الرئيسية / وجهات نظر / ما يربط بين السنوات الـ15 من حكم محمّد السادس
ac4ba1c5fb1508683a99f4c747620278

ما يربط بين السنوات الـ15 من حكم محمّد السادس

من يزور المغرب هذه الأيآم، في الذكرى الـ15 لاعتلاء الملك محمد السادس العرش يكتشف أنّ هناك خيطا يربط بين كلّ الأحداث التي شهدتها المملكة منذ اليوم الأول لخلافة محمّد السادس والده الحسن الثاني. هذا الخيط هو الإنسان المغربي والإهتمام به. سنة بعد سنة يزداد المغرب انسانية، خصوصا أنّ العاهل المغربي يعتبر أنّ الحرب الأهمّ التي يجب على الحاكم خوضها هي الحرب على الفقر.
كان الإنسان المغربي محور خطاب محمّد السادس في مناسبة الذكرى الـ15 لإعتلائه العرش. كان الإهتمام بالإنسان العامل الذي دفعه إلى مزيد من الصراحة والشفافية في تناول الوضع في المملكة. بلغة الأرقام، تحقّق الكثير في السنوات القليلة الماضية. هذا ما تؤكّده كلّ المنظمات الدولية المعنية بالتنمية والإقتصاد. ولكن بلغة محمّد السادس يجب التساؤل “هل اختياراتنا صائبة وما هي الأمور التي يجب الإسراع بها وتلك التي يجب تصحيحها؟ ما هي الأوراش (الورش) والإصلاحات التي ينبغي اطلاقها؟”
لا يتردّد ملك المغرب في القول: “إذا كان الإنسان يعتقد أنّه دائما على صواب أو أنّه لا يُخطىء، فإنّ هذا الطريق سيؤدي به إلى الإنزلاق والسقوط في الغرور”. نعم، يحذّر محمّد السادس من الغرور الذي هو آفة الآفات، خصوصا بين الحكام العرب. لا يكتفي بذلك، بل يطرح اسئلة من نوع مختلف مثل “ماذا فعلنا بما حقّقناه من تقدّم؟ هل ساهم ذلك فقط في زيادة مستوى الإستهلاك، أم أنّنا وظفنا ذلك في تحقيق الرخاء المشترك لكلّ المغاربة، وإلى أي درجة انعكس هذا التقدّم على مستوى عيش المواطن؟”
يظلّ المواطن هاجس العاهل المغربي. يهمّه أمن المواطن والإسقرار في المغرب نظرا إلى أنّ “الأمن والإستقرار هما اساس الإنتاج والثروة”. هذا لا يمنعه من التساؤل مجددا “أين هي هذه الثروة، هل استفاد منها جميع المغاربة أم أنّها طالت بعض الفئات فقط؟”.
لم يترك محمّد السادس مناسبة عيد العرش تمرّ من دون أن يظهر مجدّدا إهتمامه بكلّ ما يهمّ المواطن. كشف أنّه متابع لكلّ ما يدور في الأوساط المغربية خارج المملكة وداخلها. كرّم صحافيا مرموقا يعمل في لندن خدم دائما بلده وكان صادقا في تأدية مهمّته ومخلصا لرسالته. كرّم الزميل حاتم البيطوي بوسام. في الوقت ذاته، لم ينس فتاة مغربية تفوقّت بشكل مذهل في دراستها الثانوية في فرنسا وكان بين الذين صفّقوا لها وهو يقلّدها وساما.
يتابع محمّد السادس كلّ مشروع بوشر بتنفيذه في المغرب، إنّه يعرف تماما ما تحتاجه المملكة. يعرف خصوصا أنّ الإصلاحات لا يمكن أن تتوقف وأن دستور 2011 الذي أقرّ في استفتاء شعبي كان دليلا على أنّ الملك يتجاوب مع ما يطمح إليه المغاربة إضافة إلى أنّه يعمل يوميا على أن يكون البلد بلد اعتدال بعيدا عن أي نوع من التطرّف. ولذلك شدّد على “النهوض بالتنمية البشرية وتأهيل المجال الديني وتأطيره ضمن منطق التاريخ”.
