الرئيسية / وجهات نظر / مائة يوم من عمر الحكومة التونسية
SALEM LABYADE

مائة يوم من عمر الحكومة التونسية

أيام معدودات مرت منذ أن اجتازت الحكومة التونسية المنتخبة مائة اليوم الأولى على تشكيلها. العد على الحكومات أيامها ولياليها وأنفاسها وحركاتها وسكناتها هو تقليد سياسي صاحب أنظمة الحكم الديمقراطية التي تخضع لرقابة شعوبها عن طريق المعارضات الوطنية وأحزابها وقوى المجتمع المدني ومنظماتها ووسائل الإعلام وصحفها وأضوائها.
لم تكن تونس تستشعر أهمية الأيام السياسية أو تتفطن لسرعة مرورها أو تراقبها عن كثب قبل 14 يناير/كانون الثاني 2011، حتى أن رئيس الحكومة الواحدة يمكن أن يستمر لسنوات طويلة في منصبه دون أن يحفظ الناس اسمه أو يحتفظوا له بذكرى أو عبرة.
والأمر هنا لا يحتاج إلى كثير مناقشة أو حسن محاجة وتدليل ومصادقة، فالحكومة التونسية لم يترأسها خلال ربع قرن سوى ثلاثة أشخاص فقط تحت حكم الرئيس بن علي الذي كيف الدستور التونسي وفق أهوائه لكي يستمر في كرسي الحكم إلى ما لا نهاية قبل أن يُطاح به وهو في غفلة من أن سيلانا سيجرفه، واقتداء بسلفه الرئيس بورقيبة الذي ولاه الأمر لما طالت شيخوخته التي تزامنت مع شيخوخة حكمه وهرمه وعجزه الذي بات محل تندر قبل أن يستعصي عليه شأن البلاد الصغيرة ويشتد.
إن هذا التقليد الديمقراطي في ممارسة الفراسة السياسية التي تحيل حسب المدونة اللغوية العربية على الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخفية وفك طلاسمها، ومن ثم تتبع خطى الحكومة والمشي في ثناياها ومساربها ومعرفة اتجاهاتها وتأمل وعودها وعهودها ومواثيقها وبرامجها وأفكارها والتزاماتها -لا سيما بعد مرور مائة يوم- هو أحد ثمار الثورة التونسية وما صاحبها من تغير هيكلي أعاد ترتيب المشهد السياسي وفق قواعد جديدة كانت إلى زمن قريب حكرا على غير الناطقين بالعربية وغير القاطنين في فضائها الجغرا-سياسي.
في الزمن الراهن بات للمائة يوم معنى في قاموس السياسة التونسية بعد أن دخلت تونس نادي الدول الممتطية للقطار الديمقراطي الملتزمة بأعرافه وبتقاليده ونواميسه وإكراهاته.
لم يعد المصطلح مبهما لدى الفاعلين السياسيين كما كان من قبل، فقد فك شفرته العوام من الناس وتداولوه فيما بينهم ضمن انتظاراتهم وأمانيهم وآمالهم التي عقدوها على الحكومات المتتالية.
لا فرق في تونس اليوم بين المائة اليوم في النظام الديمقراطي الراسخ منذ مئات السنين ونظيره الذي لا يزال يخطو خطواته المتعثرة الأولى بسبب الانتقال الديمقراطي وضغوطاته ومنعرجاته.
فقد فرضت وسائل الإعلام تقييم المائة يوم الأولى على الحكومات المؤقتة قبل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 وبعدها في إطار لعبة الصراع على السلطة وتوزيع ريعها ومناصبها وامتيازاتها.
وصار هذا التقييم اليوم أكثر مشروعية وهو من مقتضيات رهانات السياسة مع مجيء الحكومة القارة التي من المفترض أن تجلس على عرش الحكم خمس سنوات متتالية، وهي المنبثقة عن انتخابات 26 أكتوبر/تشرين الأول البرلمانية ورئاسيات 21 ديسمبر/كانون الأول لسنة 2014.
وعود كثيرة وعهود ألزمت السلطة الجديدة نفسها بتحقيقها. أما الوعود فأبرزها يتعلق بتحقيق أهداف الثورة التونسية كما جاء في برنامج رئيس الحكومة الذي ألقاه أمام مجلس نواب الشعب في مطلع شهر فبراير/شباط الماضي من الحد -قدر الإمكان- من تفشي البطالة والفاقة والتهميش والتصدي لظواهر التضخم والمضاربة وارتفاع الأسعار وإصلاح المنظومات التربوية والصحية والجبائية ومراجعة السياسة الخارجية.
