الرئيسية / وجهات نظر / مأزق العلاقة بين الليبيين والمؤتمر الوطني
35edcfc6a4a00d7b95e133580a6e97a1

مأزق العلاقة بين الليبيين والمؤتمر الوطني

لم يسبق لليبيين أن تعايشوا مع سلطة سياسية شرعية انتخبوها وأسندوا لها كل الصلاحيات، فحتى في العهد الملكي كان يحق لهم فقط انتخاب البرلمان بينما يعلو الملك وحلفاؤه بعد تنصيبه فوق الإرادة العامة للأجيال المتعاقبة بعد ذلك، ولهذا فإن انتخاب المؤتمر الوطني كان في الحقيقة سابقة لم يتقدم مثلها في تاريخهم القديم أو الحديث.
عندما ظهرت أول سلطة ليبية منتخبة مكلفة بمهام تاريخية ومتمتعة بصلاحيات وسلطات واسعة تجعل منها الرمز السياسي للسيادة الليبية, بدأت تجربة تعايش الليبيين مع أول سلطة ينتخبونها.
كانت البداية مفعمة بالأمل والوعود بالنظر إلى ما تبقى آنذاك من زخم الثورة وروح التضامن، ولكن خلف هذا المشهد المتفائل في ظاهره كانت تختفي جملة من الحقائق التي أخذت تظهر نتائجها في المشهد السياسي مع تقدم تجربة المعايشة.
هذه الحقائق والوقائع تتوزع بين طرفي التجربة، أي الليبيون من جانب والسلطة المنتخبة -وهي المؤتمر الوطني- من الجانب الآخر.
أهم هذه الحقائق التي تبدت أثناء تجربة المرحلة الانتقالية بين الطرفين تتمثل في:
1- تجربة الليبيين مع السلطة: كان مفهوم السلطة يتأرجح بين تجربتين، كلتاهما لا علاقة لها بالانتخابات، فالإدراك الأول لمفهوم السلطة ارتبط بقدسية السلطة أو وجود مسحة مقدسة، وتجسد ذلك في ظل النظام الملكي وخصوصا بالنسبة للأجيال التي عاصرت مرحلة الاستعمار الإيطالي ثم الاستقلال، حيث يمثل الملك سلطة فوق الشبهات تحوطها هالة من القداسة الدينية والأخلاقية مما جعل لها حرمة تعلو فوق الإرادة العامة وبالتالي لا يحق لهذه الإرادة أن تتطاول على هذه السلطة أو تسعى لتغييرها أو تملي عليها شيئا، فهي ليست تحت رحمتها بأي حال من الأحوال.
أما التجربة الثانية فكان إدراك السلطة في ذهن الليبيين، إنها جبروت مخيف لا يرحم ولا تعلو فوقها إرادة ولا تستمد شرعية وجودها واستمراريتها من أية إرادة سوى إرادتها هي المتمثلة في شخص معمر القذافي، وبالتالي فإن إدراكهم للعلاقة مع السلطة يتمحور حول الخوف والضعف وقلة الحيلة والخضوع الجبري.
إذن نتيجة التجربتين تحيل إلى مفهوم وحدانية السلطة، وعدم ارتباط وجودها واستمراريتها بمشيئة الإرادة العامة, سواء بسبب مرجعيتها الدينية والتاريخية مثل ما كان عليه الحال بالنسبة للنظام الملكي، أو بسبب السيطرة على مصادر القوة واحتكار وسائل العنف كما كان عليه الحال طوال أربعة عقود من حكم القذافي.
في أعقاب هاتين التجربتين في إدراك مفهوم السلطة، اللتين دامتا ما يقارب الستين عاما، ظهرت سلطة بمفهوم آخر انتخبها هؤلاء، أي أنها ابنة إرادتهم، كيف ما كان حسن أو سوء خياراتهم، كما أن هذه السلطة لا تتكئ على مرجعيات مقدسة وتاريخية ولا تحتكر القوة والسيطرة على وسائل العنف.
