الرئيسية / وجهات نظر / قمة الكويت تهيئ لـ «الربيع العربي» الثاني
461510d20e2dc56b9cb56e9d1e4b11ea

قمة الكويت تهيئ لـ «الربيع العربي» الثاني

يوم الأربعاء الماضي، أنهت القمة العربية الخامسة والعشرون أعمالها في الكويت بإصدار بيان مشترك تضمن خلاصة التوصيات والمقترحات التي تقدم بها 14 رئيساً، تناوبوا على تحديد مواقفهم وإعلان خلافاتهم.
وقد اشترك معهم في النقاش، داخل قاعة قصر «بيان»، المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي، وأمين عام الجامعة العربية نبيل العربي، ورئيس الائتلاف السوري المعارض أحمد الجربا.
خلاصة الخطب التي شكلت خليطاً من الآراء المتباينة، عكست إلى حد بعيد الوضع الصحيح لشتى أنواع المواجهات. ولكن أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بالتعاون مع أمين عام الجامعة نبيل العربي، قرر إنشاء لجنة خاصة لمواصلة التحرك بهدف تطويق الخلافات قبل أن يتسع حجمها السياسي والأمني، خصوصاً أن الفوارق بين الرؤساء أظهرت الحاجة إلى رأب التصدع قبل اتساع الانقسامات الخاضعة لقرار المرجعيات الطائفية المسلحة، أو تلك الخاضعة لعقليات دينية أو عقائدية مغلقة مثل «البعث» في سورية… و «القاعدة» في العراق… و «الإخوان المسلمين» في مصر، وكل بيئة مهيأة لاحتضان المهمّشين والجهلة والعاطلين من العمل.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر القمة العربية أن اللجنة ستباشر نشاطها بتبديد غيوم الخلاف التي نجمت عن قرار المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين سحب سفرائها من قطر.
ووفقاً للتفسير الذي أعطته الدول الخليجية الثلاث، فإن اتهامها يشير إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كونه رفض التقيّد ببنود اتفاق الرياض المبرم في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013.
ويبدو أن رفضه قوبل بالانتقاد لأنه وقّع الاتفاق بحضور أمير الكويت الشيخ صباح، مع تأييد من قادة دول مجلس التعاون الخليجي الست.
ويدعو الاتفاق إلى الالتزام بالمبادئ التي تكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون في شكل مباشر أو غير مباشر.
وتنص بنود الاتفاق أيضاً، على معارضة كل مَنْ يعمل على تهديد أمن دول مجلس التعاون واستقرارها، سواء من طريق العمل الأمني المباشر أو من طريق محاولة التأثير السياسي بواسطة الإعلام المعادي.
وبسبب الشكوى التي رفعتها دولة الإمارات العربية المتحدة ضد الشيخ يوسف القرضاوي، منعه الشيخ تميم من إلقاء بعض خطب الجمعة.
وعندما حصلت الحركة التصحيحية في مصر، وأبعِد الرئيس «الإخونجي» محمد مرسي عن الحكم، شنت قناة «الجزيرة»، بشقيها العربي والإنكليزي، حملة عنيفة ضد الجيش المصري، مطالبة بعودة الرئيس المُنتَخَب.
ويرى الإعلاميون في القاهرة أن أربعة من مراسلي «الجزيرة» دفعوا، باعتقالهم غير المبرر، ثمن تلك الحملة.
وأشيع يومها أن قطر تدخلت لوضع شروط جديدة على طبيعة وديعتها لمصر المقدرة ببليوني دولار. وجاء في مقدم تلك الشروط تخفيف الحكومة المصرية من ملاحقتها «الإخوان المسلمين». واعتبرت القاهرة أن الشرط الذي وضعته قطر يدخل في باب الممنوعات التي لا تسمح لأي بلد عربي بإملاء إرادته على أي بلد آخر. وذُكِرَ في حينه أن مصر اضطرت إلى رد الوديعة في أيلول (سبتمبر) 2013، مع أنها كانت في أمس الحاجة إلى كل دولار. وقد سارعت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مدها بقرض ميسر.
