الأمن المغاربي وغياب الهوية

ليس الجمهوريون الأميركيون من كانوا أسخياء في منح بعض دول الشمال الأفريقي صفة حليف من خارج الناتو. فالرئيس الديموقراطي باراك أوباما يميل إلى هذه الوصفة في تأمين التجربة التونسية من مخاطر التهديدات الأمنية والإرهابية، ويلتقي هذا الهاجس في بعده الإقليمي مع أكثر من مبادرة، مناورات مشتركة مع المغرب وحوار سياسي وعسكري مع الجزائر، وترقب أكبر إزاء ما يتفاعل في ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي.
سابقاً حال الوضع الذي كانت تجتازه ليبيا في عهد العقيد معمر القذافي دون بلورة سياسة أميركية متكاملة في الفضاء المغاربي. وأكثر المبادرات انفتاحاً رهنت شراكات واشنطن مع كل من المغرب والجزائر وتونس. لكن ليبيا التي استثنيت من المنظور الأميركي للشمال الأفريقي، أضحت اليوم تفرض نفسها كمركز تهديدات واضطرابات، إذ يصعب تحقيق أي نوع من الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، من دون احتواء وحل الأزمة الليبية ذات التداعيات المضاعفة.
لم تعرف العلاقات الأميركية – المغاربية وصفاً مماثلاً، كما هي حال الطريق المعبدة التي آلت إلى بسط نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي أميركي، لا تزاحمه إلا رغبات بعض أطراف الاتحاد الأوروبي، خاصة فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، في استمرار مراكز نفوذها التقليدي، ذي الخلفية الثقافية والتاريخية، من غير أن يرتقي إلى درجة الصراع المفتوح. فقد مهد انهيار الحرب الباردة منذ ربع قرن إلى نتائج استراتيجية كهذه، وساعدت موجة الإرهاب والانفلات الأمني في تكوين خلاصات إزاء أسبقيات المرحلة التي لم تعد تخضع لغير المعايير الأمنية المؤثرة.
السؤال: ماذا يفيد أن يصبح لبعض الدول المغاربية أكثر من وضع متقدم في تحالف الناتو، إن كانت علاقاتها مع بعضها يعتريها الفتور والقطيعة. وإذا كان الأمر يتعلق بترتيبات استراتيجية بعيدة المدى، لا تنفصل عن جوهر مواجهة التحديات الأمنية والتهديدات الإرهابية، فلا أقل من أن يتحول هذا الانتساب الذي يقارب العضوية إلى تنسيق شامل بين العواصم المعنية، فلا يقتصر الموضوع على المنظور الأميركي الذي ينطلق من مصالح الدولة الراعية الكبرى إلى بلورة معالم مشاورات تتبنى الدفاع عن مصالح الدول المغاربية بنفس الأهمية والإصرار والأبعاد.
لم يعد في الإمكان الاطمئنان إلى سياسة المحاور التي سادت فترة طويلة، ولئن كانت هناك تباينات في بعض المواقف بين الأوروبيين والأميركيين حيال بسط مجالات النفوذ الاستراتيجي، فإنها ستنصب دائماً في خانة الأقوياء، عدا أنها تتم في مساحات بعيدة عن الأراضي الأوروبية أو الأميركية. ما يفرض على العواصم المغاربية استبدال نظرتها إلى التحالفات القائمة والمحتملة. وأقربها أن يصبح التحالف بهوية مغاربية سابقاً عن أي حساسيات أخرى. طالما أنها في تحديد المخاطر الإرهابية تتحدث بصوت واحد وتشير بالأصابع والأيدي إلى الأعداء المشتركين، أي الإرهاب وغياب الاستقرار وتعثر جهود التنمية والبناء الديموقراطي. لكنها لا تصوب سهامها في اتجاه واحد، بل تنحو في كثير من الأحيان نحو الوجهة الخاطئة.
لا تسمو السياسات إلا بقدر ارتباطها بالدفاع عن قيم الانفتاح والتآخي. وبالقدر الذي يسمح فيه انضمام عواصم مغاربية إلى منتديات حلف الناتو، كما الشراكات مع الاتحاد الأوروبي، والوفاء بالتزامات التضامن العربي بامتلاك مقومات دفاعية، يصبح تأويل هذه التطورات حافزاً أمام الإقدام على مبادرات لناحية تنقية الأجواء ورأب الصدع. ذلك أن حلف الناتو مثلاً لن يخوض حرباً ضد دولة مغاربية من أجل أخرى. فالأمر يفوق منطق تغليب مصالح دولة مغاربية على حساب أخرى. ومنذ زمان بشر الأوروبيون والأميركيون أنه ليسوا في وارد الإخلال بالتوازنات القائمة.
باتت القرية الكونية تفرض تعايشاً بين الأجناس والأعراق والألوان والمعتقدات، فبالأحرى بالنسبة لدول وشعوب تلتقي عند وحدة العقيدة والمذهب والتاريخ والبيئة الثقافية والاجتماعية والمصير المشترك. من حق التونسيين أن يبحثوا في وسائل تأمين بلادهم من المخاطر المحدقة، خصوصاً تلك القادمة من الجوار الليبي، ومن حق الجزائريين أن يؤمنوا ثوابت الاستقرار والاستمرار وفق النهج الذي يرتضونه، كما من حق المغاربة أن يدافعوا عن وحدة بلادهم واستقرارها وتقدمها. لكن الغائب في كل هذه المعادلات يكمن في تبديد الكثير من الفرص والافتقاد إلى رؤية موحدة. إن لم تبدد كل الخلافات، فأقله أن توجه المجهود الدفاعي والأمني في اتجاه واحد.

*كاتب صحفي

اقرأ أيضا

التشكيلة الأساسية للمنتخب المغربي في مباراته الودية أمام النرويج

يواجه المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، بعد قليل من يومه الأحد 7 يونيو 2026، منتخب النرويج في آخر مباراة ودية للعناصر الوطنية ضمن استعدادات كأس العالم 2026.

بعراقة تراثه وتنوع مطبخه.. المغرب يتألق في مهرجان نيروبي الثقافي الدولي

افتتح أمس السبت، مهرجان نيروبي الثقافي الدولي، الحدث السنوي الهام الذي يعنى بإبراز التنوع الثقافي وتعزيز الحوار بين الشعوب والحضارات، بمشاركة مغربية وازنة تمثلت في عرض ثري يجمع بين غنى وعراقة تراث المملكة الثقافي وصناعتها التقليدية المتميزة ومطبخها الباهر.

اختتام فعاليات مهرجان مراكش للكوميديا في أجواء احتفالية

اختتمت مساء أمس السبت، فعاليات الدورة الأولى لمهرجان مراكش للكوميديا بحفل فرنكفوني نشطه الفكاهي الفرنسي مالك بن طلحة، وتميز بالارتجال وتنوع الأساليب الكوميدية والتفاعل اللافت للجمهور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *