الرئيسية / وجهات نظر / العالم العربي والحلم الديمقراطي
436x328_46130_260117

العالم العربي والحلم الديمقراطي

يحلم العالم العربي بالديمقراطية بوصفها أرقى تجليات الرؤى السياسية التي رافقت مسيرة إنسان العصر الحديث. بل بات ينظر إليها كثير من أبناء هذا العالم العربي المحروم من أبجدياتها؛ كما ينظر إليها الغربي، بوصفها أفقا مُهلما، تتوق إليه كل خطابات الحرية، ومعظم مسيرات التحرر، حيث يجري – في المسار الغربي – استثمار ما تحقق فعلا؛ من أجل التوصل إلى ما لم يتحقق؛ لتكون خطابَ حلمٍ وخطابَ واقع في آن واحد. وبهذا تتمدد مساحات الممكن؛ بقدر ما تتضاءل مساحات المستحيل.
لكي تتحقق في الحلم – أي حلم – أعلى درجات “الحالة الحُلمية” القادرة على إشعال حالة الانتشاء بالمستقبل الواعد، لا بد أن يحظى الحلم بأعلى درجات المفارقة مع الواقع. من هنا يبدو الحلم الديمقراطي للعرب مُغرياً؛ بقدر ما يبدو بعيد المنال.
الحلم العربي بالديمقراطية يبقى حالة حلم، أي حالة تحتفظ بملامح الإغراء الغامض؛ لأن مكونات الواقع الثقافي ومكونات الواقع الفعلي تقذف بهم (=الجماهير العربية) بعيدا عن العتبات الأولى لصرح الديمقراطية المنشود.
كل مكونات الثقافة العربية، وكل معطيات الواقع، تنأى بالعربي عن حلمه الجميل. على مستوى غالبية النخب، وعلى مستوى الأغلبية الساحقة من الجماهير، يحلم العرب بالديمقراطية؛ دون أن يكون ثمة وعي بشروطها المسبقة. هناك حالة تأزم في المسار الديمقراطي العربي؛ لأن هناك ارتباكا عاما حول الديمقراطية الحلم، وارتباكا عاما حول الديمقراطية التي يُراد تفعيلها في الواقع، بل وارتباكا عاما حول الموقف من الديمقراطية كخيار سياسي.
ولأن تناول هذا التأزم، وهذه الارتباكات يتشعب ويطول، لتعدد الأبعاد وكثرة التفاصيل، فسأحاول تحديد الإشكالية العربية مع الحلم الديمقراطي بما يلي:

1 يصدر العالم العربي في تقدير الحاجة إلى الديمقراطية عن ضيق بواقع الاستبداد، وليس عن إيمان جازم باستحقاقات الحرية الأولى. ولا ضير في هذا، لو كان ثمة وعي حقيقي بالاستبداد، واستعداد واعٍ للقطع معه. وهذا يتضح عندما تجد أن الكلام الكثير عن الاستبداد يتمحور حول اللحظة الراهنة الضاغطة براهنيتها. أي أنه يتم تناول الاستبداد وكأنه حالة طارئة على المسار التاريخي للعرب. هنا، يتجاهل العربي أن تاريخه الطويل هو تاريخ استبدادي، وأن الحكومات التشاورية الخافتة لم تخترق هذا التاريخ إلا في سنوات محدودة، وبتجارب بسيطة كاللمحات الخاطفة، بل هي – على إيجابيتها في سياقها – تجارب معلولة، يصعب انتزاعها انتزاعا كاملا من توصيفات الاستبداد؛ لأن مجرد وجود إرادة العدالة بمبادرات فردية؛ لا يعني عدم احتكار مصادر القرار العمومي الذي هو جوهر الاستبداد الحقيقي.

2 ولأن الاستبداد هو الأصل في (تاريخنا المجيد) الذي لم تخترقه إلا استثناءات نادرة، وغير واضحة، وفي كل الأحوال غير ديمقراطية، فإن هذا التاريخ (من حيث هو من أهم أصول الانتماء الهوياتي) قام بتشكيل العقل الجمعي ليكون عقلا مستبدا، وقام – أيضا – بتشكيل الواقع ليكون مصدرا لإنتاج الاستبداد من ناحية، وحالة ممكنة لتقبل المزيد منه من ناحية أخرى، ومن ثم لتطوير الحال الاستبدادية؛ لتتحول إلى طبائع راسخة في النفوس، تقابلها تشكلات راسخة في الواقع.
نحن في الحقيقة نريد الديمقراطية بعقل استبدادي، ونريدها في سياق واقع لا يستجيب للديمقراطية لطول ما ترسخت فيه مكونات الاستبداد. نحن لم نتخذ الخطوة الأولى للقطع مع الاستبداد؛ ليحق لنا الحديث عن الديمقراطية. لا زال تاريخنا الاستبدادي جميلا في أعيننا، ولا زلنا حائرين، نشتم استبداد الحاضر، ونحترم – إن لم نقدّس – استبداد الماضي؛ رغم أن استبداد الماضي أشد وأقسى، بل ورغم أن استبداد الحاضر – بكل ما فيه – لا يعدو أن يكون واحة حرية وعدالة؛ إذا ما قيس بذلك التاريخ الطويل الذي لم يكن مجرد حالة استبداد فحسب، وإنما كان مسيرة مهينة من الظلم ومن الطغيان اللامحدود، فضلاً عن الاستبداد.