في قمة الكويت، أرسل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إشارات سياسية تنبىئ برغبة في تعديل أسلوب مخاطبة مصر. ففي حفلة الافتتاح، تحدث عن «علاقة الأخوة مع الشقيقة الكبرى مصر». ودعا في كلمته إلى حوار وطني معها، متجاوزاً الخلاف العميق بين البلدين.
ومع أن مصافحته الخاطفة للرئيس المصري الموقت، عدلي منصور، اعتُبِرَت من المسلمات البروتوكولية الصرفة، إلا أنها عبّدت طريق المصالحة بين الدوحة والقاهرة، خصوصاً بعد انتخابات الرئاسة ومجلس الشعب في مصر.
وتعزو القيادة العسكرية المصرية هذا التأخير إلى احتمال إجراء محاكمة علنية للرئيس محمد مرسي على خلفية واقعة اكتشفها جهاز الاستخبارات الذي كان يراقب نشاط الرئيس وكبار أعوانه.
وتقول المعلومات المتوافرة عن تلك الواقعة إن الفريق عبدالفتاح السيسي زار الرئيس مرسي في مكتبه، وأطلعه على تسجيلات جهاز الاستخبارات، ثم أبلغه بأن الجيش سيزيحه بالقوة، وأنه من الأفضل له أن يتنحى بكرامة.
وردّ مرسي بأن الإدارة الاميركية لن تسمح للجيش الذي تربطه بواشنطن مصالح ومساعدات، بالإقدام على مثل هذه المغامرة. وبعد أقل من أسبوع، اعتُقِل الرئيس مرسي لأن القيادة العسكرية اكتشفت ارتباطاته الخارجية، وخشيت من إحكام سيطرته على مؤسسات الدولة خلال السنة الثانية من ولايته. واعتمدت القيادة في قرارها الخطير على تطورَيْن مفاجئين:
الأول – تعهد الرئيس مرسي للإدارة الأميركية بضمان أمنها الداخلي وسلامة رعاياها، مقابل تعهدها بأن تعترف بشرعية نظامه الإسلامي المعتدل، ودعم خطواته في مواجهة الجيش.
الثاني – رقابة جهاز التنصت على مكالمات الرئيس مرسي، ضبطت اتصالاته بزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري. وكان نتيجتها انتقال عدد كبير من مقاتلي «القاعدة» إلى صحراء سيناء، ثم تبين بعد ذلك أن غاية مرسي، من وراء تلك العملية، تطمين الإدارة الأميركية إلى احتواء «القاعدة» تمهيداً لتأسيس الخلافة التي نادى بها مؤسس الجماعة حسن البنا. وعليه، كان يأمل بنقل القوة المركزية لـ «القاعدة» إلى سيناء بحيث تشكل جسر الاتصال بين مصر من جهة و «حماس» في غزة من جهة أخرى.
ظهرت حصيلة ذلك التعاون في هجوم مفاجئ على كتيبة من الجيش النظامي، راح ضحيتها 16 جندياً. وبعد التمثيل بجثثهم، استولى الإرهابيون على مركبتين عسكريتين فرّا بهما إلى غزة.
وحيال هذا التطور، اتخذ المجلس العسكري بقيادة المشير حسين طنطاوي قراراً بإدخال قوات إضافية (7 آب – أغسطس 2012) علماً أن اتفاق «كامب ديفيد» لا يسمح بذلك. ولم يعد أمام الرئيس محمد مرسي من مجال للمناورة سوى التلطي وراء سلطته، الأمر الذي دفعه إلى حلّ المجلس العسكري، وتبني مسؤولياته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وكان أول قرار أصدره، من هذا المركز، قرار منع المواجهات بين الجيش والإرهابيين، والامتناع عن تدمير الأنفاق المستخدمة لنقل الأغذية والأسلحة إلى «حماس».
وفي ضوء هذه الخلفية، يتوقع الجيش إحالة مرسي إلى المحاكمة بعد انتخاب المشير عبدالفتاح السيسي رئيساً لمصر.
بالعودة إلى البيان الختامي للقمة العربية، يتبين من ديباجته الطويلة أن المشتركين تبنوا الاقتراح الذي قدمه ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أي الاقتراح الذي يطرح الحل للخروج من المأزق السوري. وفي تصوره «أن المعالجة تتطلب تحقيق التغيير في ميزان القوى على الأرض، ومنح الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة ما تستحقه من دعم ومساندة باعتبارها الممثل الشرعي للشعب السوري. خصوصاً أن الائتلاف مُنِح هذا الحق في قمة الدوحة».
