الرئيسية / وجهات نظر / تصعيد جديد في ليبيا
ليبيا

تصعيد جديد في ليبيا

يبدو أن الدولة الليبية باتت في عين إعصار عنيف تجلت غيومه ومقدماته في الأيام الماضية، ولا يستطيع أحد أن يتكهن حتى اللحظة الحالية بما ستنتهي إليه الأمور، ولكنها تتجه بالتأكيد نحو صدام من نوع آخر وتصعيد عسكري يخدم المخططات والمصالح الغربية في المقام الأول، فبعد ما صنع حلف الأطلنطي أكبر مأساة للدولة الليبية بغزوها ثم تركها فريسة تترنح وتتهاوى أمام الميليشيات المسلحة والسياسيين المتحزبين، عادت القوى الغربية مجدداً لتفرض واقعاً أغلب الظن أنه لن يكون في صالح ليبيا الدولة والشعب والأرض.
الإرهاصات الأولى تؤكد أن القوى الغربية اختارت طريق التصعيد العسكري، ولعل ذلك ما دفع روسيا إلى إعلان موقفها بأن أي عمل عسكري في ليبيا سيحتاج بالقطع إلى قرار رسمي بالموافقة من مجلس الأمن على التدخل، ولكن هذا الإعلان ليس بالضرورة أن يكون موضع احترام من القوى الغربية التي لن تحار كثيراً في إيجاد الوسيلة أو المخرج لهذا الطلب المشروع، وأبسط ما يمكن فعله في هذا السياق هو الاستناد إلى طلب أو استدعاء من جانب الحكومة المعترف بها من جانب الغرب للتدخل تحت مظلة محاربة المجموعات الإرهابية وعلى رأسها داعش بكل تأكيد أو لمواجهة الأطراف التي تعرقل التسوية السلمية، وهو سيناريو معاد ومكرر، وكثر استخدامه من جانب القوى الغربية ضد الدول العربية.

إقرأ أيضا: هل ترسل بريطانيا قواتها إلى ليبيا؟

وليس أدل على ذلك من تعهد حكومات فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي في اجتماعاتهم الأخيرة بالعمل مع حكومة الوفاق الوطني المؤيدة من قبل بعثة الأمم المتحدة واعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا، واتساقاً مع ذلك أكد وزراء خارجية هذه الدول ومفوضة الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، أنها ستستمر في دعمها الكامل لجهود بعثة الأمم المتحدة ورئيسها مارتن كوبلر، والوقوف إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، وذلك بعد دعمها القوي لحكومة السراج.
يأتي ذلك بينما تعالت حدة التصريحات الغربية بشأن إمكانية تدخل عسكري وشيك في ليبيا «لمكافحة الإرهاب» وحماية حدود أوروبا الجنوبية، في حين لا يزال تنظيم داعش يواصل تمدده في المناطق المتاخمة للهلال النفطي وسط البلاد، فقد أعلن وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني من قبل، عن استعداد بلاده للتعاون في أي عملية عسكرية وكشف عن مساع حثيثة لإمكانية إطلاقها قائلاً: ما ذكرته وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون ديرلاين، قبل يومين، من إمكانية إرسال بلادها قوات إلى ليبيا يعكس النقاش الدائر بين الدول الحليفة بشأن هذه البلاد، مؤكداً أن الوضع بحاجة إلى خطوة أبعد، وهذا ما نبحثه في الوقت الراهن مع ولادة حكومة ليبية قادرة علي مخاطبة المجتمع الدولي.
ولم تترك واشنطن الأمور تمضي دون أن تطلق هي الأخرى سهام التصعيد، حيث حذر وزير خارجيتها كيري من مساعي تنظيم «الدولة الإسلامية» للسيطرة على الثروة النفطية التي تتمتع بها ليبيا، وقال إن البلد لديه موارد، وآخر ما نريده في العالم هو خلافة زائفة متاح أمامها ملايين الدولارات من عوائد النفط.
المثير في الأمر أيضاً، ما حدث على أرض الواقع في ليبيا، عندما أعلن المجلس الرئاسي الليبي المدعوم من الأمم المتحدة، بدء عمل حكومة الوفاق الوطني استناداً إلى بيان تأييد لها وقعته غالبية نواب البرلمان، بعدما عجزت هذه الحكومة حتى اليوم عن نيل الثقة تحت قبة المجلس النيابي، وطالب المجلس الرئاسي الجهات التي تتنازع السلطة في ليبيا بتسليم السلطة إلى حكومة الوفاق والمجتمع الدولي بحصر التعامل معها، واستلزم ذلك فرض عقوبات على شخصيات وجهات اعتبرت مناهضة لعملية السلام في البلاد.
وتعني تلك التطورات الخطيرة المتلاحقة أن الأرضية ليست مؤهلة بعد ولم تستقر بالقدر الكافي حتى يمكن إنفاذ الاتفاقات السياسية، وأن الأمر يحتاج مزيداً من الحوار والاتصالات لتسوية ما تبقى من خلافات، خصوصاً بعد مشكلات الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني وعدم تمكينها من ممارسة عملها بسلاسة لتطفو انقسامات حادة على السطح، ولا يزال من الأفضل أن تواصل كل الأطراف الداخلية والدولية العمل على دعم الدولة ورفع حظر التسلح عن الجيش الليبي ليعمل على مواجهة الجماعات الإرهابية والمتطرفة بدلاً من تفجير الموقف من الداخل والتصعيد نحو أعمال عسكرية ضخمة تجعل ليبيا في مواجهة خطر جسيم.

كاتب ومحلل سياسي/”البيان”