الرئيسية / وجهات نظر / الأرنب السامة والنقاب الملغم في تونس
9be642f7225e5efa14b57559f92dbcc8

الأرنب السامة والنقاب الملغم في تونس

قبل ايام صدرت عن بعض الجهات في اتحاد المزارعين بتونس تحذيرات مما وصف بالغزو الوشيك لسمكة تعرف بـ’الارنب السامة’ لمناطق بحرية في البلاد.
السمكة وفقا لخبراء في الميدان تحتوي على مواد سامة قاتلة وهي بذلك تشكل خطرا واضحا على حياة الانسان، كما انها تمثل تهديدا مباشرا للثروة السمكية لقدرتها على التهام كميات هائلة من بيض الاسماك الاخرى. اما متى وكيف وصلت الى المياه التونسية فالفرضية التي يرجحها نفس الخبراء هي ان تكون قدمت من البحر الاحمر بعد ان علقت في شباك صيادين مصريين جاؤوا للصيد بطرق غير مشروعة، ثم استطاعت بعد ذلك ان تتوالد بسرعة فائقة.
ليس هناك حتى الان ما يدل على ان السلطات قد وضعت في حال طوارئ او استنفار تحسبا لغزو ‘الارنب السامة’ فطول السواحل وضعف الامكانات يرجح التعويل بالاساس على خبرة البحارة دون سواهم في رصد ‘العدو’ القادم من وراء البحر والاجهازعليه قبل ان يتمكن من الوصول الى الشواطئ بكميات كبيرة.
اما ما يشغل بال الحكومة الان ويستنزف كامل طاقتها وجهدها فهو عدو اخر في البر لا في البحر، وهي لاجل ذلك رصدت وترصد كل الامكانات والوسائل حتى يتحقق لها النصر المبين والكاسح وترتاح من عبء معركة لا احد يعلم في اي وقت ولا بأي ثمن وشكل سوف تنتهي.
العدو البري المقصود هو ذلك الذي يعرف في تونس منذ مدة بالارهاب، أما من اراد معرفة المزيد فكل ما سيظفر به هو تأكيد يصل حد الاجماع على تحديده في مجموعات منسوبة للسلفية الجهادية المسلحة، تعاظم الحديث عنها اشهرا قليلة بعد فرار بن علي والهزات التي قصمت ظهر المنظومة الامنية وأدت لانتشار بعض مظاهر الفوضى في البلاد وما تبعها من انفتاح خزان السلاح الرهيب من الجارة الشرقية ليبيا، في اعقاب انهيار نظام العقيد القذافي، بحجم غير متوقع وخارج حدود كل سيطرة.
بالنسبة لمعظم التونسيين بقيت انباء المواجهات بين قوى الامن وتلك المجموعات على مدى الشهور الماضية اشبه ما تكون بقصص الخيال العلمي، حيث تختلط الحقيقة في احيان كثيرة بالاوهام والظنون ويدور جدل محموم على شاشات التلفزيون عن تحرك لاشباح تصعد الجبال ثم تنزل منها لارتكاب عملياتها، وفقا لتوقيت محدد واهداف مضبوطة بدقة متناهية. غير ان مشهد جثث بعض المنتسبين لتلك المجموعات، ثم صور البعض الاخر ممن القي عليهم القبض في المواجهات الاخيرة في ضواحي العاصمة، بعث شعورا لدى عامة الناس بأن الامر يتعلق باحداث واقعية تدور داخل بيوتهم لا في اقاصي العالم، وان المشاركين فيها وضحاياها في نفس الوقت، هم ابناؤهم وليسوا ممثلين غرباء في شريط هوليوودي طويل ومرعب.
ما عمق ذلك الاحساس لكن فاقم بعض الحيرة من جانب اخر هو اعلان وزارة الداخلية القبض على عنصر وصفته بالارهابي مرتديا النقاب. تبعه بعد ذلك بلاغ مقتضب من نفس الوزارة يتضمن قرارا بتشديد المراقبة في اطار القانون، حسب نص البيان على كل شخص يرتدي نقابا بعد ان اصبح البعض يتعمد التنكر في ذلك الزي للافلات من الملاحقة او القيام بعمليات تخريب.
لم يتوقف الامر عند ذلك الحد فقد ظهرت على الفور عدة صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بحظر شامل للنقاب في تونس، فضلا عما تنشره معظم الصحف المحلية منذ ذلك الاعلان من دعوات مستمرة لنفس الحظر حفاظا على أمن البلاد وتصديا للارهاب على حد قولها.
الخطورة في تحول الحرب على ارهاب البر الى محاربة صريحة لمظاهر التدين، حتى ان كانت متشددة او غير مقبولة هو ليس فقط في عودة الدولة البوليسية عبر تلك البوابة لخنق الحريات والتضييق على القناعات الشخصية، بل ايضا في تقديم صورة مشوهة ودموية للاسلام لا تسمح للشباب على وجه الخصوص بالاقتراب من الدين والتعرف على مقاصده النبيلة وجوهره البعيد عن كل مظاهر الغلو والتشدد، بعد ان كان ذلك مستحيلا طوال عقود الاستبداد بفعل الجدار الحصين والعالي الذي وضعه النظام بين الاثنين. في الحرب الاخرى على ارهاب البحر ممثلا في ‘الارنب السامة’ لا تتحرك للدولة شعرة واحدة، فلا تهديد هنا لعرشها وهي لاجل ذلك فقط تترك امر القيام بها للبحارة. وتلك مفارقة مجنونة صعبة الفهم بين حرب تفتحها السلطة لحماية الدولة من مخاطر الزوال واخرى تترك ناصيتها بايدي الغير لانها لا تشكل خطرا مباشرا على سلطانها.
تُطرح أيضا هنا مسألة اخرى لا تقل اهمية، وهي تقييم المخاطر وتحديد طرق التعامل السليم معها. ما يلوح على السطح لكل ملاحظ هو ان العملية تتقاطع بشكل واضح ومكشوف مع مصالح وتوجهات الجوار الاقليمي ومعها بالطبع مطامح القوى الكبرى في المنطقة.
وفي تلك الحالة ليس مهما ان يسقط تونسيون من البرد والجوع او حتى من سموم ‘الارنب السامة’ مادام هؤلاء وغــــيرهم يصرون على ان العدو الوحيد لتونس هو فقط هؤلاء الارهـــــابيون الذين نزلوا من السماء بغتة بلا ظهير من الخارج او سند من الداخل، ومن اجل مهمة دقيقة ووحيدة وهي بعثرة الاوراق وقطــــع الطريق على انتقال صعب وشاق نحو الديمقراطية صفق له الجميع في احتفالية الدستور الجديد الاخيرة، لكن يبدو ان اغلبهم كانوا للاســف الشديد يضمرون العكس.
“القدس العربي”