وأما العهود فمرجعها إعادة هيبة الدولة وفرض سلطانها عبر تحقيق الأمن والقضاء على الإرهاب وكشف قتلة الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وإماطة اللثام عن الجهات المستترة وراء عمليتي الاغتيال.
الفائدة تبدو ضئيلة من وراء مناقشة وعود الحكومة التونسية فهي تضاف إلى ما وعدت به حكومات سابقة دون تحقيق تقدم يذكر في الحد من سلطان البطالة على الشباب النشط المتزايد من سنة إلى أخرى، أو في القضاء على المضاربة والتهريب الذي يهيمن على 60% من الاقتصاد الوطني دون أن تستفيد منه مؤسسات الدولة، وانعكاسات ذلك على تدهور القدرات الشرائية للمواطن التونسي.
ولم تبلور هذه الحكومة مشروعا وطنيا للإصلاح الجبائي يمكن أن يساعد موازنة الدولة على التعافي من عجزها الذي تجاوز سبعة مليار دينار هذه السنة أي ما يعادل ربع ميزانية الدولة التونسية، فبات مزمنا وهيكليا ناهيك عن أن الحكومة مستمرة في نهج المديونية الخارجية التي بلغت واحدا وأربعين مليار دينار تونسي أي ما يعادل 52% من الناتج الإجمالي الوطني الخام، وذلك بشروط مجحفة ومهينة للقرار الوطني ومؤثرة على السيادة الوطنية وخاصة عندما يتعلق الأمر بالقروض المُستلفة من صندوق النقد الدولي الذي يفرض سياسات بعينها وخيارات دون غيرها يجب على أهل الحكم في تونس إتباعها والإذعان لها.
وفي الآن نفسه لم تُقدم الحكومة على تغيير يذكر في السياسات الصحية المتبعة منذ سنوات طويلة المرتكزة على مركزية المرافق الصحية العمومية في المناطق الأكثر حظا رغم رداءة خدماتها في أحيان كثيرة مقابل إنفاق الدولة على الإطار الطبي وشبه الطبي لينتفع به القطاع الخاص الصحي الذي يحظى دون ذلك بالتمييز الإيجابي للدولة دون أن يخضع لرقابتها أو يستجيب للضغوطات الاجتماعية لمواطنيها الذين تعوزهم القدرات.
ولم يكن البدء في تمشي الإصلاح التربوي الذي انتهجته وزارة التربية التونسية -وهو المطلب الملح الذي تشترك في تبنيه النخب والعائلات التونسية- بأفضل حال. فقد جاء الإعلان عن انطلاق الحوار الوطني لإصلاح المنظومة التربوية يوم 23 أبريل/نيسان المنصرم مسكونا بالارتجال والاستفراد بالرأي الذي نتج عنه إقصاء أطراف ذات قيمة من ذلك التمشي على غرار نواب الشعب ومنظمة الأعراف التونسيين وكافة الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني التي لا تتماهى مع المقاربة الكونية الأممية للتعليم ذات الخلفية اليسارية، ما يقلل من حظوظ تلك المبادرة في النجاح.
وقد كانت أولى الدلائل على البداية المتعثرة لفكرة الإصلاح التي لطالما شكلت مطلبا تاريخيا هو غياب رئيس الحكومة نفسه عن المهرجان الذي شهد الإعلان عن انطلاق الإصلاح، بما لا يدع مجالا للشك بعدم رضاه على عملية الفرز التربوي التي تمت على أسس أيديولوجية صرفة في اختيار الفاعلين الذين سيشرفون على إصلاح المدرسة التونسية.
ولم توفق الحكومة في إرساء سياسة خارجية متوازنة بعد التصريحات غير المدروسة لوزير الخارجية في شأن ملفات صعبة وحارقة مثل الملف الليبي والقوى المؤثرة فيه إقليميا ودوليا. وقد زاد الأمر تعقيدا التناقض المعلن بين رئيس الدولة ووزير خارجيته فيما يتعلق بما يجري في سوريا والموقف من عودة السفير السوري فالأمر لم يتعد حدود الوعود الانتخابية.
لقد تزامن مرور المائة يوم الأولى من عمر الحكومة التونسية الائتلافية المكونة من أربعة أحزاب والمدعومة بأكثر من ثلثي نواب مجلس نواب الشعب، مع بروز موجة عاتية من الاحتجاجات القطاعية والشعبية.
