الرئيسية / وجهات نظر / الواقعية في تصوير وتقييم الأحداث
43830d222d2f0ffac3d237f532397f2f

الواقعية في تصوير وتقييم الأحداث

بعد توقف العدوان على فلسطين كان لزاماً على الفلسطينيين تقييم هذه الأحداث التي رافقت العدوان بواقعية مجردة وبعيداً عن الأحلام وعن سعة الخيال وبعيداً عن عالم الغيبيات، فلندع الغيبيات لله ونعمل ونعقل ونتوكل في إطار الواقع، ويجب عدم تكبير وتضخيم الإيجابيات لإستغلالها في مقاصد فئوية ومصالح خاصة بعيداً عن المصلحة العليا للوطن والمواطن. ويجب استنباط العبر والخروج بالإيجابيات والسلبيات التي رافقت هذه الأحداث للإنطلاق الى المعركة السياسية لاستثمار الإيجابيات كورقة في المفاوضات وتلافي السلبيات والبعد عن المهاترات في إطار تنافس ذاتي غير شريف وذلك لإثبات الأحقية في قيادة المجتمع. وفي منظور ضيق لفرز الأطياف السياسية الفلسطينية بين وطني شريف وخائن متآمر.
القضية الفلسطينية بتعقيداتها يكتنفها وجهات نظر مختلفة على الأساليب المشروعة في تحقيق الهدف الوطني الموحد والواحد للجميع.لأن المجتمع الفلسطيني بطبيعته السياسية متعدد الأطياف ومتنوع الفكر والعقيدة، ولا يمكن أن يكون طيفاً واحداً كقطيع من الماشيةيأتمر بإرادة الراعي ويساق بدون استفتاء للرأي والمشورة. وتلك فطرة الله في خلقه، ليكون للحياة معنىً وليكون للعقل البشري الذي ميزنا الله به قيمة ومعنىً. ولحل العقدة والخلاف في وجهات النظر أوجد الله الحوار باللتي أحسن وعلى كلمة سواء ليكون حلاً مبنياً على الإجتهادات الفكرية المشروعة. وكل اجتهاد عقلي في حل معضلة ما يجب أن يحظى بالتقدير والإحترام وبالدراسة وأن يتم وزنه بميزان العقل فإما أن يكون مصيباً أو يكون مخطئاً. ولكل مجتهد نصيب، حيث ورد في الحديث النبوي الشريف “من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر”.
إن من إيحابيات وإنجازات الحرب الأخيرة ما يلي:
– وحدة الموقف الفلسطيني والتي على الرغم من اختلاف وجهات النظر حيال الأحداث إلا أنها كانت متلاحمة مع المقاومة الباسلة، وموحدة على المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني في وفد مفاوضات واحد لأول مرة. مما أفشل الهدف الأول من العدوان الإسرائيلي على فلسطين. وتم الإتفاق على وقف إطلاق النار مع منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة بأطيافها ومتناغماً معها الأطياف الإسلامية التي ما زالت لا تغرد في سربها. ونأمل أن لا تكون هذه الوحدة طارئة ولدت قيصرياً مع حدث طارئ. وأن تستمر لتكون رافعة لجهود المفاوض الفلسطيني.
– تضامن جناح الوطن في الضفة الغربية بكل فئاته مع الجناح الجريح في القطاع على الرغم من الجراحات المشتركة تحت الإحتلال. وتدفق الطواقم الطبية والمساعدات بكل أنواعها من الضفة الى القطاع، واحتضان الضفة للجرحى وتوليد الشعور لديهم بأنهم وسط أهلهم. وباختصار إقتسام الهموم والشهادة ولقمة العيش مناصفة بين الجناحين على الرغم من شح الموارد وضيق ذات الحال.
