الرئيسية / وجهات نظر / «كرامة ليبيا» واستعادة ربيعها من «الإخوان»!
dd21693d2b8a3fc7fd3e55950720bbfd

«كرامة ليبيا» واستعادة ربيعها من «الإخوان»!

هل تكون ليبيا آخر معاقل الإسلام السياسي المتطرف كما وصفها محمود جبريل رئيس وزرائها الأسبق، وهل يستطيع اللواء خليفة حفتر القائد العام للمجلس العسكري، أن يلعب دور عبد الفتاح السيسي الذي انتشل مصر من براثن الفوضى العارمة، بعدما صادر «الإخوان المسلمون» ثورتها برعاية أميركية هدفها «الفوضى الخلاقة» في المنطقة، وهي الفوضى الهدّامة طبعا؟
«كرامة ليبيا» هو عنوان المعركة التي أعلنها اللواء حفتر وزملاؤه، وسرعان ما التفّت حولها قطاعات من الجيش وخرجت المظاهرات الشعبية تأييدا لها، وهي تهدف إلى إنهاء الفوضى المسلحة التي دمّرت «ربيع ليبيا» بعدما هيمن «الإخوان المسلمون» والميليشيات والإرهابيون والتكفيريون والجهويات القبلية على الأوضاع، وهو ما دفع مؤسسات الدولة إلى حافة الانهيار بعد سيطرة المسلحين على البرلمان ومؤسسات الدولة وانتشار الفوضى ما أدى إلى اغتيال بعض السفراء وخروج الدبلوماسيين من طرابلس!
«الإخوان المسلمون» في ليبيا سارعوا إلى وصف «كرامة ليبيا» بأنها انقلاب عسكري على الدولة، تماما كما فعلوا بعدما تحرك عبد الفتاح السيسي لمنع وقوع مصر في حرب أهلية، لكنها في النهاية ليست معركة لاستعادة السلطة المغتصبة في ليبيا فحسب، بل هي معركة وطنية لها أبعاد إقليمية حسّاسة وانعكاسات قارية مهمة.
انزلاق ليبيا إلى الفوضى الأفغانية لا يثير رعب الليبيين وحدهم بل يقلق الدول المجاورة، وتكفي نظرة إلى الخريطة ليتبين أن ليبيا تشكل مفصلا قاريا حساسا جنوب المتوسط يقع بين أوروبا وأفريقيا، وقد تتحول منطلقا لتصدير الفوضى إلى مصر حيث قيل إن 90 في المائة من الأسلحة تسربت منها إلى الإرهابيين الذين يعملون ضد السلطة، وإلى السودان الذي يختزن معاقل للمتشددين، وإلى تونس التي تحاول الإفلات من الفوضى، وإلى الجزائر التي عانت طويلا بسبب التطرف وإلى تشاد والنيجر، وإلى الشمال الأوروبي حيث الخوف من أن يصبح خليج سرت ممرا للعمليات الإرهابية إلى قلب القارة الأوروبية!
المصادر العسكرية الغربية تقدّر بأن هناك 25 مليون قطعة سلاح تنتشر في ليبيا، وبعضها وصل إلى حركة «بوكو حرام» في نيجيريا، التي قيل إنها تمتلك أسلحة مضادة للطيران من بقايا ترسانة القذافي، وإن هناك الآن 320 ألف مسلح من 12 جنسية مختلفة دخلوا ليبيا وفق ما أعلنه محمود جبريل!
وإذا عرفنا أن «المؤتمر الوطني العام» (البرلمان) الذي يسيطر عليه «الإخوان المسلمون» رصد قبل أيام مبلغ 58 مليار دولار، لحكومة يرأسها أحمد معيتيق الإخواني القادم من مصراتة، وهي الرابعة في سلسلة الحكومات المنهارة بسبب الفوضى والاغتيالات، رغم أن مهمتها تنتهي في 25 يونيو (حزيران) المقبل، الموعد المفترض لإجراء انتخابات عامة جديدة، يصبح في الإمكان فهم المخاوف من أن تذهب هذه المبالغ الضخمة لتمويل الميليشيات، فقد كشف جبريل أنه يتم تجنيد المراهقين وشباب من القبائل مقابل 3 آلاف دينار ليبي في الشهر!
وأمام هذا الواقع المقلق ترتفع المراهنة على نجاح اللواء حفتر والجيش الليبي في الإمساك بالوضع ومنع تحوّل ليبيا مستنقعا للإرهاب والتطرف، وأرضا لسلسلة من الحروب الأهلية وفوضى الجريمة على الطريقة الصومالية، وإلا فمن المؤكّد تقريبا أنه لن يكون هناك مفر من تدخل عسكري خارجي قد يجمع قوى إقليمية (مصر والجزائر) وقوى أوروبية (إيطاليا وفرنسا) لن تكون أميركا التي أرسلت بارجة هجومية وبريطانيا بعيدتين عنه، فليبيا بلد نفطي مهم يحتل موقعا جغرافيا استراتيجيا حساسا ومؤثرا في أفريقيا وأوروبا وله أقنية اتصال مع دول الشرق الأوسط وصولا إلى الخليج، أقلّه على قاعدة الرهان الأميركي على أخونة المنطقة الذي انكشف صراحة في مصر!
والمثير أن هناك الآن مبعوثين من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية يحاولون منع انزلاق ليبيا إلى حرب أهلية، بالدعوة إلى حوار وطني وإجراء انتخابات جديدة تعيد تشكيل السلطة، لأن البديل سيكون الانغماس في حروب أهلية طويلة ومدمرة تهدد بدفع ليبيا للعودة إلى ما كانت عليه في الماضي أي ثلاث دول متنازعة وهي طرابلس وبرقة وفزان!
ولكن استشراء فوضى السلاح والمسلحين على الأرض وتمسك «الإخوان المسلمين» بالوضع الليبي كآخر معقل سياسي لفرض سلطتهم ومحاولة تعويم وضعهم المنهار في مصر والمنطقة استطرادا، يجعل من الصعب التوصل إلى حل عبر حوار يؤمن انتقالا سلميا إلى سلطة منتخبة تعيد قواعد المسؤولية إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولهذا ليس محمود جبريل وحده من يراهن على معركة «كرامة ليبيا» لاستعادتها ومنعها من الوقوع في جحيم الصوملة، بل الجيش الليبي والشعب الذي يتظاهر دعما لحفتر ورفاقه، إضافة طبعا إلى الدول الإقليمية والأوروبية!
“الشرق الأوسط”