الرئيسية / وجهات نظر / خطة تسوية في الصحراء
b9cabb3d8533c1d7e4cfeb16158613fa

خطة تسوية في الصحراء

منذ عشر سنوات على الأقل استبق الوسيط الدولي في نزاع الصحراء جيمس بيكر فكرة انسحاب الأمم المتحدة من التعاطي مع الملف، وهدد بأن أقرب الخيارات المطروحة في حال استمرار خلافات الأطراف المعنية سيكون سحب بعثة «المينورسو» والعودة بالنزاع إلى نقطة الصفر.
حدث ذلك يوم كانت الخلافات تطاول معايير تحديد هوية الأشخاص المتحدرين من أصول صحراوية المؤهلين للاقتراع، ولا تشمل الإطار القانوني والسياسي لخطة التسوية، فقد تمكنت الأمم المتحدة في عهد الأمين العام بيريز ديكويار من إقرار تسوية مقبولة من حيث الشكل. ساعد في ذلك أن العلاقة بين المغرب والجزائر لم تكن متوترة، فيما كان وقف الحرب هدفاً محورياً، بعد انهيار رهان الاختراق العسكري، على خلفية بناء القوات المغربية الجدار الأمني الذي يعيق أي تسلل. لكن حرب العصابات انتهت ولم يأت السلام الموعود بعد سكوت المدافع.
بيكر دافع عن خيارات، من بينها الحكم الذاتي أو الاستفتاء أو انسحاب الأمم المتحدة أو تقسيم الإقليم. واضطر في نهاية المطاف إلى الاستقالة، لأن خبرته الدولية في إدارة النزاعات اصطدمت بجدار السقف العالي، الذي ما أن كان يدنو قليلاً ليصبح في متناول اليد حتى يتبدد مثل انزلاق رمال الصحراء المتموجة. وعلى رغم أن الأمم المتحدة كادت تبقي على خيار واحد تحت يافطة المفاوضات، فإن مرجعيته لا تستقر على حال، تصف قرارات مجلس الأمن خطة الحكم الذاتي أنها «جدية وذات صدقية» ثم ما تلبث أن تعرض ضرورة قيام وفاق ينطلق من اتفاق الأطراف كافة. ولا يعني ميلها في العامين الأخيرين إلى الربط بين إحراز التقدم على المسار السياسي وتكريس احترام حقوق الإنسان، سوى أنها ما زالت بصدد البحث في معاودة بناء ثقة مفقودة بين الأطراف كافة.
إنها تدرك جيداً أن قضية الصحراء ليست حقوقية، وإنه مهما أحرز من تقدم في البعد الحقوقي، فإن بقاء أعداد من السكان المعنيين خارج المحافظات الصحراوية، وتحديداً في مخيمات تيندوف، يؤشر إلى استمرار المشكل، وما من حق يكتمل خارج تكريس مبدأ المواطنة في إطار الدولة الموحدة. ذلك أن حقوق الإنسان تتوج مسار التسوية، لكنها لا تختزل كل جوانبها. قد تسمح لمئة أو بضع مئات من النشطاء بحرية التظاهر، في حال كان سلمياً، لكنها لا تسعف عشرات الآلاف من اللاجئين في العودة الطوعية إلى ديارهم. وحتى على افتراض أن حجم الغاضبين المتذمرين في مخيمات تيندوف والمحافظات الصحراوية يكون متساوياً، فإنه لا يقود إلى الحل ولا يزيد عن ترسيخ عمق المشكل.
أي نزاع يخضع لمقاربات يفترض أن تكون على قياسه، فالنزاعات القانونية لها مسلكها، والسياسية كذلك. والأصل في مشكل الصحراء أنه تدرج من نزاع قانوني بين المغرب وإسبانيا إلى قضية جيوسياسية، تأثرت إلى حد كبير بتداعيات الحرب الباردة، لكن الصراع الدولي انهار وبقيت تأثيراته تلقي بظلالها على خلافات بلدان الشمال الأفريقي، وتحديداً المغرب والجزائر. ثبت أن في غياب حل إقليمي يعاود بناء الانفراج، لا يمكن ملف الصحراء أن يتقدم، ولا يمكن اختزاله اليوم في الجرعات الغائبة لقيم حقوق الإنسان، طالما أن هناك لاجئين وأجندة تغذي فترات إدارة الصراع.
الموفد الدولي كريستوفر روس تسلم ملف مفاوضات عالقة منذ سنوات، وأقصى ما يطمح إليه أن يعيد الأطراف المعنية إلى طاولة المفاوضات التي توقفت عند اللحظة الحرجة. وبينما ترى الرباط أن الجولات القادمة لا يمكن أن تبدأ من الصفر، ويجب أن تضع في الاعتبار الخلاصات التي توصلت إليها الجولات الأولى عندما أقر الوسيط الدولي بيتر فان فالسوم أن استقلال الإقليم «ليس حلاًّ»، تصر جبهة «بوليساريو» التي تدعمها الجزائر صراحة وعلناً، بأن مرجعيتها يجب أن تكون خطة الاستفتاء التي تعتبرها الرباط متجاوزة، وتستدل على ذلك بأن قرارات مجلس الأمن تتحدث عن «الحل السياسي» وليس الاستفتاء.
منطق روس يروم تفكيك الصعوبات، وأقر بها أن تبدأ المفاوضات ثنائياً بين المغرب وبوليساريو، ثم ينضم إليها الطرفان الآخران الجزائر وموريتانيا، على أساس أن اتفاقهما يعزز هذا المسار. غير أن مفاوضات بهذا المستوى لا بد لها من مرجعية وفاقية، أقلها الاتفاق على صيغة محددة بسقف تنازلات مشتركة. وإذا استبعدنا خيار التقسيم الذي ترفضه الأطراف كافة منذ عرضه الوسيط بيكر، يبقى على الطاولة ثلاثة خيارات، وأبعدها قرار انسحاب بعثة «المينورسو». لأن ذلك يفتح المنطقة أمام المجهول.
في جعبة روس ما يكفي من الأوراق، وحين يعود إلى المنطقة، سيكون في ذهنه أن فترة العام كافية لامتزاج النيات والقدرات. والأكيد أن بان كي مون يعرف جيداً ما يقول حين يعلن أن العام القادم يجب أن يعرف بداية تحول حقيقي في التعاطي مع الملف. ولا يبدو في غضون ذلك أن اختزال أزمة الصحراء بين ثنايا حقوقية علاج نهائي، فهو أقرب إلى مسكنات تهدئة المشاعر والأوضاع، فيما المشكل قائم على مستويات أكبر، وفي جغرافية المنطقة أن لكل الدول المغاربية صحاريها، ومن الإجحاف أن يتوقف هذا الامتداد الطبيعي والتاريخي عند نقطة محددة.
“الحياة” اللندنية