الرئيسية / وجهات نظر / دبلوماسية المغرب الأفريقية المرنة
ff1081c09a14e340858d79bf35d9d306

دبلوماسية المغرب الأفريقية المرنة

انطلقت منذ أيام بالدار البيضاء فعاليات الدورة العشرين للمعرض الدولي للكتاب والنشر بمشاركة العديد من الدول. ويستقبل المعرض المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، «إكواس»، المكونة من 15 بلداً، كضيف شرف لدورته العشرين.‮ ‬وكان‮ ‬لي‮ ‬شرف‮ ‬إعطاء‮ ‬المحاضرة‮ ‬الافتتاحية‮ ‬لهذا‮ ‬المعرض‮ ‬الدولي‮ ‬الناجح‮ ‬في‮ ‬موضوع‮ ‬العلاقات‮ ‬الاستراتيجية‮ ‬بين‮ ‬المغرب‮ ‬وأفريقيا:‮ ‬التجليات‮ ‬والآفاق…
وذكرت في محاضرتي أن المملكة المغربية تتقاسم مع القارة الأفريقية التي تمثل امتدادها الطبيعي وعمقها الاستراتيجي، روابط حضارية عريقة وعلاقات إنسانية وجغرافية أيضاً.
وقد كان المغرب دائماً صلة وصل بين أوروبا وأفريقيا، فهو الذي نشر الإسلام في منطقة الساحل جنوب الصحراء عن طريق المذهب المالكي، وعن طريق الزوايا والجمعيات الدينية.
واستقبال العاهل المغربي لزعماء وقادة الزوايا الصوفية في العديد من الدول الأفريقية التي زارها ويزورها، تجسيد للروابط الروحية التي جمعت دائماً إمارة المؤمنين بكل المكونات الدينية الأفريقية التي تجد فيها ملاذاً وارتواء روحيين قل نظيرهما.
فالمملكة المغربية ظلت أرض الاستسقاء والتزود والإرواء الروحي، وقبلة لتكوين العلماء الأفارقة، وصدّر المغرب نموذجاً دينياً وسطياً معتدلاً مبنياً على ركائز مقبولة عند الخاص والعام، وانتشر المذهب المالكي في العديد من الأمصار والأقطار الأفريقية، كما تأثرت الدول الأفريقية بالكتابة العربية والرسم بالخط المغربي، كما أن مؤلفات العلماء المغاربة عرفت قبولاً في الصدور والأفئدة، ورواجاً لا يوصف.
ولتأكيد هذه العلاقة الوطيدة، كان المرحوم الحسن الثاني دائماً ما يستعمل صورة مجازية عن العلاقة التاريخية بين المغرب وأفريقيا، واصفاً المملكة على أنها شجرة تمتد جذورها في أفريقيا وأغصانها ترفرف عالياً في أوروبا.
كما خلق العاهل الراحل علاقات متميزة مع القادة الأفارقة، وقدم دعماً لا يستهان به لحركات التحرير الوطنية، كما كان المغرب، تحت حكم المرحوم الحسن الثاني، أحد مؤسسي منظمة الوحدة الأفريقية ‏OUA‮‬، ‮وشارك‮ ‬بشكل‮ ‬فعال‮ ‬في‮ ‬صياغة‮ ‬الميثاق‮ ‬الأفريقي.
ومنذ توليه العرش، قام العاهل المغربي بزيارات رسمية عدة فاقت العشرين، وسمحت هذه الزيارات الملكية بإعطاء نفس جديد للمبادلات وتقوية التعاون جنوب- جنوب.
فالمغرب بدأ يمأسس لقوة ناعمة في دبلوماسيته الأفريقية والدولية أكثر من أي وقت مضى بفضل الاستقرار السياسي الذي يعرفه المغرب وبفضل الإرث التاريخي… وهذه عوامل مقوّية للدبلوماسية المغربية.
ولعميد جامعة هارفرد جوزيف ناي، كتاب قيم سماه «القوة الناعمة: معاني النجاح في السياسات الدولية»، وأكد في أكثر من فصل بالحُجّة والإقناع على مزايا الدبلوماسية والقوة الناعمة التي تتأتى من الجاذبية الثقافية أو السياسية أو ما سواها، فلها قدرة كبيرة على تحقيق مردودية قصوى في الشؤون الدولية.