– إحداث ردع نوعي في عقل الجيش الإسرائيلي والقبادة الإسرائيلية على الرغم من عدم تكافؤ موازين القوى والبون الشاسع بين الأسلحة الفلسطينية التقليدية والبسيطة وبين القوة المدمرة للكيان الصهيوني، وسوف تفكر القيادة الإسرائيلية طويلاً في محاولة العدوان مرة أخرى على أي مدينة فلسطينية أو عربية كما إعتادت سابقاً. نظراً لما تكبدت من خسائر إقتصادية فادحة على هوامش هذا العدوان الشرس.
– الفشل العسكري الميداني الإسرائيلي والذي بدا واضحاً في بنك أهداف مدنية من المدنيين العزل ومن البيوت والمساكن ومرافق الحياة. وبالمقابل ما تكبده العدو من خسائر بشرية في العساكر والجنود تعتبر في نظرهم فادحة.
– فضح وحشية الجيش الإسرائيلي في استهداف المدنيين العزل من أطفال ونساء وشيوخ تلك الفئات التي دفعت القسط الأكبر ثمن هذه الحرب من أرواحها ودمائها. وكذلك في استهداف المساجد والمستشفيات والمدارس والمساكن والشجر والحجر في إعادة واجترار لجرائم النازية. مما أحدث مزيداً من التعاطف مع القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وبرهنت ذلك المظاهرات الحاشدة في معظم أنحاء العالم دون استثناء.
– تحريك ملف القضية الفلسطينية واستدعائه من الأرشيف في مخازن الأمم ليكون في الواجهة وعلى صفيح ساخن من القتل والدمار الذي تعرض له الشعب الفلسطيني في الضفة اولاً وغزة تالياً. واقتناع المجتمع الدولي عدا اسرائيل والولايات المتحدة بإيجاد حلول جذرية تقوم على إنهاء الإحتلال.
تلك أهم الإيجابيات والإنجازات التي لا ترقى في تقييمها الحقيقي الى حد الإنتصار، لكي لا نوهم شعبنا باقتراب النصر الذي يعتبر في المنظور الواقعي ما زال يحتاج الى مزيد من العمل المقاوم على الأرض والعمل السياسي الدؤوب الموازي للعمل المقاوم بكل أشكال المقاومة الرشيدة الحكيمة طبقاً لظروف المكان والزمان وبالقرار الوطني الفلسطيني المستقل المجمع على شكل المقاومة وأسلوبها بما يحفظ الكرامة لشعبنا، ويحقن دماءه بقدر الإمكان ويرسخ بقاءه على الأرض الفلسطينية مواكباً للتقدم في مجالات العلم والحضارة والرقي في الثقافة والفنون التي لا غنىً عنها في معركة الحرية والإستقلال. ولكنها إنجازات تضاف الى تراكمات الإنجازات الفلسطينية التي حققتها الثورة الفلسطينية المعاصرة التي انطلقت عام 1965م ومهدت الطريق وعبدته لكل مقاوم وطني شريف يمارس عليه وطنيته وحبه للشهادة في سبيل الله. وتعتبر خطوة الى الأمام على طريق تحقيق الأهداف الوطنية شريطة حفاظنا على وحدتنا الوطنية التي تحققت أثناء العدوان كأهم الإنجازات المتحققة.
وتلك السلبيات التي نتمنى أن لا تتكرر في صراعنا القادم مع الخصوم:
–  كان الثمن لهذا العدوان غالياً وغالياً جداً ومكلفاً في الأرواح والممتلكات والمقدرات، وكان التدمير فظيعاً ووحشياً، سيمتد أثره على البيئة وعلى السكان مستقبلاً. فكل القنابل التي سقطت على قطاع غزة بآلاف الأطنان فيها من اليورانيوم والعناصر المشعة التي ستلوث الأرض والأجواء. كما وأن الإعاقات في صفوف المصابين والجرحى كثيرة ربما تصل الى أربعة آلاف إعاقة مستديمة تحتاج الى ثمن مكلف لعلاجها ورعايتها مستقبلاً. وما تركته الحرب من تأثيرات نفسية وإجتماعية بالغة على الأطفال والنساء والشيوخ والمجتمع الفلسطيني في القطاع تحتاج الى ثمن مكلف لإستعادة الروح فيها. وربما كان بالإمكان حقن هذه الدماء بمزيد من الحكمة السياسية والبعد عن تجاذبات المحاور المتنافرة التي ألقت بظلالها على الأحداث ولكن ما حدث حدث ولا عودة للوراء.