2- انعدام تجربة الاختيار: أي أن الأجيال ما بين سن الثامنة عشر والأربعين، وهي المدعوة إلى المشاركة في الانتخابات، كانت غالبيتها تفتقد تماما الخبرة وثقافة الاختيار التي تمكنها من اختيار المرشحين بناء على أطروحاتهم وبرامجهم وأفكارهم وليس بناء على ما يظهر منهم من سلوك وتصرفات، فبعضهم اختاروا مرشحين لأنهم فقط يتحدثون باللهجة العامية ويستخدمون الأمثلة الشعبية، بينما وقع خيار آخرين على من يصلى معهم الفجر حاضرا في المسجد أو يؤمهم في صلاة الجمعة، وآخرون اختاروا من كانوا سجناء في عهد القذافي.
ولهذا فإن الكثير من هذه الاختيارات أتت -على ما يبدو- برجال لم يفعلوا ما كان يتوقعه منهم ناخبوهم، لأن الكثير من هؤلاء ينتمون إلى تنظيمات سياسية لها رؤية في شكل الدولة وفي شكل السلطة، وبالتالي تحول المؤتمر إلى حلبة صراع بين أصحاب الرؤى السياسية المختلفة في مرحلة انتقالية لا تتحمل الصراع بل تتطلب التوافق من أجل إرساء أركان الدولة وترسيخ بنيات السلطة السياسية، فبدا المشهد السياسي لأولى المؤسسات المنتخبة وكأن كل جماعة من هؤلاء المنتخبين تنتهز فرصة الشرعية والتفويض اللتين حصلت عليهما لكي تؤسس دولة وسلطة حسب رؤيتها السياسية.
وقد ترتب على هذا الصراع أن قام هؤلاء المتصارعون ببناء أذرع عسكرية أو الاستعانة بما كان قائما منها بعد حرب التحرير، وقد اقتضت حاجة هؤلاء المتصارعين للاحتفاظ بهذه المليشيات إلى ضرورة تمويلها وإضفاء الشرعية عليها، فأخذ الكثير من الليبيين الذين انتخبوا المؤتمر يراودهم الشعور بأن المؤسسة التي انتخبوها تم اختطافها من قبل هذه التكتلات وأنهم أصبحوا مجرد متفرجين على الصراع الذي يجري داخل المؤتمر بين من انتخبوهم أو ذلك الذي يجرى في الشارع بين المليشيات.
ولهذا فإن مشاعر الإحباط والرفض للمؤتمر بدأت تطغى بين مختلف فئات المجتمع الذي لم يكن متعودا على التعبير سلميا عن استيائه من تصرفات السلطة السياسية التي كانت دائما إما شبه مقدسة وإما متجبرة ومخيفة.
3- افتقاد ثقافة الاحتجاج: لم يكن مسموحا لليبيين طوال حقبة حكم القذافي ممارسة حقهم في الاحتجاج السلمي للتعبير عن مطالبهم، فقد كان الرفض -إذا سنحت الظروف- يجرى بالطرق العنيفة كمحاولات الانقلاب العسكري أو محاولات اغتيال رموز السلطة بمن فيهم القذافي، وظل الاحتجاج يأخذ هذا الطابع كلما أتاحت له الظروف ذلك إلى أن قامت انتفاضة السابع عشر من فبراير التي كانت نوعا من الاحتجاج العنيف تحول إلى ثورة سياسية.
ولذا فإن مجتمعا كان دائما موضوعا لعنف السلطة وكانت ردات أفعاله عنيفة إذا وجد سبيلا لذلك، لا نتوقع منه أن ينجح في وقت قصير في اعتناق ثقافة الاحتجاج السلمي وتبني الوسائل الديمقراطية في الرفض والاحتجاج، ولعل الدليل على ذلك هو أن معظم الاحتجاجات التي جرت خلال المرحلة الانتقالية كانت تأخذ طابع إقفال الطرق العامة والمنافذ الجوية والبرية والبحرية واقتحام مؤسسات الدولة وإغلاقها بما في ذلك مقر المؤتمر الوطني، إلا أن هناك حالات تم التعبير فيها بالطرق السلمية وخصوصا المظاهرات التي خرجت في المدن الكبيرة وقامت ضد سياسات المؤتمر والتي كان من الممكن أن تكون قدوة يحتذى بها في حالة نجاح تلك المظاهرات في تحقيق ما كانت ترفعه من مطالب.