من الواضح أنّ لا عودة إلى خلف في المغرب. لا تراجع أمام الذين ينادون بالتطرّف ويروّجون له. هذا الموقف من التطرّف والمتطرفين ومن رجال الدين الذين يزجون نفسهم بالسياسة لا يستطيع أن يتخّذه سوى ملك واثق من نفسه. محمّد السادس واثق من نفسه ومن المغاربة إلى درجة يستطيع فيها الكلام عن “وقفة تأمّل وتساؤل مع الذات بكلّ صراحة وصدق وموضوعية”.
هناك باختصار ملك متصالح مع نفسه ومع مواطنيه. أن يكون محمّد السادس متصالحا مع نفسه ومع مواطنيه يسمح له بالتحدث عن الجزائر داعيا إلى اعادة فتح الحدود بين البلدين وهي مغلقة منذ عقدين. قال في هذا المجال “مهما كان حجم الخلاف، فإنّه لا يبرّر استمرار اغلاق الحدود؟”. هل في الجزائر من يسمع هذا الكلام ويتجرّأ على مواجهة الواقع بدل الهرب منه استنادا إلى حسابات لا علاقة لها بأيّ منطق من أيّ نوع كان؟
كان ملفتا في الخطاب الإشارة إلى أهمّية تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والصين من دون الإشارة إلى فرنسا التي تبدو سياستها الخارجية المتذبذبة هذه الأيّام أقرب إلى حال الضياع من أيّ شيء آخر.
يلعب المغرب في هذه المرحلة الدور الذي اعتاد أن يلعبه تقليديا. إنّه يعمل من أجل الإستقرار في المنطقة كلّها، خصوصا في ظل التحدّيات الكثيرة التي تواجه دولها. يزداد حجم هذه التحدّيات التي تفرض نفسها بقوّة في ضوء ما تشهده ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي. باتت ليبيا بكل بساطة مخزن سلاح ورجال للإرهابيين والمتطرفين. باتت ليبيا تشكّل، مع الوضع في منطقة الساحل، تهديدا لأمن دول شمال افريقيا. لا يقتصر التهديد على الدول التي لديها حدود مشتركة معها. مثل هذا التهديد يفرض تعاونا إقليميا أوسع بدل الإهتمام في كيفية تسجيل نقاط على المغرب كما تفعل الجزائر التي تؤوي عناصر جبهة “بوليساريو” التي ليست سوى اداة في خدمتها. تستخدم هذه الأداة في شنّ حرب استنزاف على المغرب لا هدف لها سوى الإساءة من أجل الإساءة، اللهمّ إلّا اذا كان مطلوبا الإعتراف بأنّ الجزائر، من خلال القدرة على الإيذاء قوة اقليمية…
لم تنقص محمّد السادس الجرأة لتسمية الأشياء بأسمائها وتأكيد الثوابت المغربية، على رأسها أنّ “الصحراء قضية كلّ المغاربة وأمانة في أعناقنا جميعا” داعيا إلى “مواصلة اليقظة” لإفشال مخططات الأعداء. وهذا يعني في طبيعة الحال أن هناك استعدادا لتسوية تاريخية لقضية الصحراء على اساس مقترح الحكم الذاتي الذي لا وجود لخيار واقعي غيره على الطاولة.
لا يعني الإنفتاح والإعتدال ضعفا. تلك الرسالة التي يمكن فهمها من خطاب محمّد السادس. فالمغرب، بعد الذي حقّقه على الصعيد الداخلي، قويّ ما فيه الكفاية للعب الدور الإيجابي الذي يفترض أن يلعبه. هذا الدور يتجاوز شمال إفريقيا إلى القارة السمراء كلها. إنّه دور يصبّ في نهاية المطاف في تحصين المغرب والإنصراف أكثر فأكثر للتركيز على الحرب على الفقر التي هي حرب يومية لا مفرّ منها من أجل تأمين مستقبل أفضل لمملكة قرّر ملكها أن يذهب إلى أبعد الحدود في الشفافية والصراحة مع مواطنيه.
” ميدل ايست أونلاين”