الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر .. الإنذار الأخير
9398b2c44fe83bf87471b305e7a889fc

الجزائر .. الإنذار الأخير

ما تعيشه الجزائر من أحداث سابقة عن الانتخابات الرئاسية المقرر اجراؤها فى السابع عشر من أبريل المقبل، يشى بتغيير محتمل على الصعيدين الاجتماعى والسياسي، ولعودة إجبارية للمؤسسة العسكرية لحماية الدولة من صراع سياسى غير متكافئ، يسعى الطرف الأقوى فيه إلى نمط من السلطة تجاوزه الزمن، يكون فيه الرئيس» عبد العزيز بوتفليقة» جسر عبور لقيادات سياسية سترثه حيًّا، مُسْتغلة فى ذلك حب الشعب له، وإن كانت أطراف فاعلة ترى أن الجيش لن يتدخل لأن ترشح بوتفليقة وفوزه شبه المؤكد يَتِمَّان ضمن المسار السياسى الصحيح، وغير مخالفين للقواعد الدستورية.
تلك حالة من الطمأنينة، يُعوّل أصحابها على أربعة مرتكزات، أولها: أن الجزائر لا تزال قريبة عهد بسنوات الدم والإرهاب، وهذا يحول دون القيام بأعمال عنف تؤدى إلى انهيار المجتمع على غرار العشرية السوداء، وهم هنا لا يأخذون من دروس التاريخ عبرة، ففى 1945 قتل الاستعمار الفرنسى 45 ألف جزائرى فى يوم واحد، وذلك حين طالب الشعب الجزائرى بتقرير المصير بعد انتصار قوات الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك قام الجزائريون بعد تسع سنوات من ذلك التاريخ بحرب دامت سبع سنوات ونصف السنة من أجل الحرية وقدموا مليونا ونصف مليون شهيد.
وثانيها: أن ما يعرف بثورات الربيع العربي، ستتكَسَّر فى نظر السياسيين على صخرة الجزائر، لأن نتائج تلك الثورات كانت وبالا على الشعوب العربية، والشعب الجزائرى لا يريد أن يفقد استقراره، لذلك لا مانع لديه من استمرار بوتفليفة فى الحكم حتى لو أدى ذلك إلى شلِّ مؤسسات الدولة، ناهيك على أن تجربته التاريخية القريبة كشفت على أن التغيير مكلف، وإذا كنا لا ننكر مخاوف الشعب الجزائرى من التغييرات الحاصلة فى دول الشتاء العربي، فإن الأمور هدأت فى المنطقة العربية، وبما أن الشعب الجزائرى لا يحب التقليد فإنه مخول اليوم للقيام بالتغيير، وقد يكون المدخل لذلك الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وثالثها: الاعتقاد السائد لدى فريق بوتفليقة والأحزاب المؤيدة له،أن خزينة الدولة مليئة بما يكفي، وهذا سيُمَكٍّن نظام الحكم من مواجهة أيَّ تطورات راهنة أو مستقبلية تتعلق بالمطالب الاجتماعية، ولا شك أن هذا كان صحيحا فى الفترة السابقة حين عمَّمت السلطة ثقافة الفساد، أما الآن فإن الدولة ستجنى ما زرعته السلطة خلال 15 عاما من حكم الرئيس بوتفليقة، ثم أن اتساع حجم المطالب يؤشر إلى انزلاق سيؤثر،إن طال وأشعل لهيبه من الخارج، على الوحدة الوطنية، حيث لم تعد تلك المطالب فئوية أو طبقية، وإنما أصبحت ذات بعد جغرافي، واتَّخذت طابعا ولائيا(محافظات) وجهويا.
المرتكز الرابع، يتعلق بحياد الجيش فى الصراع السياسى اعتمادًا على تجربة»عشرية الدماء»، ذلك أن الاختلاف فى الجزائر بدأ سياسيأ، ثم انتهى إلى حرب ـ شبه أهلية ـ وهذا يعنى أن الجيش لن يقف فى صف أيّ فريق، وهذه قناعة خاطئة بالطبع، لأن تراكم أخطاء السياسيين ونشرهم خطاب العنف والكراهية كما هو الأمر اليوم، وحدوث صدامات على أساس عرقى كما هو الأمر في» غرداية»، وانزلاق بعض الولايات إلى فوضى وغليان وهواجس خوف من المستقبل، جميعها عوامل ستؤدى إلى تدخل المؤسسة العسكرية، مهما ارتبطت مصالح بعض جنرالاتها بالرئيس بوتفليقة وفريقه الحالي، وما البيانات والمواقف والتصريحات الصادرة عن بعض العسكريين القدامى، ومنهم بوجه خاص الرئيس السابق اليمين زروال، إلا دليل قاطع على تدخل الجيش الوشيك، وإن كان ذلك مرهونا بما ستؤول إليه البلاد فى المستقبل القريب.
الجزائر اليوم تتجه نحو مصيرها «المحتوم» وهى تكرر حالتها فى حربها ضد الاستعمار، حين مثّلت النداء الأخير ضد الامبرالية العالمية والاستعمار وصاحبتها نذر أخرى كانت واضحة للعيان تماما كالكتابة على الجدران فى الملايو وإندونيسيا والهند الصينية، والجولة الصغرى من نزاعات فترة ما بعد الاستعمار فى إفريقيا والشرق الأوسط، فى كينيا وعدن، وفى كل مكان واجهت فيه الإمبرالية التمرد المسلح».. كما جاء فى كتاب (The Media and Military ــ الإعلام والمؤسسة العسكرية) للكاتبين بيتريونج وبيترجيسر، الصادر عام 1997، والمترجم إلى العربية عام 2003.
وبثورتها فى الماضى أدَّت الجزائر إلى الانقسام داخل الجيش الفرنسي، وبواقعها السياسى اليوم، الذى يحركه الشباب، سترفض أعراض المرض، الذى شملت نواحى متعددة، وقطاعات مختلفة، ومؤسسات فاعلة، وأهمها مؤسسة الرئاسة، حيث تقوم بالتحايل عن الشعب من خلال أفعالها المكشوفة، ليس هذا فقط بل هناك عودة لخطاب سياسى مخيف ومرعب، وهو ذلك الذى جاء على لسان عبدالعزيز بلخادم. وزير الدولة، مستشار رئيس الجمهورية، حين قال فى تصريح لقناة الشروق الجزائرية:» غير مبالٍ بوجود قيادات فى الجيش ترفض وصولى إلى الحكم على خلفية ميولى المحافظة وعلاقتى السابقة برموز التيار الإسلامي.. لستُ مسرورا بالاستئصاليين فى المؤسسة العسكرية، مثلما هم ليسوا مسرورين بوجودي»، والمقصود بالاستئصاليين هنا، أولئك القادة العسكريون، الذين وقفوا ضد وصول الإسلاميين إلى الحكم. إذن كل المعطيات على الساحة الجزائرية تشير إلى وصول البلاد إلى مرحلة ما قبل الانفجار، وعلى كل القوى الحيًّة أن تكون مُستعدة لبداية العد التنازلى لسقوط جماعات الفساد، بالرغم من مساندة مؤسسات لهم، وأتصور أن الجيش الجزائري، وإن ارتبطت مصالح بعض قيادته بالنظام الحالي، ليس على استعداد لخوض تجربة أخرى يدفع ثمنها بالاشتراك مع الشعب من أجل الساسيين.. والحديث اليوم منصب على وحدته، وعليه أن يحافظ على وحدة البلاد.. وربما سنرى هذا قريبا ضمن نداء أخير هو نداء الجزائر كلها.
“الأهرام”