–  وجود اختراقات أمنية في صفوف الفصائل الفلسطينية، حيث كانت اسرائيل وبعد كل تمديد للهدنة تصيب أو تخطيء هدفاً وكانت خسارة القادة العسكريين الثلاثة الأفذاذ يرحمهم الله ( الشهداء – رائد العطار ومحمد ابو شمالة ومحمد برهوم) مؤلمة وموجعة  حيث كانوا يمثلون صفوة الهرم القيادي للمقاومة في كتائب عز الدين القسام.
– التصريحات السياسية غير الموزونة التي صدرت عن قادة سياسيين فلسطينيين أضرت بالموقف الفلسطيني وستضر به مستقبلاً في حال التحقيق بالجرائم الإسرائيلية المرتكبة ضد شعبنا وخاصة فيما يتعلق بالإعتراف ضمناً بإختطاف المستوطنين الثلاثة حيث كانت هي الشرارة في إشعال العدوان على شعبنا في الضفة القطاع.
– الإعدامات العلنية الجماعية لمجموعة كبيرة من العملاء أمام الكاميرات والتلفزة العالمية، وهذا يضر بالسمعة الفلسطينية أمام العالم من حيث إعطاء فكرة عن حجم التعامل مع العدو مما يسيء للسمعة الوطنية للشعب الفلسطيني ويتناقض مع حجم التضحيات وقوافل الشهداء، كما أنه لا يعكس معنىً حضارياً عن رقي وعدل العقل الفلسطيني ويعتبره العالم خرقاً فاضحاً لحقوق الإنسان. كان من المفروض أن تتم محاكمتهم وتوثيق اعترافاتهم والإستفادة منهم للوقاية مستقبلاً من هذه الظاهرة وذلك بالبحث في أسباب وكيفية تورطهم في هذا الطريق الموحل. حيث أن العدو يستخدم أساليب ماكرة للإيقاع بابناء شعبنا دون أن يقصدوا سلوك هذا الطريق الوعر والمهلك. ونحن شعب تحت الإحتلال يرتبط جزءُ كبير من مصالحنا معه شئنا أم أبينا، ونتشابك معه لذلك يجب على أقل تقدير أن نوفر القوت والحياة التي تكف الناس عن هذا الطريق.
– كان من المفروض الإستعداد لمثل هذه الحرب توازياً مع حفر الأنفاق لتأمين العسكريين أن يتم تأمين أبناء شعبنا من المدنيين العزل من الهلاك وذلك ببناء ملاجيء للمواطنين وعدم تركهم مكشوفين لطائرات الفانتوم والمدفعية والصواريخ. ولو تم ذلك ربما كانت الخسائر أقل بكثير.
– كان مفروضاً من البداية أن يعلم الفلسطينيون أنه لا حل للأزمة ولا فك للحصار بدون مصر مهما كان حجم وثقل  الضغوط من أية أطراف مناوئة لمصر، وكانت الفرصة مواتية لترميم علاقة متوترة بين مصر وأي فصيل لأن مصر هي رقم صعب في معادلة الصراع.
نأمل أن يتم الإستثمار الأمثل للإنجازات وأن يتم تلافي السلبيات وأن نحافظ على وحدتنا الوطنية فعلاً لا قولاً إذ بدونها سنخسر وسنهدر كل الإيجابيات. ويجب أن لا تنسينا نشوة وسكرة الفرح بالإيجابيات ردم الهوة العميقة التي أحدثتها السلبيات وأن لا نغفل عن تضميد جراحات المنكوبين من أبناء شعبنا من جراء العدوان الهمجي.