الرئيسية / وجهات نظر / تداعيات اختطاف الديبلوماسيين التونسيين في ليبيا
394a28e6b254d86b3df80e0b5bee6af8

تداعيات اختطاف الديبلوماسيين التونسيين في ليبيا

تعيش تونس هذه الأيام في حالة من القلق من جراء المصير المجهول للدبلوماسيين التونسيين اللذين تما اختطافهما في ليبيا مؤخراً، وهما: العروسي القنطاسي، ومحمد بالشيخ. وكانت مجموعة ليبية تطلق على نفسها ” كتيبة الشباب التوحيدي ” وراء اختطاف الدبلوماسيين التونسيين، وهي كتيبة خطيرة حسب رأي المحللين الملمين بالشأن الليبي، تضم عديد الجنسيات ولها فروع في كل من ليبيا وتونس ومصر ولبنان، وعديد البلدان العربية،وهي متفرعة من تنظيم ” أنصار الشريعة” المتشدد المرتبط بتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي “. فقامت بخطف السفير الأردني في ليبيا فواز العيطان، في 15 أبريل الجاري في العاصمة الليبية طرابلس.وأعلنت الخارجية التونسية بعد ذلك بيومين اختطاف أحد دبلوماسييها العاملين في السفارة التونسية في العاصمة الليبية.
الاعتقاد السائد في تونس،أن كتيبة “درعة” هي من تقف وراء عملية الاختطاف للدبلوماسيين التونسيين، لاسيَّما أنها كانت سبباً في غلق المعبر الحدودي لراس جدير بين تونس وليبيا،وهي تنفذ عملية الاختطاف بهدف الحصول على مبالغ مالية ضخمة، وعمليات ابتزاز، إذ غنمت من عمليات اختطاف سابقة حوالي 2 مليون دينار ليبي.وحول طلبات الكتيبة التي شاركت في عملية الاختطاف، فإنها تطالب السلطات التونسية، بإطلاق سراح السجينين الليبيين المتورطين في عملية الروحية الإرهابية بتونس،وهما: حافظ الضبع المكنى بأبو أيوب، وعماد اللواش المكنى الملق بأبو جعفر الليبي،إلى جانب المطالبة ببعض الليبيين من الإرهابيين الذين نشطوا بجبل الشعانبي، وأسهموا في بعض العمليات الإرهابية، وهو حاليا قيد السجون التونسية.ولا تستبعد السلطات التونسية أن يكون وراء عملية اختطاف الدبلوماسيين التونسيين الإرهابي التونسي رقم واحد أبوعياض زعيم تنظيم ” أنصار الشريعة” التونسي المصنف منذ شهر أغسطس 2013، تنظيما إرهابياً.
لا شك أن ليبيا تمر بمرحلة انتقالية صعبة، بعد أن ورثت مؤسسات دولة ضعيفة وفي ظل غياب الأحزاب السياسية،ومنظمات المجتمع المدني، وفشل المجلس الوطني الانتقالي، والحكومة الليبية الحالية في كبح جماح الميليشيات المنتشرة في كامل التراب الليبي، والتي تمارس عمليات النهب المنظمة لثروة الشعب الليبي من نفط وغيره، واختطاف الدبلوماسيين العرب، وهذا ما جعل الشعب الليبي يعيش مع تركة قاسية جداً.
وتُعدّ الميليشيات الخارجة عن القانون التحدي الأكبر في ليبيا ما بعد القذافي، لاسيَّما بعد أن عجز المجلس الوطني الانتقالي والحكومة الليبية عن إعادة دمج المقاتلين المسلّحين في صفوف الجيش الليبي، إذ كانت نتائج هذا التوجه محدودة للغاية،وواجه صعوبات كثيرة. ففي ظل فشل الحكومة في احتواء الميليشيات، تتجه ليبيا نحو الحرب الأهلية، لاسيَّما أن زعماء الميليشيات رفضوا تسليم أسلحتهم من منطلق أنهم لا يثقون في القادة الجدد، وفيما يمكنهم تحقيقه من مكتسبات في حال تجردوا من أسلحتهم.
وتريد الميليشيات المسلحة أن تمارس شريعة الغاب في ليبيا،لاسيَّما إزاء 8 آلاف معتقل من أنصار العقيد القذافي،معلن عنهم يتوزعون في 60 مركز اعتقال في أنحاء البلاد. وترفض هذه الميليشيات تطبيق القانون على هؤلاء المعتقلين، بل لأنها لا تؤمن بأي شكل من أشكال العدالة الانتقالية، التي يجب أن تضطلع بها الحكومة الليبية.فهذه الميليشيات التي تريد المحافظة على فوضى السلاح، تريد تطبيق استراتيجيتها في الهجمات الانتقامية والثأرية، بدلاً من سياسة تضميد الجراح الناجمة عن الصراع تمهيدا للمصالحة الوطنية، باعتبارها أولى المهام المترتبة على المجلس الوطني الانتقالي، والحكومة الليبية.
ويتخوف المجتمع التونسي، ومعه المجتمعات المغاربية، وكذلك المجتمع الدولي من الوضع الأمني الداخلي في ليبيا الذي تهيمن فيه الميليشيات القبلية والإسلامية، بل يذهب خوفه الأكبر إلى الأسلحة والمتفجرات المنتشرة على الأراضي الليبية والتي يتم تهريبها إلى تونس،والجزائر،عبر دول الجوار من تشاد إلى مالي والنيجر ونيجيريا وغيرها.والمشكلة الحالية التي باتت تقلق الشعب التونسي، تكمن في إمكانية وصول الأسلحة المهرّبة من ليبيا إلى مجموعات إرهابية مثل تنظيم “أنصار الشريعة” الذي يقوده أبو عياض التونسي،المرتبط عضويا بتنظيم “القاعدة والمغرب الإسلامي” و”بوكو حرام”النيجيرية، وغيرها من التنظيمات الإجرامية.
