الرئيسية / وجهات نظر / الاتحاد الإفريقي وخفايا الصراعات
2fabef9f8fb531cffe05d2bde5e5af92

الاتحاد الإفريقي وخفايا الصراعات

أصبح التقارب بين الشعوب المختلفة ضرورة تفرضها التحديات الهائلة في هذا العصر، وأبرز تلك التحديات هي التعايش الآمن، والتعاون لتحقيق مصلحة الشعوب كافة؛ فتوفير الغذاء والماء والطاقة تعد من الأمور الأكثر إلحاحاً، والتي باتت تؤرق الحكومات في كل مكان على هذه الأرض . وكانت قارة إفريقيا، ولا تزال، أكثر قارات العالم فقراً وبؤساً، وقد لعب الاستعمار الأوروبي- وما زال- دوراً كبيراً في شرذمة شعوب القارة، بتأجيج الصراعات التي لا تكاد تنتهي فيما بينها، لكن رغم كل الصعوبات، فقد سعت دول القارة – الطامحة حينئذ للتحرر- نحو التلاقي والتعاون، فتم تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 22 مايو/ أيار ،1963 بحضور رؤساء ثلاثين دولة إفريقية مستقلة، وكانت أهداف هذه المنظمة تتمثل في تحرير القارة نهائياً من الاستعمار الأوروبي، والقضاء على التخلف الاقتصادي، وتوطيد دعائم التضامن الإفريقي، والارتقاء بالقارة إلى المكانة التي تليق بها كمؤسسة قادرة على التأثير صنّاع القرارات الدولية . ومن ثم استبدلت هذه المنظمة بالاتحاد الإفريقي الذي تم تأسيسه في 9 مايو عام 2002 وهو يضم 52 دولة، وجعل أهدافه تتمثل في تسهيل الاندماج السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين دول القارة، وذلك لتعزيز مواقف إفريقيا المشتركة بشأن القضايا التي تهم شعوبها .
وفي 26 يونيو/ حزيران 2014انطلقت في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية، أعمال الدورة الثالثة والعشرين لقمة الاتحاد الإفريقي، بمشاركة قادة الدول الإفريقية . وناقش القادة الأفارقة إصلاح وتوسيع عضوية مجلس الأمن الدولي، وحالة السلم والأمن في القارة الإفريقية، وأجندة التنمية لما بعد ،2015 واستراتيجية الاتحاد الإفريقي حتى عام ،2063 وموضوعات التغير المناخي .
وكان الاتحاد الإفريقي قد جمّد عضوية جمهورية مصر العربية فيه بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين في مطلع يوليو/ تموز ،2013 ومن ثم بعد انتخابات الرئاسة المصرية في عام 2014 عادت مصر إلى عضويتها . لكن رغم البرامج الطموحة التي وضعها الاتحاد الإفريقي، إلا أن الخلافات الكثيرة بين دول القارة والفوضى التي تعم بعض الدول الأعضاء، كل ذلك سوف يحول دون تنفيذ تلك البرامج، فهناك بؤر صراع عديدة، مثل الصومال والسودان ومالي ونيجيريا وإفريقيا الوسطى، ودخلت ليبيا لتكون ساحة صراع جديدة، فكيف سيواجه الاتحاد الإفريقي هذه الصراعات، أم كيف سيتعامل مع الخطر الإرهابي الذي بات يستهدف دولاً كثيرة على رأسها مصر وتونس والجزائر ونيجيريا ومالي؟ إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فهناك حكومات لا تمثل إلا نفسها مثل حكومة ليبيا الحالية، وحكومة الصومال . فكيف سيكون بمقدور هذه الحكومات تنفيذ البرامج المقررة في اجتماعات الاتحاد؟ وفوق ذلك فقد ارتكب الاتحاد الإفريقي خطأ كبيراً عندما أغضب المملكة المغربية التي كانت عضواً في منظمة الوحدة الإفريقية ثم انسحبت عقب اعتراف هذه المنظمة ب”الجمهورية الصحراوية” عام 1984 . وما زالت حتى اليوم تقاطع اجتماعات وفعاليات الاتحاد الإفريقي الذي مازال يعترف بتلك الجمهورية . وقد عبر المغرب يوم الخميس الماضي
الموافق 3-7-2014 عن رفضه بشكل مطلق للقرار الأخير للاتحاد الإفريقي القاضي بتعيين ما سمي بممثل خاص لملف الصحراء .
إن المغرب هي دولة محورية ومؤثرة في إفريقيا والعالم، وكان يمكن للاتحاد الإفريقي أن يتعامل بطريقة صحيحة مع أزمة الصحراء، وكان الأجدر بمسؤولي الاتحاد الابتعاد عن التصنيفات الأحادية التي لا تخدم السلام والاستقرار في إفريقيا، ومحاولة رأب الصدع من خلال التعاون من
جامعة الدول العربية، ومنظمات دولية أخرى لديها
الحنكة السياسية لحل الصراعات، ولكنه افتقر إلى الرؤية الاستراتيجية التي تجعل منه ملاذاً آمناً لمختلف دول وشعوب إفريقيا .
ومن أبرز هذه المشاكل التي عجز الاتحاد عن التعامل معها مشكلة نهر النيل هذا النهر الذي يُعد أهم أنهار القارة والعالم، فهذا النهر الدولي، الذي تشترك فيه – منبعاً ومصباً- تسع دول إفريقية، بات عنوان أزمة قد تنفجر عسكرياً بين مصر وإثيوبيا، فمن هضبة إثيوبيا ينبع نهر النيل الأزرق وهو أهم رافد نهر النيل العظيم، وفيضان نهر النيل في مصر في شهر الصيف كان يحدث بسبب الأمطار الموسمية التي تهطل على الهضبة الإثيوبية، وتغذي النيل الأزرق، وقد سعت الحكومة الإثيوبية، لبناء عدة سدود عليه، متناسية حقوق دول المصب، وهي حقوق مثبتة وفق اتفاقات دولية معترف بها، وموقع عليه من الدول الأعضاء . هذه السدود سوف تحجز معظم مياه النيل الأزرق؛ مما سيؤدي إلى تراجع حصة مصر من المياه، فهل ينجح الاتحاد الإفريقي في معالجة هذه الأزمة الخطرة؟
إن الواقع يؤكد أن هذا الاتحاد لا يملك الإرادة ليكون فضاءً يجمع شعوباً مختلفة تحت مظلة واحدة، فإلى الآن مازالت كل دولة من الدول الأعضاء تعيش عالماً مختلفاً عن الدول الأخرى، وما يتم وضعه من برامج لا يجد طريقه إلى التنفيذ .
إن الاتحاد الإفريقي سيبقى مجرد اتحاد منزوع الصلاحيات، وستظل الملفات المطروحة قيد أدراج المكاتب، وسيفشل – وإن كنا لا نتمنى له ذلك – في أن يكون اتحاداً واقعياً يجمع شمل شعوب إفريقيا، فيوقف الصراعات والنزاعات بينها، ويسهم في نهوض وتطور إفريقيا لتصبح فاعلة في هذه الحضارة المعاصرة، فهل يجد الاتحاد قيادات حكيمة تنتشله من هذا المستنقع الآسن؟
“الخليج” الاماراتية