ويُستنتج من هذا التلميح أن الأمير سلمان كان يعترض على رفض بعض الدول قبول أحمد الجربا ممثلاً شرعياً يحتل مقعد سورية في قمة الكويت.
وجاء في البيان الختامي ما نصه: «كما نؤكد على دعمنا الثابت للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بوصفه ممثلاً شرعياً للشعب السوري».
أما بالنسبة للمطلب الآخر الذي قدمه ولي العهد السعودي والمتعلق «بتغيير ميزان القوى على الأرض، ومنح المعارضة السورية ما تستحقه من دعم ومساندة…»، فإن هذا المطلب يشير، مداورة، إلى كميات الأسلحة المتطورة التي تقدمها إيران وروسيا إلى نظام الأسد، إضافة إلى مشاركة «حزب الله» وفيلق القدس الإيراني والمساندة العراقية والبراميل المتفجرة التي ترسلها موسكو عبر ميناء طرطوس. وهي البراميل التي استُعملت في مقاومة تمرد الشيشان.
كل هذه المضادات العسكرية لم تشجع إدارة الرئيس أوباما على اتخاذ خطوة عملية يمكن أن تبدل في ميزان القوى على الأرض. وبفضل هذا الموقف الأميركي المتردد استطاع الأسد أن يستمر في الحكم. وغاية واشنطن – كما تفسرها الصحف الإسرائيلية – إطالة أمد الحرب الأهلية بحيث يتواصل الاستنزاف، وتغرق إيران و «حزب الله» والعراق وروسيا في مستنقعات الدماء والدموع.
بقي السؤال المتعلق بنجاح القمة العربية التي عقدت في الكويت لأول مرة، وما إذا كانت توصياتها ومقرراتها ستساهم في حلحلة، أو حل النزاعات القائمة على امتداد رقعة العالم العربي!
ويرى أمين عام الجامعة العربية، نبيل العربي، أن «إعلان الكويت» هو بمثابة حصانة جماعية لمواجهة الإضرابات المتوقعة خلال «الربيع العربي» الثاني.
حتى منتصف 2012 لم تسقط من الأنظمة العربية سوى أربعة فقط، هي: تونس ومصر وليبيا واليمن. وبخلاف ما حدث في تونس، فإن سقوط حسني مبارك تم بواسطة انقلاب خفيف من الجيش. ولكن مصر ليست مثل تونس، بفضل وزنها الديموغرافي وقوتها العسكرية ومركزيتها التاريخية. هكذا، بقيت دائماً في قلب منظومة العالم العربي، بحيث إن كل تغيير سياسي في مصر سيؤثر في كامل الوضع الإقليمي.
معسكر التغيير والمقاومة هو الذي فرح في شكل خاص بالاهتزاز المفاجئ لنظام مبارك الذي أدى في نهاية المطاف إلى إسقاطه. وكان بشار الأسد أول الشامتين بعدوه الإقليمي. وفسر سقوطه كدليل على عدالة مساره السياسي المختلف. في حين أصرت القيادة الإيرانية على القول إن مبارك دفع الثمن لقاء قطيعة تعود لأكثر من ثلاثين سنة مع إيران… ولقاء قمع جماعة «الإخوان المسلمين» ومنعها من تبني نموذج الثورة الإسلامية الإيرانية.
مع ذلك، فإن المشير عبدالفتاح السيسي يفاخر بأن مصر هي دولة كبيرة ومستقلة أكثر من أن تسمح لعناصر خارجية بالتأثير في سياق تطوراتها الداخلية. وهو يرى أن هذا التدخل لم يعد يحظى بعطف كبير في أوساط القوى المعارضة للنظام. واستناداً إلى هذه المعطيات، فقد أعلن عن ترشّحه للرئاسة بعدما خلع بزته العسكرية يوم الأربعاء الماضي، معتمداً على أصوات الغالبية المناهضة لتيار «الإخوان المسلمين».
“الحياة” اللندنية