون الحاجة حتى لإصدار أحكام قضائية. العقوبة تسبق المحاكمة، والسجن يأتي قبل الحكم، في انتهاك صارخ لأبسط مبادئ العدالة.

الملاحقات الرقمية: اعتقال “اللايك” و”الشير”

في عام 2025 ومطلع 2026، تم رصد أكثر من 1200 استدعاء أمني لناشطين بسبب منشورات على منصات التواصل الاجتماعي. الجزائر اليوم تتصدر القائمة العربية والأفريقية في “اعتقال اللايك والشير”. الفضاء الرقمي، الذي كان يُفترض أن يكون مساحة للحرية والتعبير، تحول إلى فخ محكم. كل منشور مراقب، وكل تعليق محفوظ، وكل إعجاب مسجل. المواطن الجزائري لم يعد يمتلك حتى حرية الضغط على زر “إعجاب” دون خوف من طرق الباب في منتصف الليل.

ثالثاً: أشهر الملفات الحقوقية وقصص من خلف القضبان

ليست الأرقام وحدها هي ما يثير القلق، بل نوعية الأشخاص المستهدفين والقصص الإنسانية المؤلمة وراء كل ملف.

عبلة قماري: القمع لا يستثني النساء

تجسد الناشطة عبلة قماري واقع القمع الذي لا يفرق بين رجل وامرأة في الجزائر. تواجه تهماً ثقيلة لمجرد تعبيرها عن آرائها السياسية، في رسالة واضحة من النظام بأن القبضة الأمنية لا تستثني أحداً، وأن الجنس لن يكون حصانة ضد القمع.

اغتيال الصحافة المستقلة

سجن صحفيين مثل إحسان القاضي رغم كل النداءات الدولية، وإغلاق مؤسسات إعلامية مثل “راديو M”، حوّل المشهد الإعلامي الجزائري إلى صدى واحد لصوت السلطة. ما يُسمى محلياً بـ”إعلام الطاعة” أصبح هو القاعدة، بينما تحولت الصحافة المستقلة إلى جريمة يعاقب عليها القانون.

رابعاً: مفارقة جنيف والجزائر في قفص الاتهام الأممي

لا يمكن قراءة المشهد الحقوقي الجزائري بمعزل عن الصدمة الدبلوماسية التي يعيشها النظام على الساحة الدولية. بينما كانت الدبلوماسية الجزائرية تمني النفس بلعب دور مؤثر في مجلس حقوق الإنسان بجنيف، وجدت نفسها في موقف المتهم أمام مجلس يترأسه المغرب.

المصداقية الدولية: الاعتراف بالمسار الإصلاحي

رئاسة المغرب للمجلس لم تكن مجرد صدفة بروتوكولية أو محاصصة جغرافية، بل جاءت اعترافاً دولياً بمسار إصلاحي حقيقي في مجال حقوق الإنسان. في المقابل، قوبلت محاولات الجزائر للعب دور مماثل بالرفض الصامت أو الانتقاد الحاد بسبب سجلها الحافل بالانتهاكات. هذه المفارقة ليست مجرد هزيمة دبلوماسية، بل هي كشف فاضح للفرق بين الادعاءات والواقع.

الهروب من التزامات الاستعراض الدوري

الجزائر تتهرب باستمرار من تنفيذ توصيات المقررين الأمميين المتعلقة بحرية التجمع السلمي واستقلال القضاء. في أروقة جنيف، أصبحت الجزائر توصف بأنها “الدولة التي توقع على المعاهدات نهاراً وتخرقها ليلاً”. هذا الوصف القاسي يلخص واقع نظام يتقن فن المراوغة الدبلوماسية لكنه يفشل في إخفاء انتهاكاته الصارخة.

