الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: العبث مازال مستمرا
61bab47d54369f0a8f95a3730b760aa8

ليبيا: العبث مازال مستمرا

الجدل الدائر في ليبيا حول قرار المؤتمر الوطني العام، بالتصويت على حكومة جديدة، تحل محل الحكومة المؤقتة السابقة التي يرأسها عبدالله الثني، لم يأت من حقيقة أن المؤتمر انتهت صلاحيته منذ يوم 7 فبراير الماضي، ويترتب على ذلك أن كل قرار أصدره بعد هذا التاريخ قرار باطل، فقد أصدر قرارات واعتمد أعمالا لمؤسسات في الحكومة، اعتبرت نافذة المفعول، رغم انتهاء الولاية وسقوط التفويض.
وليس لأن استحقاق تعيين حكومة جديدة محل اختلاف أو جدل، خاصة بعد إقالة علي زيدان، واعتذار عبدالله الثني عن الاستمرار في القيام بهذا المنصب، بل وليس الاعتراض على أن المدة المتبقية لعمر الحكومة الجديدة هي عدة أسابيع لا تستحق إدخال البلاد في مثل هذا الصراع، والاكتفاء بأن تتولى حكومة تسيير الأعمال القيام بالمهمة إلى حين انتخاب مجلس النواب أواخر هذا الشهر، كما أنه أخيرا ليس اعتراضا على الرجل الذي عهد إليه بتأليف ورئاسة هذه الحكومة.
كل هذه الأسباب لم تكن من أجل الاعتراض على إقرار حكومة تستلم إدارة الجهاز التنفيذي للدولة، ولكن الجدل والاعتراض والممانعة جاءت من أسلوب فرض الحكومة والطريقة التي تم بها التصويت، والتي شككت في صحتها ونزاهتها وقانونيتها ودستوريتها وشرعيتها، جهات وأطراف ومؤسسات لها اتصال بالمؤتمر، بدءا بعدد من أعضاء المؤتمر نفسه، وتعزز هذا التشكيك بإدارة القانون في وزارة العدل التي اعتبرت القرار باطلا، كما تصدى له عبدالله الثني، الذي رغم اعتذاره السابق عن الاستمرار، لم يستطع، وهو يرى هذا الخرق الصريح للقانون، أن يتخلى عن المهمة التي يقوم بها، وكانت أقوى الحجج ضد تعيين هذه الحكومة، جاءت من عز الدين العوامي النائب الأول لرئيس المؤتمر، الذي كان مخولا برئاسة المؤتمر، وإدارة جلساته، وإعلان بدء هذه الجلسات، وإعلان اختتامها، أثناء غياب رئيس المؤتمر، وقد أقر أنه فعلا افتتح الجلسة، وأنه عندما لم يحصل المرشح على الأصوات الكافية للنجاح أقفل الجلسة وترك القاعة، لكن نائبا ثانيا ينتمي إلى جماعة الإخوان، تولى إعادة فتح الجلسة، وأظهر نتيجة مخالفة لتلك التي انتهى إليها المؤتمر، في حضور النائب الأول مما تم اعتباره منافيا للعمل باللائحة الداخلية للمجلس، وبالتالي بطلان هذا التصويت، خاصة وأن الإجراءات اللاحقة شابها أيضا، نوع من الفوضى، وعدم الالتزام بالقواعد، فقد أسرعوا وقبل اكتمال حضور الأعضاء، بجلب الرئيس الذي يريدون تنصيبه ليحلف اليمين القانونية ليضعوا بقية الأعضاء وبقية أجهزة الدولة، أمام الأمر الواقع، ولكن هؤلاء الأعضاء جاهروا برفضهم لهذه النتيجة، وكان عز الدين العوامي شجاعا وأمينا في أداء المسؤولية الموكولة إليه، بأن رفض هذا الأسلوب الملتوي في العمل وهذا الالتفاف حول اللائحة الداخلية، وبالتالي حول قانونية الجلسة، وحول شرعية هذا التنصيب، ولأن رئيس المؤتمر كان غائبا، وخرجت إشاعات تقول بهروبه من البلاد، نتيجة لما راج عن محاكمات تنتظره لفضائح تنسبها له بعض الجهات الإعلامية، فقد عاد لتبديد هذه الشائعات، ولتولي منصبه كرئيس للمؤتمر، وقام، كما يقول خصومة، بالمصادقة على محضر تعيين رئيس الوزراء الجديد، مقابل وعد من هذه الجماعة المتأسلمة داخل المؤتمر، بالتستر عليه وتناسي المطالبة بمحاسبته عما ارتكب من أخطاء، ولكن نائب الرئيس كان متشبثا بحقه الدستوري والقانوني، باعتباره كان الرئيس الفعلي للمؤتمر عند غياب رئيسه، وهو وحده المخول بالكلام باسم المؤتمر خلال فترة إدارته له، وإدارته للجلسة التي تم الالتفاف عليها، وأصر على أن القرار كان باطلا، وأرسل إلى عبدالله الثني رسالة بذلك، يطلب منه الاستمرار في إدارة الحكومة، إلى حين التصويت على حكومة جديدة، أو انتظار المجلس النيابي القادم للقيام بذلك.
