الرئيسية / وجهات نظر / إرادة الأرقام… لا الشعب
76a9c570815d194f9faa79fc9f82cc22

إرادة الأرقام… لا الشعب

لو تأملنا نتائج الانتخابات الفارطة لوقفنا عند عدة حقائق بسيطة، ولكنها ذات دلالات كبرى، أولها أن 50٪ أو أكثر من الذين يحق لهم التصويت امتنعوا عن ممارسة هذا الحق، امتناعا إراديا لكن لأسباب عديدة ومتناقضة أحيانا.
وثانيها أن صاحب المرتبة الأولى لم يكن ليتحصل على أكثر من ثمن أصوات الذين يحق لهم الانتخاب، وتقريبا على ربع الذين ذهبوا للتصويت أو أكثر بقليل، مقابل نسبة مماثلة من أصوات ذهبت سدى ولم ينتفع بها أي طرف، فتشتتت وكانت ظاهريا عبارة عن هباء منثورا، لكن هي للحقيقة ليست كذلك، فقد تكون تلك الأصوات هي التي كانت تتجمع في كل مناسبة للإعلان عن معارضتها للـ«ترويكا»، وهي التي أجبرتها على مغادرة الحكومة، وهي التي لم تتوان يوما عن هرسلتها بشراسة وبدأب وبنفس طويل.
وثالث تلك الحقائق أن الممارسة الانتخابية السابقة ساوت أحيانا بين من تحصّل على 3 الاف صوت ومن بلغ الثلاثين ألفا ففاز كلاهما بمقعد نيابي.
وكل هذا الذي سبق معناه، أن ما اصطلح على تسميته بالإرادة الشعبية هو أمر لا يتناسب مع الأرقام، والأرقام هي الحقيقة، أما الإرادة فهي في مثل هذه الحالة أمر مجرّد هلامي، وكلمة تطوّع لمزيد شحن الخطاب السياسي بالبلاغة والحماسة بغرض الاقرار بشرعية أو تثبيت وضع هو نتيجة للعبة أرقام لا لإرادة شعب.
فالشعب شعوب. ومن هذه الحقيقة تتفرع حقائق أخرى فإما أن تتوافق تلك الشعوب او أن تنتج مع الوقت من يعبّر عنها كلّها (سواء كان زعيما أو رئيسا او جنرالا) أو من يعبر عن أغلبيتها فتسلّم له وتفوّضه وتسكن الى ما يفعله بها.
وكلّ عاقل في تونس عليه أن ينظر الى الأرقام وما تعبّر عنه لا ما تنطق به الشعارات وبعضه مثل الشعر لذيذ عند سماعه لكنه مستحيل التحقيق. فالثابت أنه لن توجد في تونس أغلبية وحتى إذا ما وجدت فهي غير ما تعنيه في الدول الديمقراطية المتقدمة. وغير ما تقود اليه فيها. ليس لأننا نعيش حالة انتقالية بل لأنه لا وجود في الحقيقة لثقافة ديمقراطية ولا لنية للتعايش الحقيقي بين مختلف الفرقاء ولا الاستعداد لإلغاء عداء تمكّن بين عدة أطراف وما زادته الأيام إلا رسوخا.
وها أن تونس تستقبل بدايات التحضير للانتخابات فيها بأصوات مشككة وخطابات تصعيدية وايحاءات تحتمل ألف تأويل. وما هذا الا بداية اعلان عما ستكون عليه الأوضاع القادمة. فهل من لاعب ماهر يستطيع أن يقرأ الأرقام والأوضاع معا ثم أن يوجهها صوب ما يرضي الجميع وأن يعيد من خلالها ـ رغم عسر المهمة ـ تلك اللحمة الضرورية بين أبناء الوطن الواحد حتى إن كانوا مثل الأخوة كرومازوف.
“الشروق” التونسية