ويحسب لعقلانية الدبلوماسية المغربية، قرارها تكوين خمسمائة إمام مالي، وهذا هو أوج الاستثمار في بناء الدول المنهارة لتكوين العقول وحفظها من الضياع والارتماء في أحضان الإرهابيين الذين يأتون على الأخضر واليابس… فتكلفة حرب أميركا على العراق تعدت 800 مليار دولار، ولكن عش تكوين وتخدير من سيصبحون فيما بعد «الجهاديين» التكفيرين لم يفكر فيه إطلاقاً، ونرى اليوم الحالة المؤسفة التي وصل إليها العراق من حيث تعاظم أعداد الإرهابيين وشدة أذاهم.
وفي الأسبوع الماضي وعلى إثر زيارة رئيس الحكومة التونسي إلى المغرب، وافق هذا الأخير على تكوين وعاظ وأئمة تونسيين بالمغرب والاستفادة من التجربة المغربية في تسيير الشأن الديني، وهذه هي حقيقة الدبلوماسية والتعاون المشترك الثنائي ومتعدد الأطراف بين دول الجوار.
واستحضرت في محاضرتي الحكاية التاريخية المعروفة عند الذين يزاولون الكندو (‬طريق‮ ‬السيف) ‬والتي‮ ‬تعبر‮ ‬بجلاء‮ ‬عن‮ ‬نظرية‮ ‬القوة‮ ‬الناعمة:‮
– ذات يوم، دخل رجل يحمل سلاحاً وهو منهك القوى إلى مدينة صغيرة، ليبحث عن أكل وعمل – لم يجد شيئاً يقتات منه أو يشربه.
فإذا به يجد نفسه تجاه رجل مسلح يحمل سيفاً براقاً، وأعطاه موعداً الغد ليتبارزا في وسط المدينة وبحضور الخاص والعام.
– زائر المدينة استعلم عن ذلك الرجل، فوجده من أعتى المحاربين وأقواهم، وله قوة وتجربة لا يعلى عليهما، وهو من صناديد المحاربين بالسيوف والرمي، وشارك في الحروب وتصدى لكل الهجمات.
فذهب عند معلم الفنون الحربية في المدينة… فأمره بأن يصلي على نفسه صلاة الموت لأن الوقت غير كافٍ لتعلم فنون الحرب المتطورة ومجابهة المحارب، وطلب منه أن يقصد رجل دين حتى يتعلم الحكمة، فقصده ونصحه رجل الدين البوذي أنه في وقت المبارزة يجب عليه أن يبقى دون حركة أثناء القتال، وأن يغمض عينيه وأن يقرأ صلاته المعتادة ويحرك بها شفتيه بصوت غير مرتفع.
فلم يفهم الزائر شيئاً وظن أنه قد كتب عليه مسبقاً موت سريع، فغاظه ما سمعه من نصيحة إلا أن رجل الدين البوذي قال له هذه هي الوسيلة الوحيدة لتبقى على قيد الحياة.
– وفي وقت المبارزة، تعجب المحارب من ردة فعل الزائر، رجل يغمض عينيه وجالس بدون حركة يتمتم صلوات غير مفهومة، فبدأ يفكر المحارب لأنه كان ذا فكر، فالزائر 1) إما أن يكون أحمق. 2) أو أنه رجل انتحاري. 3) أو أنه رجل قوي جداً.
-«فإذا كان أحمق، فهذا لن يزيد من قوتي وشهرتي في شيء، وإذا كان انتحارياً فسيكون من الحمق مساعدته على ذلك، وإذا كان قوياً جداً، فقد يودي بحياتي إلى التهلكة». فكانت نتيجة ذلك أن الزائر استقر نهائياً وبرخاء في المدينة الصغيرة، وعاش حياة مديدة.
هذه القصة المعبرة لفلسفة سوان تزو ‬عن‮ ‬فن‮ ‬الحرب‮ ‬تعبر‮ ‬عن‮ ‬العبقرية‮ ‬في‮ ‬الاستراتيجية‮ ‬الحربية‮ ‬كما‮ ‬في‮ ‬الدبلوماسية‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬مكوناتها.
“الاتحاد” الاماراتية