الرئيسية / وجهات نظر / الانتخابات والأمن القومي في موريتانيا
967f294cc4ce54c77d957ee708cf1601

الانتخابات والأمن القومي في موريتانيا

1-    
تعتبر الانتخابات وخصوصا الرئاسية منها مناسبة للحديث عن العوائق السياسية والاقتصادية والصحية والظروف العامة للبلد وتقديم أفضل برنامج لتطوير وبناء “الوطن” من خلال الحلول المقترحة والمقدمة من طرف كل مرشح أو مرشحة، ومن بين المشاكل والعوائق المطروحة بإلحال في موريتانيا خلال العقد الأخير “مفارقة الأمن القومي” بوصفها مصطلحا ضبابيا وشاملا لأشياء كثيرة يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعرقي والمؤسساتي والفردي والمجتمعي والتاريخي والجغرافي والثقافي والوحدة والوطنية والهوية ورمز الوطن والتعايش السلمي وأشياء أخرى…
من المسلم به أن كل المرشحين لرئاسيات 2014 في موريتانيا لم يقدموا أي رؤية واضحة ولا برنامج إقتصادي ولا سياسي، فمابالك بالحديث عن الأمن القومي وطرح المشاكل التي تكاد تعصف بالوطن الهش أصلا. بل إن المرشحين الأساسيين في الإنتخابات حاولا جاهدين تعميق شرخ “الهوية الإجتماعية” من خلال الترويج للخطابات العنصرية البغيضة والتحريض على التنافر والعداء الإجتماعي وهو الشيء الذي يروج له الكثيرون بوعي أو بدون وعي من خلال الخطاب والخطاب المضاد…
ظهر ولد عبد العزيز في هذه الإنتخابات وكأنه المرشح الوحيد والأقوى الذي يستحق ثقة الشعب العمياء لأنه أعلن الرجوع الى الطريق “الطائعي” من خلال التفاوض مع شيوخ القبائل وتقديم بعض الوعود الكاذبة للشباب المنافقين والسطحيين الذين يحملون عقليات القبيلة والشيوخ في عقولهم القاصرة قصر المجتمع وعجزه عن تصور مخرج للأزمات التي تتعمق أكثر فأكثر للتحول تدريجيا الى بذور فناء…
حسب دائرة معارف العلوم الإجتماعية فإن الأمن القومي يعني: “قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية والداخلية.” لكن هذا التعريف يتعارض في المعنى والدلالة مع مايروج له البعض في موريتانيا من الموالاة والمعارضة والحقوقيين المنقلبين الى السياسة لإرضاء مطامع وأجندة شخصية…
-2-
الدولة في موريتانيا لاتعير أي إهتمام لحماية القيم الداخلية واللحمة الإجتماعية والعرقية للوطن والمواطنين، ربما لأنها عاجزة عن القيام بذلك أو أنها لاترى أي خطر يحدق بهذا الكيان المعوق والمعتوه الذي ننتمي له. شخصيا، أستبعد الإحتمال الثاني لأن من يتابع التلقزيون الرسمي والإذاعات الرسمة يلاحظ أنها بدأت مؤخرا تروج لخطاب مناهض للعنصرية والحث على التسامح والتعايش السلمي بصفة خجولة وكأنها تخاف المصالحة مع الذات المنقسة في حين أن دعاة الخطاب العنصري يصعدون من لهجتهم وخطابهم في كل فرصة ومناسبة…
كما ظهر جليا للبعض خلال الأنتخابات الرئاسية مدى الجسارة والتطاول الذي قامت به الدولة و أعداء الدولة على حد سواء على قيم ومقدسات الوطن التي يجب أن تعتبر خطوطا حمراء يمنع تجاوزها والحديث عنها….
قد لايختلف معي كثيرون أن معاوية ولد الطايع رغم ماكان عليه من الفساد والمحسوبية والقبلية إلا انه لم يسمح ولم يتهاون مع كل من تسول له نفسه الحديث عن المواضيع التي من شأنها أن تؤثر على الأمن القومي وتعصف بوحدة الوطن. قد يكابر البعض ويقول إن حرية الحديث عن هذه المواضيع تدخل في خانة “حرية التعبير” التي تتفاخر الدولة بتقسيطها على المواطنين، لكنني أقول إننا مجتمع لما يبلغ مربع النضج السياسي بعد ولازلنا نعيش حلم البداوة ونتدثر برداء القبيلة ونقبل أيادي الشيوخ….
إننا مجتمع يفسد كل حرية منحت له، فقد جعلنا من حرية التعبير التطاول على الذات ومن حرية التدين لعن الدين وسب المقدسات ومن الحرية السياسية التلمق والمتاجرة بالضمائر ومن الحرية ذاتها مفهوما مائعا لا يمت للتحرر بأي شيء….
-3-
أخاف أن تكون هذه الإنتخابات الرئاسية فاصلة مزعجة في تاريخنا المليء بالنكنبات والإنتكاص. فقد تؤدي إلى خلق مناخ من العداء والتنافر المعلن والمجاهرة بالتفرقة والترويج لها وإعتبارها مطلبا مشروعا. قد نعيش في مناخ مابعد إنتخابات 2014 له مابعده إذا لم تقم الدولة بفرض قوتها ووضع حدود وخطوط حمراء لحماية الأمن القومي. لأن الوطن والدولة دون حماية الأمن القومي أشبه بقطيع من الحيوانات البرية في غاب لايحكمه القانون….
من نافلة القول التأكيد على أننا جميعا نؤمن بجميع الحريات ونطالب بتحقيق العدالة الإجتماعية للجميع من خلال تسوية ملف “الرق” والعبودية والمبعدين والفقراء والعاطلين عن العمل وكل المشاكل التي لاتحصى ولا تعد، لكن دون أي تجاوز أو تطاول أو تحريض على الوطن والمواطن….
“أقلام” الموريتانية