الرئيسية / وجهات نظر / لا تستكينوا لإخفاقات الثورات العربية
e708039e01de95e712f809849cd2cc0b

لا تستكينوا لإخفاقات الثورات العربية

الحراك العربي، الربيع العربي، الثورات العربية، الفوضى العربية، الفتنة العربية، الزلزال العربي، سيختلف الناس حول المصطلح، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكنهم بالتأكيد سيتفقون على أن الدول التي مر بها «الحراك العربي»، وهو المصطلح الأكثر دقة وتوازنا في توصيف ما يحدث على الساحة العربية، مرت وتمر بمخاض عسر قد يؤدي في بعض حالاته إما إلى مرض مزمن خطير «دولة فاشلة» أو إلى موت سريري «فوضى» وفتنة لا تبقي ولا تذر.
في تقديري أن لردة فعل الشعب الجزائري «الباردة» تجاه انتخاب رئيسه للمرة الرابعة وعدم «انتفاضته» بالاعتصامات والمظاهرات، علاقة بتردي هذا «الحراك العربي» وفوضويته وتخبطاته، واضح أن الشعب الجزائري قد التقط رسالة «الربيع العربي» وتخبطاته في دول الثورات العربية فرفع شعار «ليس في الإمكان أحسن مما كان»، بدل من انزلاق البلاد للفوضى. عين الجزائريين دوما على الجوار الليبي، فبعد أن كان الديكتاتور القذافي يسيطر على كل شبر من ليبيا أمست البلاد وآبار النفط والموانئ والبلدات تحت سيطرة الميليشيات المتنافسة أو المتناحرة، ووزير الأمن أكثر الناس خوفا على نفسه ورئيس الوزراء تختطفه ميليشيا وتفاوض خاطفيه ميليشيا وتتسلمه ميليشيا.
وفي مصر وبعد ثورة يناير (كانون الثاني)، جرب الشعب وصفتين لعلاج أمراض بلاده: الوصفة الأولى حكومة «إسلامية» الهوى ومتجذرة آيديولوجيا، فجاءت سنتهم اليتيمة فترة غير مستقرة. ثم جاءت حكومة فرضتها شعبية كبيرة كارهة لحكم الإخوان أو غير واثقة بهم، ومرت مصر وما زالت بفترة حرجة وقلقة تراجع فيها الاقتصاد وازدهر فيها الإرهاب.
وتبقى سوريا بدمارها الهائل وعذابات شعبها في الداخل والخارج التجربة الأشنع والأفظع والأخطر في تقييم «الحراك العربي»، وهي التي ساهمت في جعل شريحة كبيرة من الشعوب العربية تتنبه أكثر لخطورة علاج التخلف والاستبداد والفساد واحتكار السلطات بالثورات، وهذا أمر عقلاني وإيجابي لكن بشرط ألا تفهم الحكومات العربية أن بواعثه رضا بالواقع بعلاته وفساده ومشكلاته دون محاولات جادة لإصلاحه وتطويره.
لقد وجه ترنح الثورات العربية والخوف الشديد الذي انتاب شريحة كبيرة من الشعوب العربية، التي سلمت من زلزال الثورات رسالة خاطئة وخطيرة لعدد من المسؤولين العرب جعلهم يظنون أنهم بمنأى عن ارتداداته وآثاره المدمرة فتباطأت حركة الإصلاح والتحديث ومحاربة الفساد وتدوير السلطات والالتفات للشباب، الذين هم وقود الثورات والاضطرابات، الأمثلة كثيرة في العالم العربي، والحكمة القديمة تقول «العاقل من اتعظ بغيره». إن ما حصل ويحصل يذكرنا بالأيام الأخيرة لحسني مبارك حين فاز حزبه بالأغلبية الساحقة في انتخابات مجلس الشعب فكانت مسمار النعش الذي أدخل مصر في دوامة، فالجرة تسقط كثيرا وتسلم، لكن «ما كل مرة تسلم الجرة» وكل جرة.
“الشرق الاوسط”