الرئيسية / وجهات نظر / موريتانيا بين وهم الثورات وحقيقتها
1706b33fef7712ba31cca5e36abb2536

موريتانيا بين وهم الثورات وحقيقتها

هل من دوافع أيا كانت ترغم الموريتانيين على استيعاب “ثورات” الربيع العربي، إن كانت حقا كذلك؟
وهل من أسباب موضوعية ترغمهم هي أيضا على تبني هذه “الثورات” نهجا للمطالبة بالإصلاح عندنا وإن هو بمنطق الأشياء على درجة عالية من الإلحاح؟
وهل لخصوصيات الموريتانيين قوالب مقننة أم هي إلا ضربا من السراب الذي يحسبه الظمآن ماء؟
فما هي هذه الخصوصيات و ما طبيعتها؟
و إن تأكدت هذه الخصوصيات فهل هي من النوع المرن المتفتح و الآخذ بأسباب التطور أم من الجامد المتحجر الذي لا تحيط به بوادر و أسباب التحول ولا تأخذه سنة التغيير؟
وهل سيظل المجتمع الموريتاني عرضة لهزات الزلازل التي تبعد عنه مراكزها آلاف الأميال و تختلف في العمق تضاريسها و أسبابها؟
ولأن فصوله خالية من أي ربيع يدعوهم إلى حرقه فهل أن بنار صيفهم ما بالماء من بلل حزنا حتى يضرموه بأشد ما يكون؟
أسئلة متعددة لهم واحد في مجمل أوجهه يتعلق بخلل قاتل في فهم ماهية الدولة الحديثة و سبل بنائها محصنة من عاهات البناء و ممتنعة على روافد القلاقل و الاضطرابات و البلابل و أشباه الثورات و دعاة الحروب الأهلية.
أسئلة منهجية أيضا لا بد من تناولها في المحافل السياسية و داخل الأوساط الطلابية و في جسم المجتمع المدني لتكشف الستار عن محاسنها ولتدرجها بعدا كجزء من العطاءات المتعددة التي تشكل فسيفساء الوعي المدني المتحضر من ناحية و مساوئها التي ورطت بلدانها في متاهات الاضطراب و البحث عن حلول غير مدركة الأوجه لمعضلات متولدة عن اختلاط الأوراق على كل أطراف الوضع القائم.
ثلاثة و خمسون سنة مضت سريعة منذ الإعلان عن استقلال البلاد و قد ظلت فيها العقلية العامة للموريتانيين صامدة صمود الحجر في وجه التغيير لا تكاد تبرح مكانها و كأن جمودها “لغة متعمدة” تخاطب منطق الزمن بما يناقض حركيته إن لم تكن تتحداه في حيزها المتحجر.
و إن المتابع و المتأمل مليا في السير البطيئ لوتيرة الالتحام بمنصة “العولمة” لن يجد في البحث كثيرا عن الموانع التي تحول دون ذلك بلا غضاضة، و لن يجد كذلك مسوغا للسكوت على حالة الشذوذ هذه في عالم تَجمع على اتساعه و رغما عنه في قرية كونية صغيرة و قد أفضى في بوح شفيف بكل مكنوناته و خباياه لترتسم جلية للطموحين أسباب النهضة و بناء الذات الجديدة.
و لا شك أن موريتانيا الموجودة كيانا و معنى على الخارطة الكونية منذ ثلاثة و خمسين سنة ما زالت غير قادرة على استيعاب هذه الوضعية التي تقاسمت نشأتها و قيامها عواملُ:
متناقضة و متداخلة
و متكاملة مقصودة و مرتجلة،
تاريخية و ظرفية و آنية،
جمعتها كلها في حلقة تاريخية فريدة في العالم كله.
