بقلم: طالع السعود الأطلسي *
الذين يتضايقون من التقدّم المغربي، من استقراره ومن حيويته، بكل قواه الوطنية وبقيادته الملكية، في مسار الإنجازات، أولئك الذين يمنّون أنفسهم بأن يروا المغرب غارقاً في الفوضى، ممزّق النسيج الاجتماعي والسياسي، مجرّداً من لاحِم أوصاله وجامع أركانه، أي النظام الملكي ورئيسه الملك محمد السادس… أولئك ما فلحوا، وعبر عقود، في النيل من المغرب، بوابل غاراتهم، بافتعال الفتن، وبث الدسائس… أولئك صبّوا حقدهم على المغرب قبل وأثناء دورة نهائيات كأس إفريقيا لكرة القدم، بكل ما أوتوا من خيال، ومن ضمنه استعمال “الذكاء الاصطناعي” في بث عشرات “الفيديوهات” عن اكتساح وهمي لجماهير المتفرجين المغاربة للملاعب وهي تردّد شعارات المطالبة بإسقاط النظام الملكي… بينما كانت تلك الجماهير تغادر الملاعب، بعد كل مباراة، مشبعة بنشوة انتصار الفريق الوطني المغربي، وقد صدحت قبلاً، في انطلاق المباريات، بتشبّثها بالشعار الوطني: “الله، الوطن، الملك”.
أولئك ضاعت منهم، بعد المقابلة النهائية بين المغرب والسنيغال، فرصة “سانحة ومتاحة” ليتحقق لهم ما يوسوس به حقدهم: أي هيجان شعبي في ملعب الرباط وفي كل ساحات المدن المغربية. إقصاء الفريق الوطني المغربي كان يُفترض فيه، حسب أوهامهم، أن يحوّل الحسرة إلى غضب، والغضب إلى سخط، والسخط إلى تمرد… لكن تلك الفرصة ضاعت عليهم. الذين كانوا في الملعب غادروه بهدوء إلى منازلهم وحياتهم الاعتيادية، وكذلك فعل الذين كانوا في ساحات المشجعين وفي المقاهي في كل مدن المغرب وقراه. لم يكن أحد راضياً عن الإقصاء، والكل كان يصارع جموح الانفعال. حلم الفوز بالبطولة طار كحبّة زئبق بين نقطة الجزاء والمرمى، وترك في الدواخل غصّة… لكن المغاربة لا تهزمهم غصّة، فقد قُدّوا من طود وطني بقي عصياً على الأعاصير قروناً، لحّمت صخوره وأرسته على ثابت في العقل وضابط للانفعالات.
أمام أنظار ملياري مشاهد، قدّم المغاربة مشهداً من نضج سياسي صادر عن جذر حضاري مكين، حين تابعوا ردود فعل الجمهور السنيغالي وفريقه دون الردّ عليه أو مجاراته، وحين لجَموا غضبهم من نتيجة المقابلة ولم يُحمّلوه أوهام الحاقدين على وطنهم. كانوا، كما هم دائماً، في أعلى حالات النضج، ولم يبدّدوا نجاحات بلادهم في تنظيم “فرح إفريقي” بتنافس رياضي راقٍ وشيّق، في مجرد مباراة، مهما انتهت إليه من ملابسات مفتعلة ومقصودة.
الملك محمد السادس ثمّن ذلك النضج المغربي، كما نقل بلاغ الديوان الملكي، مؤكداً أن “الشعب المغربي لن يقبل بالانسياق وراء الضغينة والتفرقة”، ومبرزاً أن “المخططات المعادية لن تبلغ أبداً مرادها”. الملك، قائد البلاد، المتبصر والصاحي لنبضات شعبه، وجّه النظر إلى كيف يصدّ نضج الشعب دسائس معادية، والتي لم تكن الحملات التي رمت إلى التشويش على “العرس الإفريقي” إلا شوطاً من تاريخ طويل واستمرارية أشواط حاقدة على المغرب.
دسائس سعت إلى الاندساس في ثنايا العلاقات المغربية الإفريقية عبر منصة دورة كأس إفريقيا لكرة القدم، التي أحاطها المغرب بأدق الضروريات وتوابل الكماليات وبهارات المبْهِجات. منصة امتطاها “الحاقد” لينفث فيها ما تمنّى أن يسمّم نسيجها الأصيل، الواصل والفاعل. وبالمرّة، سعى ذلك الحاقد إلى الرفع من منسوب “غاراته” عبر إشاعات وحملات تغليط ضد التلاحم العميق والتفاعل الوثيق بين الشعب المغربي والمؤسسة الملكية، ذلك التلاحم الذي حقنه الملك محمد السادس بمشروعه الإصلاحي والتحديثي، الحامل لدفعات وشحنات من الحيوية والفاعلية.
في الحالتين، فشل التآمر ضد نجاح الاحتفاء المغربي بإفريقيا وضد التفاعل المغربي الإفريقي. فشل ويفشل الحقد في التسرب إلى صلابة ودفء وديمومة مغرب التلاحم بين الملك والشعب.