3 إلى الآن، يُطالب العربي بالديمقراطية، رافعا شعارات الحرية. لكنه لم يحدد في الحقيقة ماذا يريد: هل هو يريد الحرية والديمقراطية لأجل الحرية والديمقراطية، أم هو يريدهما لأجل الرفاهية المتوقعة في حال تحققهما !. معظم الشعوب العربية تطالب بالديمقراطية، وفي تصورها العام الغائم أنها تطالب بمستويات الرفاهية الموجودة في دول العالم الأول، بل هي لا تنظر إلى هذه الرفاهية الموعودة بوصفها حلما يتحقق على مراحل متباعدة؛ جراء تفعيل الرؤى الديمقراطية في الواقع، وإنما تتصور أن إقرار الديمقراطية، ولو في مستوى تموضعها الشكلاني؛ كفيل بتحقيق الرفاهية في المدى الزمني المنظور، أي في حدود جيل واحد علىى أبعد تقديراتها.
المطالبة بالحرية – التي هي شرط الديمقراطية الأول – شيء، والمطالبة بمستوى معقول من الرفاهية شيء آخر. والحرية ليست مجرد شعار يرفع، بل هي رؤية إذا ما أريد لها أن تتموضع في الواقع، فإن لها اشتراطاتها التي قد لا يقبل معظم الناس بمعظمها.
نحن في العالم العربي، وبصرف النظر عن التفاصيل، نقف أمام تيارين: التيار التقليدي الذي يستمد وعيه ومجمل تصوراته من التراث، والتيار الحداثي التنويري الذي يستمد وعيه ومجمل تصوراته من التطورات التي شكّلت الحضارة المعاصرة، حضارة الديمقراطية. وهنا يأتي السؤال الأهم: ما نسبة جماهير هؤلاء إلى جماهير هؤلاء؟

4 بما أن تاريخنا وتراثنا وواقعنا – بكل مكوناته – معزز للاستبداد، ومعادٍ لأبجديات الرؤية الديمقراطية، وبما أن الجميع يعترف بأن الديمقراطية وافد غربي (بكل أبجدياتها: الفردية، المساواة، الأحزاب، فصل السلطات…إلخ)، وافد غربي تشكل واكتمل في مسيرة تاريخ الآخر، حيث التنوير والحداثة، وبما أن للتراث التقليدي العربي/ الإسلامي مناصريه، كما أن لتراث التنوير والحداثة مناصريه، فإلى أي مسار تتجه الشعوب العربية بوعيها، هل هي تتماهى مع تراث التنوير الذي صدرت عنه الديمقراطية، أم مع تراث تقليدي متشبع برؤى القهر والغلبة والاستبداد؟
وللتحديد أكثر، نحن في العالم العربي، وبصرف النظر عن التفاصيل، نقف أمام تيارين: التيار التقليدي الذي يستمد وعيه ومجمل تصوراته من التراث، والتيار الحداثي التنويري الذي يستمد وعيه ومجمل تصوراته من التطورات التي شكّلت الحضارة المعاصرة، حضارة الديمقراطية. وهنا يأتي السؤال الأهم: ما نسبة جماهير هؤلاء إلى جماهير هؤلاء؟
هل تتجه الجماهير بعقولها وقلوبها إلى ممثلي التراث الذي لا علاقة له البتة بالفلسفة الديمقراطية، أم تتجه بعقولها وقلوبها إلى تراث التنوير الذي تخلّقَت منه الفلسفة الديمقراطية؟
الديمقراطية ثقافة بالدرجة الأولى، وليست مجرد تشريعات مكتوبة على الورق، حتى وإن تحول المكتوب إلى مستوى التشكيل المؤسساتي. وإذا وعينا أن الديمقراطية ثقافة، فلا بد من التوقف عند حقيقة أن الجماهير العربية التي تجأر صباح مساء للمطالبة بالحقوق الديمقراطية، هي ذاتها الجماهير التي تنحاز انحيازا شبه كامل إلى ممثلي الثقافة التي لا علاقة لها بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد، بل إلى الثقافة التي يُصرّح معظم سدنتها أن الديمقراطية حرام، هذا إن لم تكن – في تصورهم غير المعلن – كفرا بواحا.
إذ، القبول بالديمقراطية في سياق الخطاب التقليدي – وخاصة عند الذين يمتلكون شجاعة التصريح بالقبول – هو قبول يجمع بين التقية والذرائعية والتلفيق (وقد أوضحنا في مقالات سابقة حقيقة الموقف السلبي من الديمقراطية عند كبار منظّري الحركات الإسلامية بالاستناد إلى أقوالهم الصريحة).