وكان من تبعات كشف وزارة الداخلية التونسية هوية من قام باغتيال الشهيد محمد البراهمي وقبله الشهيد شكري بلعيد أن تم اعتبار “أنصار الشريعة” تنظيما إرهابيا، ما يتيح اعتقال عناصره وسجنهم.لكن “أنصار الشريعة” بدا عند تاريخ حظره وكأنه قد استبق أي إجراءات ضده يمكن أن تتخذها حكومة على العرض الفاشلة في محاربة الإرهاب،وانتقل إلى العمل السري. وعلى رغم أن هذا العمل كان يتم عبر خلايا تنشط داخل تونس نفسها، إلا أن جزءاً منه كان لا بد أن يتم خارج تونس وتحديداً في ليبيا، حيث يقيم زعيمه أبوعياض في حماية تنظيم “أنصار الشريعة “الليبي. فقد أتاحت الفوضى التي عمّت هذا البلد بعد سقوط القذافي لأي جماعة أن تنشط كما تريد من دون أن يكون هناك من يردعها. وكان الإسلاميون المتشددون بالطبع من بين الذين استفادوا من سقوط القذافي، فأنشأوا معسكرات تدريب في عدد من المناطق لإنشاء جيل جديد من الإرهابيين المحترفين. وكان فرع القاعدة المغاربي هو المستفيد الأول من هؤلاء “الجهاديين” الذين يتخرجون من المعسكرات الليبية ويلتحقون بصفوفه، للقيام بعمليات إرهابية في داخل تونس، والجزائر ومالي، وغيرها من البلدان العربية والإفريقية.
في عهد الميليشيات المسلحة تحولت ليبيا إلى بؤرة للإرهاب تهدد شمال إفريقيا كله، من تونس إلى المغرب مرورا بالجزائر وموريتانيا، ويتحمل الغرب المسؤولية التاريخية عن واقع ليبيا الحالي. إن ليبيا في ظل الحكومة العاجزة، التي لا تحكم حتى في العاصمة طرابلس، أصبحت برميل البارود الذي يهدد بالانفجار في أي وقت، لأن الميليشيات المسلحة ترفض الانصياع لمنطق الدولة،وتريد إعادة تقسيم السلطة بين الميليشيات المسلحة، الأمر الذي يجعل ليبيا مهددة بالتقسيم إلى دولتين أو ثلاث دول، لاسيَّما أن بعض القبائل بدأت ترسم حدود هذه الدويلات.
ويرى مراقبون أنّ الأحداث الأمنية المتسارعة في ليبيا، خاصة منها الاعتداءات المتكرّرة على السفارات الأجنبية، واختطاف الدبلوماسيين، وتعطيل نشاط آبار النفط وعمليات الشحن، جعلت الدول الغربية والعربية المعنية مباشرة بتطوّر الأوضاع الأمنية في ليبيا، تفكر في القيام بعملية عسكرية في ليبيا لتطهيرها من سيطرة الميليشيات المسلحة.وبحسب المعلومات الاستخباراتية الواردة من الدول الغربية، فإن هذه الأخيرة انتهت من وضع اللمسات الأخيرة للقيام بعملية عسكرية داخل الأراضي الليبية، اختير لها اسم «أزهار الربيع»، ضد الكتائب الليبية المتشددة التي كثفت من عمليات اختطاف الدبلوماسيين.
وقال دبلوماسي غربي لصحيفة «العرب» اللندنية إن تنفيذ هذه العملية، التي ستكون محدودة في المكان والزمان، أصبح وشيكا بالنظر إلى التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها ليبيا هذه الأيام، خاصة منها الاعتداءات على البعثات الدبلوماسية والقنصلية، واستهداف حقول النفط، بالإضافة إلى تزايد نفوذ تنظيم “القاعدة” في أجزاء متفرّقة من البلاد.ولم يُوضح المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، عدد الدول التي ستشارك في هذه العملية العسكرية المرتقبة، ولكنه أشار في المقابل إلى أنها ستنطلق من 3 محاور هي غرب ليبيا وشرقها، بالإضافة إلى البحر، حيث ستُستخدم فيها الطائرات والقنابل الذكية، وعمليات كومندوس برّية محدودة.
وبحسب هذا الدبلوماسي، الذي أكد أنه اطّلع على جزء من هذه الخطة متعلق ببعض المسائل اللوجستية، خاصة منها تأمين انتقال دبلوماسيي ورعايا الدول الغربية المعنية بهذه العملية المقيمين في ليبيا حين تحديد ساعة الصفر، فإنّ شركات نفطية كبرى ضغطت باتجاه توجيه مثل هذه الضربة العسكرية المرتقبة.وأضاف أنّ تلك الشركات النفطية أبدت استعدادها لتمويل نفقات هذه العملية العسكرية بعد أن تضرّرت مصالحها في ليبيا بشكل لافت بسبب التهديدات المتزايدة للميليشيات وفوضى السلاح التي كبّدتها خسائر مالية فادحة.وتوقع ألّا تُثير هذه العملية العسكرية المرتقبة جدلا سياسيا على المستوى الإقليمي والدولي، باعتبار أنّ ليبيا مازالت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح باستعمال القوة. كما أن اختيار اسمها أي “أزهار الربيع” المقصود منه الإيحاء بأنّ الدول المعنية بها مازالت تدعم “الربيع العربي” وتريد إنجاحه في ليبيا.
“الشرق” القطرية