فقد دخل رجال التعليم بأصنافهم وكذلك القضاة في حركة إضرابيه غير مسبوقة تخطت كل الخطوط الحمر بالنسبة للتربويين ووصلت حد مقاطعة الامتحانات، وعطلت المرفق القضائي لخمسة أيام متتالية.
كما بلغت الحركة الاحتجاجية المنددة بغياب العدل في توزيع الثروة الوطنية حد التوقف الكامل عن العمل في مناجم الفسفاط التي توفر مداخيل هامة لصالح ميزانية الدولة في منطقة قفصة التي تحتوي على أكبر نسبة بطالة في تونس بعد أن بلغت 29%.
وسيكون لهذا الإجراء تأثير شديد السلبية على معامل المجمع الكيميائي بقابس بسبب نفاد مخزونها من الفسفاط والتي توفر موارد مالية هامة للدولة التونسية، ومن ثم توسيع دائرة الفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة التي تشكل احتياطا إستراتيجيا للحركات الاحتجاجية.
وهذا الفشل الذريع في احتواء الحكومة للحركة الاحتجاجية والمطلبية التي تتوسع دوائرها يوما بعد آخر، يعطي الانطباع بأن شرارة ثورة ثانية هي في طور التشكل، خاصة بعد انطلاق موجة جديدة من المظاهرات في جهة قبلي الصحراوية الفقيرة يطالب أصحابها بحق الشغل تزامنا مع اكتشاف حقول بترول وغاز جديدة بمنطقتهم.
الوجه الآخر لأزمة السلطة الحاكمة في تونس بعد الانتخابات هو عدم قدرتها على الإيفاء بتعهداتها في تحقيق الأمن وإعادة هيبة الدولة وفرض سلطانها على مواطنيها وحمايتهم في الآن نفسه من آفة الإرهاب الذي ضرب يوم 18 مارس/آذار الماضي في قلب أحد المراكز السيادية أي في مقر مجمع مجلس نواب الشعب بباردو مركز أصل السلطة التونسية الجديدة المفرزة بعد نهاية حكم السلالة السياسية الدستورية التجمعية، وأودى بحياة اثنين وعشرين من السياح والمواطنين الأبرياء.
ولكن القضية الأهم التي تضع حكام تونس الجدد محل ريبة وشك هو طريقة التوظيف السياسي والاستثمار الانتخابي والعهود التي تعهدوا بها في أنهم سيكشفون عن قتلة الشهيدين بلعيد والبراهمي والجهات السياسية صاحبة المصلحة في الاغتيالات.
وهذا الأمر أعلنه الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي في ختام حملته الانتخابية الرئاسية في دورتها الثانية يوم 19 ديسمبر/كانون الأول 2014 حينما أقر وفق مقال لجريدة الصباح نيوز بنفس التاريخ أنه “يعلم من سلح ومن دفع إلى جرائم الاغتيالات السياسية التي حصلت في البلاد، واعدا بأنه سيكشف الحقيقة للشعب التونسي”.
هذا الموقف شجع الجبهة الشعبية على دعمه في تلك الانتخابات، كما دفع بأرملتي الشهيدين إلى لقائه في ذات الغرض في قصر قرطاج وهو رئيس منتخب. وتزامنا مع ذلك أشار رئيس الحكومة في خطاب التولي بأنه سيبذل قصارى جهده لكشف القتلة. لكن تلك العهود والوعود كانت مجرد مجملات للانتخابات التي فاز فيها حزب نداء تونس بأغلبية مقاعد مجلس نواب الشعب وبكرسي رئاسة الجمهورية مما أعطاه الأحقية في تشكيل الحكومة، وقد مرت على تلك العهود أشهر عديدة متتالية وما زال سؤال الجبهة الشعبية من قتل شكري ومن قتل البراهمي؟ قائما.
أمام عجز حكومة الرباعي الحاكم في الحد من الأزمتين الاقتصادية والاجتماعية وفرض سلطان الدولة واسترجاع هيبتها وكشف الأطراف التي قتلت أو خططت أو استفادت من وراء الاغتيالات، تحولت الأحزاب الحاكمة إلى ما يشبه قوى المعارضة أكثر منها إلى حكومة تمارس نفوذها وتطبق برامجها، حيث يبدو أنها تستعد لمرحلة أخرى قد تتغير فيها موازين القوة وأطراف الحكم أو تُقدم فيها البلاد على انتخابات سابقة لأوانها إن لزم الأمر ذلك.

* أكاديمي تونسي/”الجزيرة”