4- سوء أداء المؤتمر: يكاد يجمع الليبيون بمختلف فئاتهم على أن أداء المؤتمر الذي انتخبوه يبلغ من السوء حدا يصعب تحمله، وهذا زاد من صعوبة العلاقة بين المؤتمر والشارع الذي انتخبه.
لعل هذا السوء في الأداء يرجع لعدة أسباب أهمها الصراع بين التكتلات داخل المؤتمر، مما جعل القرارات المتعلقة بالسلطة والدولة والشأن العام تبدو وكأنها تعكس انتصار الكتلة المتغلبة وهزيمة الكتلة المغلوبة، ولاشك عندما تسود روح المغالبة والتغلب داخل مؤسسة تضطلع بهذا الحجم من المسؤولية الوطنية فإن الكثير من إنجازاتها لا يكون من أغراضها المصلحة العامة فقط بل أيضا خدمة وجهة نظر ورؤية الطرف المتغلب والتي لو تم عرضها على الرأي العام قد لا يوافق عليها.
ومن هنا يأتي سوء الفهم وسوء الأداء اللذين تتميز بهما العلاقة بين المؤتمر وغالبية الليبيين، وكانت عملية انتخاب حكومة أحمد معيتيق، التي أثارت جدلا ثم صراعا، دليلا على تخبط المؤتمر وسوء أدائه بسبب سيطرة روح المغالبة بين هذه القوى التي يتكون منها المؤتمر.
5- ضعف السلطة وانتشار السلاح: ليس هناك من شك في أن المؤتمر الوطني الذي يمثل رمز السيادة السياسية، لا يسيطر على إقليم الدولة سيطرة فعالة بسبب انتشار المليشيات المسلحة في طول البلاد وعرضها، ورغم أن المؤتمر قد شرعن وجود بعض من هذه المليشيات لتكون ذراعا مسلحا في خدمة الدولة، فإن الكثير من هذه الكتائب أصبحت عبئا على الدولة، لأنها وإن بدت شكليا تتبع الدولة إلا أن الكثير منها في حقيقة الأمر تعتبر أذرعا عسكرية لهذه الكتلة أو تلك داخل المؤتمر، وكثيرا ما قام البعض منها باقتحام مقرات الحكومة أو المؤتمر لمنع أو لفرض قرار أو قانون وعلى الأغلب يكون هذا التصرف لمساندة هذه الكتلة أو تلك التي لا ترغب في صدور هذا القرار أو تريد استصدار هذا القانون الذي تعارضه الكتلة الأخرى.
ولهذا بدا المؤتمر في نظر الكثير من الليبيين مكانا لصراع العصبيات على مصالحها وليس بيتا للأمة يجتمع فيه المنتخبون في مرحلة دقيقة من تاريخ الوطن ليناقشوا ويقرروا مطالب ورغبات الإرادة العامة دون أن يتركوا انتماءاتهم ومصالحهم تعلو فوق سقف المصلحة الوطنية.
لقد بدا المؤتمر في نظر معظم الليبيين مؤسسة تفرقهم ولا تجمعهم بسبب صراع الكتل داخله التي يرى البعض منها وجوده في المؤتمر فرصة تاريخية لكي يستخدم هذه المؤسسة الشرعية في تأسيس بنيات السلطة والدولة المستقبلية حسب رؤيته، مما جعل الاختلاف في وجهات النظر يتحول إلى صراع ومغالبة بين المنتمين إلى هذه الكتل، الذين مهما بلغت درجة وعي بعضهم فإنهم جميعا أبناء ثقافة الأحادية والإقصاء.
إذا كان أداء المؤتمر سيئا، وكان متهما في نظر الليبيين بأنه وراء تعطيل بناء مؤسستي الجيش والشرطة لكي تبقى ليبيا كيانا تسيطر عليه المليشيات التابعة لبعض القوى داخل المؤتمر، وإذا كان الليبيون تعوزهم ثقافة الاحتجاج السلمي ومحبطين ويمتلكون السلاح، فإن هذه المعادلة لا تعطي إلا نتيجة واحدة وهي صعوبة التعايش بين المؤتمر ومن انتخبه من الليبيين.
“الجزيرة”