العزلة الحقوقية: عجز عن الرد

يجد النظام الجزائري نفسه عاجزاً عن الرد بشكل مقنع على التقارير الموثقة التي ترفعها منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى المجلس في جنيف. خطاب “السيادة الوطنية” الذي يحاول النظام الاحتماء خلفه يبدو متهالكاً أمام بشاعة الحقائق الميدانية الموثقة بالأسماء والتواريخ والأرقام.

خامساً: القمع كستار للفشل الاقتصادي والاجتماعي

لماذا يصر النظام على هذه القبضة الحديدية في فبراير 2026؟ الإجابة تكمن في الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتردي الذي يحاول النظام إخفاءه.

أزمة المعيشة المتفاقمة

مع تآكل القدرة الشرائية للمواطن وفشل سياسات الدعم الحكومية، يدرك النظام جيداً أن أي مساحة حرية حقيقية قد تتحول فوراً إلى احتجاجات اجتماعية واسعة. الأحياء الشعبية تغلي من الداخل، والغضب يتراكم يومياً، وأي شرارة قد تشعل حريقاً لا يمكن إطفاؤه بسهولة.

الهروب إلى الأمام: السجن أرخص من الإصلاح

بدلاً من إصلاح قطاع النقل المنهار أو توفير المواد الأساسية أو معالجة أزمة السكن أو خلق فرص عمل حقيقية، يجد النظام أن “تكلفة السجن” أرخص بكثير من “تكلفة الإصلاح”. سجن ناشط واحد وترهيب عشرات الآلاف من خلال مثاله يبدو حلاً أسهل من مواجهة الأزمات الحقيقية وحلها بشكل جذري.

الخاتمة: هل ينجح القمع في وأد التاريخ؟

النظام الجزائري، وهو يدخل الربع الأول من عام 2026، يعتقد واهماً أن تكديس المعتقلين في سجون الحراش والبليدة واستخدام المادة 87 مكرر كسيف مسلط على رقاب المواطنين سيوفر له الاستقرار المنشود. لكن التاريخ الإنساني كله يقول إن القمع ليس حلاً، بل هو تأجيل مكلف لمواجهة حتمية. القمع هو “ضريبة الخوف” التي يدفعها النظام من رصيده الأخلاقي والسياسي، وليس الشعب.

بين واقع جنيف الدولي الذي يضع الجزائر في حجمها الحقوقي الحقيقي كدولة منتهكة للحريات الأساسية، وبين الواقع الداخلي المحتقن الذي يهدد بالانفجار في أي لحظة، يبقى المواطن الجزائري هو الرهينة الحقيقية. لكن هذه الرهينة بدأت تدرك حقيقة مهمة: السلاسل القانونية التي كبّل بها النظام يديها ورجليها هي ذاتها السلاسل التي ستكبله يوماً ما أمام محكمة التاريخ.

القوة الضاربة التي تعجز عن حماية كرامة مواطنها، التي تحتفل باستيراد 335 حافلة بينما تسجن مئات الأصوات الحرة، التي تنفق المليارات على الدعاية بينما تعجز عن توفير الخبز والدواء، هي في الحقيقة قوة منهارة من الداخل، تنتظر لحظة الحقيقة التي لا تنفع معها مواد قانون العقوبات ولا جدران السجون المظلمة.

اقرأ أيضا

العلمي يستقبل أعضاء لجنة تتبع مخرجات المنتدى البرلماني الاقتصادي المغربي-الموريتاني

استقبل رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، الجمعة 13 فبراير 2026 بمقر المجلس، أعضاء لجنة تتبع مخرجات المنتدى البرلماني الاقتصادي المغربي-الموريتاني.

زوج يُحطم منزله بعد شراء زوجته غسالة أطباق دون موافقته

تحوّل خلاف منزلي بسيط حول شراء غسالة أطباق إلى مشهد عنف صادم، بعدما أقدم زوج …

الملك يستقبل رئيس مجلس إدارة مجموعة “سافران”

استقبل الملك محمد السادس، اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالدار البيضاء، رئيس مجلس إدارة مجموعة “سافران”، روس ماكينيس.