الرئيسية / وجهات نظر / أي أفق للجماعات الجهادية…؟!
c9b36217718a1a9791a8083795e7a589

أي أفق للجماعات الجهادية…؟!

ثمة أسباب عدة تغذي الاعتقاد بأن «الربيع العربي» أعطى دفعة قوية للتنظيمات الجهادية بعد سنوات من التراجع والانحسار، أولها، تواطؤ أنظمة الاستبداد على إنعاش هذه الجماعات المتشددة لتشويه الثورات العربية ولإثارة مخاوف العالم من إرهاب إسلاموي قادم، متوسلة في ذلك، مرة بإطلاق سراح قادتها وكوادرها من السجون، ومرة بتسهيل شروط نشاطها وتعبئتها، وأحياناً مدها سراً بما يلزم من أسباب الدعم المادي والإعلامي.
والأنكى ما سُرّب عن علاقات غامضة وملتبسة بين بعض القياديين الجهاديين وبين أنظمة دأبت على استخدام قوى الارهاب لمحاصرة خصومها وتعزيز نفوذها الاقليمي، زاد الطين بلّة لجوء بعض الأنظمة إلى عنف مفرط واستفزازي لمواجهة الحراك الشعبي، ما خلق ردود أفعال من الطبيعة ذاتها ووفر في الحالة السورية الأجواء لنمو التطرف المذهبي واستجرار الكوادر المتشددة من مختلف أنحاء العالم تحت راية: نصرة الاسلام في بلاد الشام.
وثاني الأسباب، السقوط اللافت للقوى الاسلامية في تونس ومصر بعدما وصلت إلى السلطة عبر انتخابات حرة، وهي القوى التي دأبت على إدانة الإرهاب وبشّرت بالحلول السياسية وبالخيار المدني والسلمي، ما أعاد الاعتبار الى العنف كوسيلة لرفع الظلم والدفاع عما يثار عن حقوق مهدورة للمسلمين! ويتعلق السبب الثالث بحسابات خاطئة لقوى التغيير الديموقراطي، حيث شهدت مواقفها ارتباكات شديدة في التعاطي مع ظاهرة التطرف الاسلاموي، تجلت مثلاً، عند المعارضة السورية، مرة بالتخفيف من وزنها واعتبارها ظاهرة هامشية لا حظ لها في الحياة في مجتمع تعددي ومتنوع، ومرة بالدفاع عنها كحالة طارئة تضم مهاجرين حضروا من أجل مساندة الثورة السورية وسيغادرون البلاد عن طيبة خاطر بمجرد أن تنجز الثورة مهمتها، ووصل الأمر إلى مهادنتهم والإشادة بشجاعتهم واعتبارهم جزءاً من قوى التغيير على قاعدة منح الأولوية المطلقة لمواجهة النظام الحاكم، بما في ذلك السكوت المقصود عن ارتكاباتهم وتجاوزاتهم، بخاصة حين يتعلق الأمر بالنيل من بعض الفئات المدنية المحسوبة موضوعياً على النظام أو التي لا تزال في موقع الحياد والتردد.
والأهم، ما خلّفه انصياع هذه المعارضة للغة السلاح وعجزها عن إدارة المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة وهي خير من يعرف أن الجهاديين لا يمكن أن يترعرعوا إلا حين يترك الفضاء العام أمام منطق العنف وحالة الفوضى.