و لقد استطاع بالفعل الاستعمار الفرنسي الذي قادته “مغامرة الأطماع” إلى حدود هذه البلاد من جهتين تشكلان بحد ذاتهما بعدين و خطين حضاريين مختلفين و متوازين هما خطي المغرب العربي متمثلا في الجزائر و المغرب و الإفريقي في مالي و السنغال ليرسم لنفسه فهما حضاريا جديدا يبني عليه تكتيكا استراتيجيا تحكميا استعماريا بمنطق جامع اسماه بكل دهاء و عن قصد استشرافي “الخط الموحد” أو الرابط الموحد مستنبطا إياه من متن لغته و عمق أدائها حيث بعض الكلمات لا تتشكل فيها و لا تكتسب في أدائها أقوى المعانى و عمق الدلالة و انسيابيتها إلى الوجدان فيها إلا بربط أو تركيب جزأين لفظيين بخط موحد يدعى (Trait d’union) ليوحد المعنيين.
و هي التسمية التي أوحت، فيما بعد، لأول رئيس للجمهورية الناشئة المرحوم الأستاذ المختار ولد داداه أن يحول هذا الاستنباط من لغة المستعمر إلى لغة القوم و وعاء الملة مستوحيا هو كذلك و ممتحا من عمق دلالاتها و صفاء موردها ازدواجية المحمل لفظا و غاية للبناء التاريخي الممحص و الدلالي الوارد حتى يحل و يقوم مقام المعنى التعسفي المفروض في كنف الخصوصية الحقة و التميز البارز، فجاءت الترجمة على نقيض الإيحاء الأول بأن واقع البلد إنما يشف و يرقى في سموه إلى مقام “همزة” الوصل لا خطه أو ربطه أو توحيده القسري من قصور في استجلاء المعنى و عسر في تقدير المقصد.
و مهما كانت البلاد “خطا موحدا” أو “همزة وصل” فإن الأمور قد أخذت بهذا الوصف مسارا تضمن منذ الوهلة الأولى بوادر التنافر و بذور الانقسام إذ لم ينل ما كان يستحق في ذلك الوقت المبكر من توجه مبدئي إلى تهيئة العقليات للنمط من التفكير الوحدوي الذي تتطلبه المرحلة الجديدة بكل المقاييس، و إذ لم تقم في وسط الذين أخذوا على عواتقهم قيادة البلد المولود لتوه كما لم يبادروا بالقضاء على الفوارق الاجتماعية عمليا بشمولية التعليم و إعداد الجميع لأداء أدوارهم في جوقة موحدة على أساس بين من إرغام الرجعيين و الإقطاعيين.
و تولد عن ميلاد الدولة بهذا الوضع المهزوز و المغاير لمتطلبات المرحلة الجديدة و الدولة المركزية الناشئة للجميع وضع حمل كل جينات الماضي. و لما كانت مجريات التاريخ لا تعود إلى الوراء فإن التحولات التي عرفتها البلاد لم تسلم من شوائب هذا الماضي. و بطبيعة الحال فقد شكلت هذه الشوائب أسباب التصادم الفكري الذي يأخذ في الاتساع و التشعب و لا يجد على المنابر و في واقع التحول ما يبشر عمليا بالتناول المطلوب و التوجه إلى توحيد الرؤى و التوجه إلى الحلول التي تبارك مسار دولة القانون للجميع.
هي إذا خصوصيات موريتانيا التي لا علاقة لها بالثورات العربية الملتهبة بدوافع سياسية تخص بمسبباتها شعوب تلك البلدان التي ألهبت ربيعها. كما هي الخصوصيات أيضا التي لا علاقة لها بصيف دول القارة السمراء القائظ من فرض الاحتكاكات في داخل مجتمعاته على خلفيات تتراوح بين السياسي المحض و البنيوي المطلق.
فهل يفرق الموريتانيون بين شأنهم و اختيار المعالجات التي تنطلق في أساسها و تصوراتها من رؤاهم و قدراتهم الذاتية وبين شؤون غيرهم وما يترتب عنها من دوافع و معالجات حادة تذهب في بعضها إلى حد المجازفة بالأمن والاستقرار والتفريط في الممتلكات و المساس بالثوابت والخصوصيات؟
“أقلام” الموريتانية