زلزال المغرب.. رسائل حضارية إنسانية تستحق التوقف!!

خديجة وريد
سلايد شوسياسة
خديجة وريد14 سبتمبر 2023آخر تحديث : منذ ثانية واحدة
زلزال المغرب.. رسائل حضارية إنسانية تستحق التوقف!!

بقلم: هيثم شلبي

مرة بعد مرة، يثبت الشعب المغربي وقواه الحية أنه يعيش لحظة “صعود حضاري”، وليس مجرد “إشراقات” هنا وهناك. فمن ملحمة المونديال التي تجاوزت إطارها الرياضي بكثير، وكرست قيما أعطتها بصمة مغربية واضحة، “كالنية” و “رضى الوالدة” و “النفس” وغيرها، وهي قيم لا تتجزأ عن الثقافة الإسلامية بمكونيها العربي والأمازيغي، جاءت مأساة الزلزال لتعطي التجسيد المغربي لقيم التضامن الإنساني والإسلامي والحضاري بين أبناء الوطن الواحد، دون فلسفة او مزايدات. وكما عبر عن ذلك بإبداع، شاعر العربية “المتنبي”: على قدر أهل العزم تأتي العزائم، جاء المشهد التضامني المغربي مبهرا لباقي شعوب الأرض، بما فيها الشعوب العربية والإسلامية التي تختزن ذاكرتها الجماعية مثل هذه القيم.

لقد شكل عظم تحدي الزلزال، الأكبر في المغرب منذ قرن ونيّف، إلى تحفيز مخزون العطاء المغربي ليكون على نفس الدرجة من القوة والإبهار، فكان المشهد الذي تناقلته صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي المغربية والعربية والدولية، بمختلف لغات الأرض، لتعطي العالم صورة أخرى عن “معدن” هذا المغربي الفريد، وتسهم في تكريس فرادة هذا النموذج، بعد تجربة مونديال قطر. ومما زاد من عظمة هذا الجهد التضامني، أنه كان بمبادرات شعبية فردية وجماعية، دون أدنى تدخل أو توجيه من الحكومة، بل حركهم -كالعادة- إحساس عال بالمواطنة، ومعرفة عميقة بما ينتظره وطنهم منهم.

فخلال ساعات، تم إفراغ المتاجر الكبرى من المواد الغذائية، وتم تخصيص معظم وسائل النقل الثقيل بالمملكة، وتطوع آلاف الشباب في تنظيم وتحميل وتوزيع ما قام ملايين المغاربة، في مختلف المدن المغربية، بالتبرع به للتخفيف عن أشقائهم في المناطق المتضررة من الزلزال، كل ذلك قبل أن تشرع الحكومة في تمويل صندوقها الخاص بمعالجة تداعيات الزلزال، أو وصول أولى طائرات الإغاثة الصديقة، وهو أمر لم يشهد له العالم مثيلا في كوارث مماثلة من اليابان وحتى الولايات المتحدة.

لقد شكل المشهد التضامني الشعبي دليلا لا تخطئه العين على أن الحضارة المغربية في صعود، وكرّس طموح السلطات المغربية في احتلال موقع “الفاعل الإقليمي والدولي” بالأعمال وليس مجرد الأقوال، وعضّد القرار السيادي المغربي بعدم تلقي المساعدات الخارجية إلا من قلة قليلة من الأصدقاء، مع التركيز على رفضها من الدول التي لا تكتسي العلاقات معها طابعا وديا بسبب مواقفها من الوحدة الترابية للملكة، كفرنسا والجزائر تحديدا، وحرمانها بالتالي من تسجيل “نقطة” على المغرب في سجالها معه، أو أن تكون لها يد بيضاء عليه.

وكما حصل في المساعدات الإغاثية، شكل الزلزال فرصة لتسجيل سابقة أخرى، تتمثل في امتلاء مخزون “بنك الدم” المغربي، بعد أن تداعى الآلاف للتبرع بالدم منذ الساعات الأولى للزلزال، إلى الحد الذي جعل الإدارة المسؤولة عن هذا المخزون تناشد المغاربة بالتوقف عن هذا التبرع في أفق تنظيمه وتقنينه، وهو ما لا تتصور دولة منكوبة بكارثة كالزلزال أن تصل إليه؛ لكنهم المغاربة، يصرون على تشكيل الاستثناء في كل ما يقومون به.

دروس ورسائل الزلزال لم تتوقف عند المثالين المذكورين، بل تجاوزتها للمساهمة الفعلية للشباب المغربي في رفع الأنقاض، إيواء المشردين، رعاية الأطفال، الحملات الإلكترونية لتنظيم الدعم، وغيرها الكثير من المبادرات والأفكار، الأمر الذي ساعد الحكومة في الاضطلاع بمهامها بأريحية، داخليا وخارجيا، وجعلها أقوى في مواجهة الكارثة.

ختاما، فقد شكلت مأساة الزلزال وعظمة الاستجابة الشعبية لها، فرصة أخرى لتقوية العلاقة بين العرش والشعب، وتكريس ما تحظى به المؤسسة الملكية، وعاهلها الملك محمد السادس من محبة حقيقية، وهو الأمر الذي تفتقده -وتحسد المغرب عليه- الغالبية الساحقة للأنظمة العربية والإسلامية!! لقد شكل تفاعل الملك محمد السادس مع الفاجعة منذ لحظاتها الأولى، وتوجيهاته للعمل الحكومي لتدبيرها، وتحديده للجهات المرحب بمساعدتها -حتى لو لم تكن هناك حاجة حقيقية لمثل هذه المساعدات-، وأمره بإنشاء صندوق إعادة إعمار المناطق المتضررة، بل وتبرعه الشخصي بالدم، وزياراته الميدانية للمصابين، كلها لفتات ملكية حظيت بمتابعة وتقدير المغاربة، وبثت فيهم روح الحماس لمواجهة تداعيات الكارثة، فتحرك الناس ومليكهم وحكومتهم كجسم واحد، مما أهلهم لإعطاء الأمثلة المبهرة لما يجب أن تكون عليه الاستجابة للكوارث الطبيعية. وهكذا، يثبت المغاربة مرة بعد أخرى، أنهم شعب حي، سليل حضارة ممتدة عبر قرون طويلة، وتختزن جيناتهم مقومات الصعود الحضاري بعد كل كبوة، بشكل يجعل هذه المملكة مؤهلة لأرقى المراتب بين الأمم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق