الرئيسية / وجهات نظر / نهائي تونس- مصر… سياسياً!
c134e098a8f1587051168b874b808379

نهائي تونس- مصر… سياسياً!

في المناقشات التي لا تهدأ عن «الربيع العربي»، كان الإخوة التونسيون يشعرون بالإحباط فيما يتعلق بالتغطية الإعلامية لما يحدث عندهم وما يحدث في مصر. كان اللوم المتكرر، وباختصار شديد، هو أن تونس هي من أشعل ثورة «الربيع العربي» حرفياً، عندما أشعل أحد شبابها النار في نفسه في ديسمبر 2010، ثم تفجرت المظاهرات التي انتهت بهروب بن علي إلى المملكة العربية السعودية في يناير 2011. بل يضيف بعض هؤلاء الزملاء بحماس شديد: إن نجاح ثورة الشباب التونسي في التخلص من رئيسهم السابق بهذه السرعة والسهولة، كان عاملا حاسماً في إنجاح ثورة الشباب المصري بعد عدة محاولات باهتة وفاشلة، فقد أعطاهم الأمل في أن هزيمة الحكم السلطوي ممكنة. ولذلك كان إحباط الزملاء التونسيين شديداً وهم يرون تركيز الإعلام العربي الإقليمي والدولي على «الربيع العربي» في مصر وما يرونه تهمشياً وتجاهلاً للتجربة التونسية الرائدة.
وبالرغم من تعاطفي مع هؤلاء الزميلات والزملاء، كنت أشرح لهم أن التركيز على مصر لا يعني بالضرورة إهمال تونس أو تهميش دورها، ولكن لأن مصر هي الجزء الأكبر من المنطقة العربية، فمن ناحية السكان هي حوالي تسعة أضعاف سكان تونس، كما أن موقعها الجغرافي كحلقة وصل بين مغرب العالم العربي ومشرقه يُعطي القطر المصري وضعاً مميزاً. ويضاف إلى كل ذلك بالطبع الإشعاع الثقافي والإعلامي المصري منذ إذاعة صوت العرب. ففعلا كانت تونس شرارة «الربيع العربي»، لكن قَدَر مصر هو أن تكون بوصلته.
يعود الآن بعض القادمين من تونس بنوع من الزهو، ليذكروني أنه بالرغم من أن البدايات كانت متشابهة بين مصر وتونس، فإن المسيرات الآن تختلف. فبالرغم من بعض التعثر الذي تشهده التجربة التونسية، فإنها مقارنة بالمرحلة الانتقالية في مصر هي فعلاً أقل دموية وتبدو مؤسساتها أكثر استقراراً. فمثلا حكم مصر رئيس لمدة 30 عاماً، لكن في ٍأقل من عامين يتوالى عليها رئيسان، ثم هناك الانتخابات البرلمانية ثم حل المجلسين اللذين انبثقا عنها، وهناك الاستفاءات الدستورية الثلاث والتي يبدو أنها لا تحسم المرحلة الانتقالية، سواء بسبب أسلوب إعدادها أو طبخها كما هو الحال في دستور 2012 أو بسبب امتناع الشباب وآخرين عن الاشتراك في التصويت كما هو الحال في دستور 2013.
عشية الانتخابات الرئاسية المصرية يبدو فعلاً أن تونس أحرزت بعض التقدم في مرحلتها الانتقالية مقارنة بمصر، لماذا إذن؟
هناك أربع نقاط رئيسية أسوقها في عجالة:
1- ليس فقط بسبب التفاوت في الحجم بين البلدين، ولكن جذور الفكر الليبرالي في تونس أكثر رسوخاً. فقد كان أول رئيس لجمهورية تونس -الحبيب بورقيبة- صلباً في ليبراليته حتى الإفراط وبشكل علني، حيث كان يهاجم تعدد الزوجات ويفرض عليه القيود وصولا إلى حظره، وكان يعترض على ربط الشرف بغشاء البكارة وإعلان ذلك على الملأ ليتم الزفاف، بل إنه ذهب في أحد أيام رمضان إلى إعلان تفضيله إنجاز العمل على الالتزام بالصوم، وشرب كوباً من الماء أمام مشاهديه في التلفزيون أثناء النهار. ولا تزال بعض هذه الأفكار متغلغلة عند بعض التونسيين.
2- تقدمت تونس أكثر من مصر بكثير في القضاء على الأمية، حيث بلغت أعداد المتعلمين في تونس ثلاث أضعاف عددهم في مصر.
3- القوى السياسية والاجتماعية في تونس تختلف عنها في مصر، فمثلا بالرغم من أن القوات المسلحة في البلدين لعبت دوراً حاسماً في التخلص من زين العابدين ومبارك، إلا أن مركزية القوات المسلحة استمرت في مصر بعكس تونس، حيث تولى المجلس العسكري السلطة بعد تنحي مبارك وحتى وصول مرسي، أي حوالي عام ونصف، ثم قامت القوات المسلحة بحسم الموقف في 3 يوليو وعزل مرسي. ومن أبرز المرشحين وأكثرهم احتمالية بالفوز المشير السيسي، وزير الدفاع. وتتعارض هذه المركزية في مصر مع شبه الاختفاء العلني للقوات المسلحة في تونس من المسرح السياسي.
4- دور الإعلام السياسي: وهذا موضوع يطول شرحه، فمع ضيق المساحة يكفي القول إنه إذا كانت جماعة «الإخوان المسلمين» قد احتكرت السلطة وتصرفت كجماعة وعشيرة أكثر منها كحزب سياسي يسعى لائتلاف وطني، فقد حرصت حركة «النهضة» -رغم فوزها في الانتخابات البرلمانية- على عدم احتكار السلطة، بل كانت جزءاً من ترويكا مع حزبين آخرين، ثم تنازلت عن هذه السلطة عندما اشتدت المعارضة، وهذه هي المرة الأولى التي يتنازل فيها فصيل إسلامي عن الحكم سلمياً.
وسيستمر التنافس التونسي المصري، وهو تنافس صحي على كل حال.
الاتحاد” الاماراتية