وفي المقابل، ثمة من على يقين بأن هذه الصحوة للجماعات الجهادية هي أشبة بصحوة ما قبل الموت، فوراء ما يصح اعتباره شرطاً جديداً لتعزيز حضورها وفّرته رياح التغيير العربي، ثمة ماضٍ مرير مثقل بالعجز والتخريب وعدم الجدوى، وثمة ما يمكن اعتباره أزمة مزمنة تحكم تطور هذه الظاهرة وتضعها في طريق مسدودة ربطاً بفشل مشروعها الأول في أفغانستان وعجزه عن أن يكون مثلاً يحتذى أو نموذجاً مرغوباً للدولة القادرة على بعث الدين الصحيح وإنقاذ المسلمين من الحالة التي وصلوا اليها، إذ جاءت حصيلة سنوات حكم الجهاديين محبطة ومخيبة للآمال، اللهم إلا في إظهار صورة سلبية عن الإسلام، لا كدين يسر وتسامح، بل كعامل قهر وإكراه أحال الإنسان إلى مجرد أداة عمياء مسخّرة لخدمة الطقوس والشعائر، وطبعاً لم يمض وقت طويل حتى خسر الجهاديون ما جنوه بسبب غياب برنامج تنموي قادر على تلبية حاجات الناس وبسبب الفظائع التي رافقت تطبيق رؤيتهم المتطرفة للشريعة الإسلامية، حتى صار المسلم العارف بجوهر الدين الصحيح يجاهر برفضه استخدام أبشع وسائل الإكراه والعنف لضبط أدق تفاصيل حياة البشر أياً تكن الحجة أو الذريعة.
واليوم، تجدر الاشارة إلى تقدم عناصر جديدة تعمق أزمة الجهاديين وتعزز مسار انحطاطهم، منها طابع الثورات العربية التي حملت شعارات الحرية والكرامة وكان عنوانها إعادة الناس إلى السياسة، الأمر الذي يتعارض بشدة مع نهج الجماعات الجهادية التي لا تريد من البشر سوى الطاعة العمياء وتعتبر الديموقراطية والحرية مجرد بدعة وكفر، ما يضعها وجهاً لوجه ضد مصالح الحراك الشعبي وما يتطلع اليه، ومنها أيضاً تكرار ارتكاباتها وعقوباتها المشينة بحق الناس في مناطق سيطرتها، ما أثار حنق غالبيتهم وبعث في نفوسهم دواعي الرفض لما يجري وضرورة الدفاع عن خياراتهم وحقوقهم، هذا ناهيك عن أن الصراع المكشوف الذي تشارك فيه الجماعات الجهادية بكثافة وتعتبره اليوم صراعاً مصيرياً، أدى إلى انكشاف غير مسبوق لبناها التنظيمية، ما سهّل اختراقها وأفقدها إحدى نقاط قوتها بصفتها تنظيمات سرية وعصية أمنياً، حيث صار القاصي والداني يعرف طرائق حياة هذه الجماعات وأهم رموزها وقياداتها، وزادها انكشافاً وضعفاً تنامي الخلافات بين صفوفها وتواتر انقساماتها تبعاً لتنوع اجتهادات القائمين عليها، والأهم أن الانفلات التنظيمي لمثل هذه الجماعات المتطرفة والتي لا يمكنها عادة أن تنمو وتترعرع من دون تغطية سياسية وإمداد من جانب أحد الأنظمة، قد أفضى إلى فضح مصادر التمويل والتغطية وإلى حصارها وتقليص هامش مناورة الأنظمة التي دأبت على استخدام الارهاب والجهاديين كورقة في إدارة أزماتها وللتأثير في صراعات المنطقة، وما شدد الحصار أكثر وجود ما يصح اعتباره قطبة مخفية في السياسات العالمية تجلت بسلبية مقيتة في التعاطي مع المتغيرات العربية، وبخاصة في سورية، بغرض استثمارها لإيقاظ الخلايا الجهادية النائمة وجذبها إلى ساحة الصراع وتسهيل كشفها وتصفيتها.
والحال، وعلى رغم ما سبق، ينبغي عدم الاستهانة بالحركات الجهادية التي باتت تمتلك اليوم من القوى والدوافع ما يمكّنها من إيقاع أشد الأذى بالمجتمعات والثورات العربية، خصوصاً أنها تعتاش على مناخ عام حاضن لا يزال قائماً ويتميز بتفاقم الصراع المذهبي في المنطقة وبتراجع ملموس للسياسة على حساب تقدم العنف ولغة السلاح، وبعجز مزمن لقوى التغيير عن كسب ثقة الناس والتقاط زمام المبادرة لقيادة مسار التحول الديموقراطي.
“الحيباة” اللندنية