المغرب، أصلاً، فائز بانصرافه إلى حثّ الإنجاز في مساره الإصلاحي والتحديثي. كأس إفريقيا وبعدها المشاركة في احتضان نهائيات كأس العالم مجرد محفزات ومحطات وعناوين أشواط في المسار النوعي، العميق، الشامل والطويل لتجويد حياة المغاربة في مغربهم: مواجهة التحديات، تقويم الاعوجاجات، سدّ الخصاصات، الانتصار على كوابح التأخر، باستنهاض الطاقات، استنبات وتشييد روافع التنمية، وإطلاق الفعالية المواطنة بملاءمة الواجبات مع الحقوق.
الأوهام التي تُطلق ضد المغرب كسيحة، تعجزها أحلامه الفسيحة. انهماك المغرب في مواصلة مساره التنموي، بكل أبعاده، يصمّ مسامعه عن الضجيج المبثوث ضدّه.
محطة اجتماع اللجنة الوزارية المغربية-السنيغالية المشتركة في الرباط، بداية هذا الأسبوع، ردّ عملي على محاولات الإيقاع بين البلدين. العلاقات بينهما تواصل ديناميكيتها المرسومة والمقررة والمفتوحة، من أجل فوز تنموي مشترك.
وزراء المالية الأفارقة اجتمعوا في الرباط الأسبوع الماضي كما كان مقرراً. الفعالية الإفريقية للمغرب لا تتأثر بتوترات مباراة في ملعب كرة القدم. قبل ذلك، المنظمة الدولية للشرطة (الأنتربول) انتخبت المغرب نائباً للرئيس عن إفريقيا، وهو تقدير لمكانته وريادته الإفريقية وأهليته الأمنية.
تلك فقط أقرب الفعاليات والمؤشرات التي تلت ضجيج نهاية كأس إفريقيا المفتعل ضد “الفرح الإفريقي”. والمغرب لديه انشغالات نوعية تستدعيه لاستكمال إنجازاته الدبلوماسية والوطنية والتنموية، بما يلقّحه ضد ذلك الضجيج النافث سمّاً لا يغادر مطلقيه.
عضوية الملك محمد السادس في مجلس السلام الذي دعاه إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تضع المغرب في موقع ريادي دولي، في ظرفية دولية ساخنة ومضطربة، وتمكّنه من الحضور الفعلي في مخاض تحولات هذا العالم، لأنه يمتلك ما يفيد به وما يستفيد منه. المغرب أهّل نفسه، لعقود، بحكمة سياساته الخارجية ومقوماته الذاتية، لكي يكون فاعلاً دولياً في موقع التفاعل الدولي الذي لا مكان فيه للمجاملات، بل فقط للمميزات والقدرات.
ورش تنزيل قرار مجلس الأمن الخاص بنزاع الصحراء المغربية هو نفسه موضوع البحث كله من منطلق سلمي. والمغرب دلّل على مسعاه السلمي وإبداعه في اقتراح حل سلمي لقضيته الوطنية، تبنته الإرادة الدولية وحوّلته إلى مرجع لها وإلى قرار. وقد تلقت البوليساريو إشارة قوية من الإدارة الأميركية بأن المقترح المغربي للحكم الذاتي هو قاعدة الحل ومنتهاه. وقد أفصح وفد من البوليساريو عن خيبته من زيارة له مؤخراً لواشنطن، التقى فيها بموظفين من الخارجية والمخابرات الأمريكية، أعلموه بأن مفردات الحوار المقبولة للتداول في مفاوضات الحل هي تلك الواردة في القرار 2797، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الأفق الوحيد الممكن لحل النزاع. وفد البوليساريو كتب هذه النتيجة وغضب منها، وكان مقاله مليئاً بما يمكن أن يردده مهزوم عن نصر “لابد آت”… وهذا مؤشر على أن ورش تثبيت الحق الوطني الوحدوي المغربي يستدعي انكباباً مغربياً عليه، وهو مخفور بتصميم الإرادة الدولية على مرافقته، ويتطلب منه الاستعداد لسعار أعدائه وخصومه لما هم مقبلون عليه من إحباط ومن كساد في ترويج بضاعتهم.
الاستحقاقات الديمقراطية لصيف هذه السنة في المغرب فاصلة وواعدة في تغذية النظام السياسي المغربي بحقنات جديدة ونوعية. الاختيار الديمقراطي الاستراتيجي للمغرب يقاوم في ذاته، في محطات زمنية، عوامل الترهل ونزوعات الانزياح عن مساره المتصل بالمشروع التنموي. أهمية واتساع طموحات التقدم المغربية تملي الحاجة إلى بنيات ديمقراطية صلبة، منتجة لأدوات فعّالة، تنفيذية وتشريعية وتدبيرية، قادرة على رفع تلك الطموحات، وعلى إطلاق الحيوية الإنتاجية، المعنوية والمادية، للطاقات الشعبية. والمغرب انبرى لهذا الورش ولتحدياته، وذلك لا شك مزعج للمتربصين به والمتضايقين من نجاحاته. وهو متفرغ لما ينفعه، حتى وهو مستعد لصون اختياراته وإنجازاته ومصالحه.
المغرب لا يضعف من عزمه ضجيج الحاقدين. قوته أنه يتحرك في الاتجاه الصحيح للتاريخ، وماضٍ فيه بقوة تلاحم كل قواه، بمؤسسته الملكية وبفعاليات شعبه.
* نشر يصحيفة العرب اللندنية
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير