الرئيسية / وجهات نظر / ارتفاع مؤشرات الصراع الاجتماعي في تونس
تونس

ارتفاع مؤشرات الصراع الاجتماعي في تونس

تزداد مؤشرات الصراع الاجتماعي في تونس ارتفاعا يوما بعد آخر. فما صار واضحا للعيان هو وجود مسارين متوازيين في تونس لا تقاطع بينهما، هما المسار الاجتماعي الوطني والمسار الليبرالي التابع. والمساران نابعان من مقاربتين متناقضتين للمسألة الاجتماعية والاقتصادية في تونس.
فمقاربة الائتلاف الحاكم ترى أن إنتاج الثروة لا يكون إلا بتحرير الاقتصاد بالكامل، وبتوفير كل الحماية والضمانات لرأس المال، وبخصخصة القطاعات العمومية، وبمنح الثقة الكاملة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإدارة الشأن المالي والاقتصادي في تونس عبر وضع السياسات واختيار الشركاء وتوجيه الاستهلاك.
وهو ما يعني الاستسلام للاقتراض كحل لسد العجز المالي الفظيع. غير أن الاقتراض الذي بلغت نسبته 52 بالمئة يدفع بتونس إلى الأمر الواقع ويجعلها أمام حتمية القبول بخيارات الائتلاف الحاكم التي يرى محللون أنها ستقود إلى نفس حال اليونان، أي الإفلاس وفقدان الاستقلال والسيادة.
والخطير أن خيارات الحكومة لم تغير واقع التنمية في تونس، ذلك أن صندوق النقد الدولي نفسه قد اضطر إلى مراجعة نسبة النمو التي توقع أن تبلغها تونس سنة 2016 من 3.2 بالمئة إلى 2 بالمئة. وهذا لا يعني حتى أن هذه النسبة مضمونة، بل قد لا تتجاوز نسبة السنة المنقضية التي وقفت عند عتبة 0.8 بالمئة.
خلافا لهذه الرؤية ترى الأحزاب اليسارية المعارضة والمنظمات الكبرى، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، أن إنتاج الثروة لا يكون إلا بالتعويل على الإمكانيات الذاتية عبر الاهتمام بالقطاعات المنتجة وتثمين الثروات ولا سيما الفلاحة والمياه والتنوع الطبيعي وتغيير مناويل التنمية وبناء منظومة اقتصاد اجتماعي تعاوني.
تُدافع الأطراف الاجتماعية في تونس بشدة عن منظومة الاقتصاد التعاوني الاجتماعي كمشروع وطني يمكن أن ينقذ القطاعات المهمشة والشركات الصغرى والصناعات المهددة بالاندثار ولا سيما التقليدية منها. ولكن هذا الخيار التعاوني يحتاج إلى إشراف الدولة، وإلى تبني الحكومة له من أجل وضع التشريعات والتصورات الإدارية والقانونية اللازمة له.
إن تعارض الرؤيتين والتقييمين المتعارضين لواقع تونس ولآليات معالجته تجلى في عناوين كثيرة، ولا سيما في المرحلة الأخيرة. من ذلك قانون استقلالية البنك المركزي الذي وقعت المصادقة عليه مؤخرا في مجلس نواب الشعب بعد استماتة نواب الأغلبية في الدفاع عنه. وقد أثار القانون جدلا واسعا صلب الشارع التونسي بسبب ما ينذر به من فقدان لسيادة الدولة المباشرة على سلطتها المالية، خاصة بعد ما أشيع عن إقامة أطراف أجنبية وخاصة أميركية داخل أروقته.
ومن الاتفاقيات التي يرى فيها الملاحظون تهديدا لاستقلال القرار الوطني تلك المتعلقة بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي. فلقد أخفت الحكومة تجدد المفاوضات في هذا الشأن إلى آخر لحظة، ولم تعلم الرأي العام إلّا قبل يوم من انطلاقها في ندوة صحافية متسرعة بدت فيها اللجنة التي ستمثل الطرف التونسي جاهلة بالملف ومفتقرة إلى أدوات التحليل وإلى أوراق الضغط والمناورة. ولم تبد ما يكفي من الاستعداد بما كان يمكن أن يطمئن الرأي العام الوطني على مصالح الشعب التونسي. وهو ما يجعل تعامل الحكومة مع الموضوع تعاملا أبويا، تجعل نفسها بموجبه في منزلة الطفل الذي يكتفي بسماع الرأي وتنفيذ ما يطلب منه.

إقرأ أيضا: تونس.. هل يعصف الهاجس الأمني بالمشروع الديمقراطي؟

من علامات ارتفاع مؤشر الصراع الاجتماعي في تونس أزمة قطاع الصحة التي اندلعت منذ تشكيل حكومة الحبيب الصيد وتسلم سعيد العايدي لحقيبة الصحة. فلقد شعر أهل القطاع أن الوزير متعجل في نفض يد الدولة من قطاع في حجم قطاع الصحة، وتسليمه بالكامل إلى رأس المال الخاص، وهذا ما يشعر التونسيين بالرعب إذ سيجعل صحتهم محلا للمساومة والمضاربة.
وبلغت أزمة قطاع الصحة درجة متقدمة من التعقيد بعد قرار وزير الصحة وضع عسكري على رأس المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس لمعالجة مشاكل المستشفى، وهو التعيين الذي رفضه النقابيون وطالبوا بالتراجع عنه، ولكن الوزير رفض وتمسك بقراره. وتدحرجت كرة الثلج واعتقل نقابيون وأحيل آخرون على مجلس التأديب.
واعتقد الرأي العام التونسي أن الأزمة ستهدأ بعد جلسة الاتفاق التي تمت بين رئيس الحكومة والأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل. ولكن تفاجأ النقابيون والرأي العام برفض وزير الصحة تنفيذ ما التزم به رئيس الحكومة من اتفاقات، وهو ما جعل النقابيين ينفذون اعتصاما مفتوحا في مقر وزارة الصحة، وفي آخر لحظة وقع تأجيل الإضراب العام الذي كان مقررا الخميس 28 أفريل بعد استئناف جلسة التفاوض بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل في مقر وزارة الشؤون الاجتماعية وفي غياب لافت لوزير الصحة.
الخطير أن أزمة قطاع الصحة حركت التضامن النقابي، حيث أعلنت نقابتا قطاعين كبيرين مساندتهما لقطاع الصحة في أزمته مع الحكومة وهما قطاع التعليم الثانوي وقطاع النقل.
يزداد إصرار الائتلاف الحاكم على خياراته وضوحا من خلال المعالجة الأمنية للاحتجاجات الاجتماعية السلمية في القصرين وجزيرة قرقنة والكاف، وفي التعاطي الأمني العنيف مع ملف قدماء الاتحاد العام لطلبة تونس المفروزين أمنيا بعد التنكر للاتفاق الممضى معهم.
وفي خضم هذا التصعيد الاجتماعي يأتي قرار غلق البحث في ملفيْ الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي دون تقدّم ملحوظ ودون الاستجابة لطلبات الدفاع، وبعد إطلاق سراح أغلب المتهمين. وظل الملف على ما فيه من التباس بما يشحن حزبي الشهيدين والجبهة الشعبية والعائلة الديمقراطية في تونس ويشكك في استقلال المرفق القضائي. وليس الإصرار على غلق الملفين إلا قرارا سياسيا التزاما بالتضامن القائم بين حركتيْ نداء تونس والنهضة.
وفي الوقت الذي يحتدّ فيه الصراع الاجتماعي كما أوضحنا، يلتقي رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بآخر أمين عام لحزب زين العابدين بن علي التجمع الذي تم حله قضائيا. وتعيد حركة النهضة التركيز في خطابها على موضوع المصالحة الوطنية التي كاّن رئيس الجمهورية أول من أثارها، وهي تعني العفو دون محاسبة ودون كشف الحقائق ودون اعتذار ودون إعادة حق الشعب التونسي من السراق والناهبين بما يشي بصفقات مشبوهة.
المهم أن دعوة النهضة للمصالحة الوطنية ولقاء الغنوشي بأمين عام التجمع لا يخرج عن الدلالة على تكتيك سياسي مفاده محاولة شغل الرأي العام عن هذا الصراع الاجتماعي الملتهب في تونس، والذي بدأ يتحوّل تدريجيا إلى صدام برغبة من الائتلاف الحاكم لمحاولة فرض خياراته اللاوطنية على الشعب التونسي.

كاتب ومحلل سياسي تونسي/”العرب”