5 ما لا يفهمه العرب هو أن الديمقراطية ليست طبقا شهيا جاهزا يتم طلبه بالإشارة. العربي يتعامل مع الديمقراطية وكأنها علبة شكولاتة بيد ابن الجيران، يراها فيصرخ كالأطفال؛ يُريدها في الحال !.
إن الديمقراطية بناء مجتمعي قبل أن تكون بناء سياسيا. ومن هنا، فهي تحتاج إلى مستويات من التعليم الذي يرفع الوعي إلى الحد الأدنى/ المعقول، بينما االواقع يحكي أن الأمية تضرب أطنابها في عالم العرب، بل لقد وصلت الأمية النسائية في الريف المصري إلى أكثر من 80%، وهي في عموم الشعب المصري أكثر من 30%؛ فكيف تستطيع الديمقراطية أن تفعل وتتفاعل في واقع كهذا ؟!، مع التنبه إلى أن هذه هي نسبة الأمية الأبجدية، أي أمية (فك الحرف)، أما الأمية القرائية فأوسع من ذلك بكثير.
أيضا، تحتاج الديمقراطية لطبقة وسطى عريضة، وبالتالي إلى تراجع مستويات الفقر إلى نِسَب معقولة. وإذا كنا نُمثّل بمصر، فكيف يكون ثمة ديمقراطية حقيقية، في حين أن أكثر من أربعين مليون مصري يعيشون على أقل من دولارين في اليوم ؟!
إن هؤلاء مع هذا الفقر المدقع يمتلكون حق التصويت كمواطنين. وهذا رائع من حيث المبدأ. لكن يبقى أن الإغراءات المادية البسيطة والمباشرة التي يستطيع تقديمها رجال الأعمال لهذه الملايين (= نصف الشعب تقريبا)، كفيلة بقتل الديمقراطية بآليات الديمقراطية ذاتها.
وكما أن التعليم شرط، والطبقة الوسطى العريضة شرط، فكذلك ضمور الحضور لرجل القبيلة ورجل الدين شرط آخر. هناك جماهيرية واسعة لشيخ القبيلة ولشيخ الدين، وكلاهما يستطيع حشد ملايين الأصوات بعيدا عن أية قناعة بالبرامج الانتخابية. وهنا، كيف تكون حال الديمقراطية عندما تتجه الجماهير بالملايين إلى حيث يشير شيخ الدين أو شيخ القبيلة؟

ما قيمة الأصوات في مثل هذه الحال؟

لهذا، عندما نقول إن الواقع العربي يستعصي – في معظمه – على الديمقراطية، فنحن لا نحكم عليه من فراغ، وإنما من واقع الأمية المنتشرة فيه أكثر من أي مكان في العالم، ومن واقع الفقر المدقع الذي يفتك بقطاعات واسعة منه، ولأن نفوذ شيخ القبيلة وشيخ الدين أقوى من أية فكرة تنموية، ومن أي برنامج انتخابي، ولأن الوعي العام يتأسس على تراث لا زال لا يؤمن بحرية الفرد، ولا بمبدأ المساواة على أساس المواطنة؛ بصرف النظر عن الجنس والدين والمذهب والعرق..إلخ.
إذا أرادت المجتمعات العربية الديمقراطية حقا (وهذا حقها الإنساني من حيث المبدأ) فعليها أن تبدأ باستنبات الديمقراطية في العقول. وهذا لا يتم إلا عن طريق نقد الاستبداد التاريخي الذي صنع وعي الاستبداد، والذي لم يكن الاستبداد الراهن إلا ثمرة من ثماره. ونقد التاريخ لا يتوقف عن حدود نقد وقائع التاريخ، بل يتجاوزه إلى نقد التراث، وخاصة التراث الفقهي العام، وهو التراث الذي يقوم على التمييز على أساس الدين وعلى أساس الجنس، ومن ثم ينفي الشرط الأول للديمقراطية عندما ينفي المساواة بين المواطنين، فلا ديمقراطية دون مواطنة مدنية كاملة لكل المواطنين، رجالا ونساء، مسلمين وغير مسلمين، بحيث يجوز للجميع الانتخاب والترشح، ومن ثم تولي جميع المناصب بلا استثناء.
هذه هي الخطوات الأولى الصعبة، بل الصعبة جدا. أما محاولات التلفيق بين المعطيات التراثية القائمة على التمييز الجنسي والديني والمذهبي وبين شكلانية الديمقراطية، فستنتهي كل هذه المحاولات بوَهْم ديمقراطية، بديمقراطية استبدادية، بديمقراطية دكتاتورية، أي ستنتهي – في أحسن أحوالها – بهذه الديمقراطية التي نراها ماثلة في التجربة الإيرانية البائسة: ديمقراطية رجال الدين.

* كاتب وأكاديمي سعودي