بالنسبة إلى الشارع فتسوده حالة من الغضب والاشمئزاز من تصرفات المؤتمر، ومن استهتاره بمطالب الشعب الذي خرج للشوارع يطالبه بإنهاء مهماته، والتوقف عن العبث بمقدرات البلاد، هو ما عبرت عنه القوى المدنية والشعبية، وجاء خروج الناس في ميدان الشهداء في طرابلس وفي ميادين الحواضر الأخرى مثل بنغازي وطبرق والمرج والبيضاء، الجمعة الماضي، وبعد مهازل الاجتماع في الأماكن السرية لاختيار الحكومة، ليقول لهذا المؤتمر يكفي عبثا واستهتارا بحقوق الوطن، وكفاية تربحا من العمل العام، الذي كان يجب أن يكون لصالح الوطن، فسخرتموه لأجندات خاصة، وأخرى أيديولوجية حزبية، وثالثة لإرضاء جهات تقف وراء التيار الإسلامي في الدوحة واسطنبول، وربما في تورابورا وشمال نيجيريا لدى جماعة بوكو حرام.
وكل الشواهد تقول إن الإصرار على تعيين الحكومة بهذا الأسلوب الذي شابه الكثير من الخروقات القانونية والدستورية، وبطريقة التخفي والاجتماع في أماكن لم يعلن عنها، بل وعدم إخطار كل الأعضاء، إلا من يوافق هواه هوى المتأسلمين، إلى حد أن النائب الأول لرئيس المؤتمر نفسه، يقول أنه تم إخطاره بطريقة ملتوية لتضليله عن مكان وزمان الاجتماع، ثم الاستعانة بدروع الوسط لكي تأتي من مصراتة، وهي التي سبق أن ارتكبت جرائم قتل المواطنين في مزرعة غرغور، والاحتماء بها من ثورة الشعب، والإصرار على ذلك في وقت كانت فيه البلاد على شفا حرب أهلية، هو أمر يؤكد أنه عمل لم يتم لأجل الوطن ولا لصالحه، ويحمل شبهات التربح والفساد.
والسؤال لماذا هذا الإصرار على تحدي إرادة الناس؟ وعلى الاستمرار في مهمة لم تعد قادرة على إنجاز عمل وطني؟ بل بالعكس صارت مصدرا للأزمات ومصدرا للتوتر والاختناقات، كالتي أنتجها الإصرار على إقامة حكومة جديدة بهذا الأسلوب المشبوه، وفي وقت تحدد فيه الاستحقاق الانتخابي القادم، ولم تعد تفصلنا عنه غير أسابيع، فماذا كانت ستفعل مثل هذه الحكومة في مدى ثلاثة أو أربعة أسابيع، إن لم يكن الأمر كله قد وصل إلى أوج العبث والاستهتار بالمصالح العليا للوطن؟
“العرب اونلاين”