الرئيسية / وجهات نظر / المنابر في تونس… الرّسالة التي يُرادُ تغييبها
15fb839aedc05863c0a6f83d6ff7324d

المنابر في تونس… الرّسالة التي يُرادُ تغييبها

يحتلّ المنبر المكانة المتميّزة في حياة المسلمين ويُعتبر ضرورة قائمة لتعليم الأمّة و توجيه أفرادها وتربيتهم في كلّ عصر، وهو قلب الأمّة النّابض ولسانها لنّاطق ومنارتها وسط كلّ المستجدّات والحوادث سواء المحلّية أو العالميّة، كما انّه الأداة الفاعلة لإرجاع الأمّة الإسلاميّة للجادّة وردّها إلى الطريق القويم وسط متغيّرات الحياة وتنوير العقل المسلم وإرشاده إلى قيم الدّين الصّحيحة وإجلاء البدع والمحدثات. فالمنبر في حياة المسلمين يمثّل إبرة الإتّجاه التي تعدّل من سلوكياتهم ومعاملاتهم سواء البينيّة أو مع غيرهم ممّن يعايشونهم، ويصفّي مَعين العقيدة ليجلي ما علق بها من ترّهات و اختلاقات.
و المنبر عند أمّة الإسلام بحكم تواتره أسبوعيّا فهو يرصد من قريب حياة النّاس، يستشعر همومهم وليبيّن ما غمض، يقوّم ما اعوجّ و يذكّر ما نُسي، و يعيد كلّ ما أشكل إلى كتاب الله و سنة رسوله وإلى ما أجمع عليه سلف الأمّة وعلمائها في كلّ مناحي حياة المسلمين التعبّديّة، الإجتماعيّة، الإقتصاديّة والسّياسيّة.
و لتكتمل رسالة المنبر و تثبت فاعليّته لابدّ من أن يكون القائمون عليه من أهل الإختصاص و الخبرة و العلم الواسع وغزارة المعرفة وعلى قدر كبير من البلاغة وسعة إطّلاع على العلوم المدنيّة مع ضرورة التحيين الفوري و متملّكين بنواصي العلوم الشرعيّة، كما أنّ استقلاليّة من يعتلي المنبر ضرورة واجبة، استقلاليته عن التبعية لأي حزب أو مذهب بعينه وأن يكون في براءة من أيّ إلتزام نحو الدّولة و هياكلها و في حلّ من أيّ ولاء إلاّ لله و لرسوله و المؤمنين…
هذا المنبر في البلاد التونسيّة مرّ بعقود من الإنحطاط- إلاّ ما رحم ربّي- العقود الأخيرة التي تميّزت بالتجهيل و التغريب فانحرف المنبر عن رسالته السّامية و زُجّ به في متاهات و كُبّل بولاءات للحكّام، كما عُزل عنه أهله و عُوّضوا بدخلاء عديمي العلم، فاقدي القُدرة وربطوهم بهياكل الدّولة تحت مراقبة الدّاخليّة كما ألزموهم بقوالب جاهزة للخطب محصورة في بعض الأحكام التعبّديّة والأخلاقيات، ومنهم من بلغ به جهله أو أجبرته توجيهات النّظام و زبانيته من سدنة التجمّع الفاسد بأن انتصب على المنبر مسوّقا لهذا النّظام و لمناقبه
(التي يدين بها هو) و داعيا إلى شدّ أزر- حامي الحمى و الدّين- و ضرورة التبرّع إلى صندوقه الأسود(26/ 26 ) و توأمه جمعيّة حرمه من بعد الثورة و كما كلّ منابر الكلمة و قطاعات الرأي و مع رجوع حقّ حريّة التعبير إلى المواطن فإنّ المنبر استعاد هو الآخر هذه الحريّة، حريّة كانت ضعيفة برغم ضرورة الأولويّة التي يستحقّها تجاه شعب عربي مسلم اختطفته سنوات الدكتاتورية وحكم البوليس من حاضنته العربية الإسلاميّة لتلقي به في أحضان التغريب والعلمانيّة، حريّة كانت ببوادر من أئمّة و دعاة أخذوا على عاتقهم واجب الإصلاح و النّهوض بالرسالة المنبريّة بتحيين وردّ الإعتبار للخطاب الديني وتوجيهه نحو الوجهة الصّحيحة، بوادر لم يساهم فيها حزب النّهضة الصّاعد للحكم بمرجعيّة إسلامية و لم يظهر له جهد يذكر في توطيد هذا المنحى لتنفرد الأجندات التغريبيّة و سدنة العلمانيّة المتطرّفة و مروّجي الشذوذ الفكري و الجسدي بشنّ الحملات التشويهيّة و تجييش أدعياء الإعلام الرديء لمحاربة دين الله في هذه الأرض تحت تعلاّت واهية لكنّها تبطن عداء مزمنا للإسلام وأهله مدفوعا من قوى خارجيّة و بوكالة محليّة، فركّزوا بدايات حملاتهم على التأكيد ( مع سابقيّة الإصرار) بفصل الدين عن الحياة العامّة وإقصاء شرع الله لأن يطبّق في أرض الله التي عرفت ربّها و آمنت بشريعته منذ قرون عديدة، ثمّ فتحوا واجهات قديمة جديدة لتقزيم وتغييب دور المسجد و حصره في المكانة الرّوحانيّة التعبّديّة على غرار الكنائس، كما لم يفارقهم أن يهاجموا الدّعاة و الأئمة و يترصّدوا لهم الترصّدات و يرموهم جُزافا بمختلف الأراجيف و الشّائعا ت نكاية من عند أنفسهم و طعنا في كلّ ما هو موصول بالدّين الحنيف، حملات متواترة و مقصودة مُواصَلةً (بل أشدّ ضراوة) لما كان يفعله النّظام المدحور تنفيذا لأجندات أعداء الأمّة و من يريدون لها الإنبتات عن كلّ انتماء إسلامي، كما أنّ وكلاء السّوء القائمين على هذه الأفعال الشّنيعة كانوا- أشدّ ملوكيّة من الملك نفسه- فجنّدوا و جيّشوا ورصدوا الجهود للتهويل و التخويف وفبركة الأكاذيب وربط أبسط المستجدّات بالصّحوة و خلطها بالإنفلاتات التي شملت كلّ القطاعات الحياتيّة في البلاد من بعد الثورة …!
كما مارسوا- و يمارسون- كل الضغوط على الدّولة لبسط يدها على المساجد و وضع أئمّتها- تحت الحجْر- و احتواء مادّة الخطابة لتقنينها و التحكّم في قولبتها .
إنّ ما يقع ما هو إلاّ رغبة دنيئة من بعض المتنطّعين من أدعياء العلْمنة و الشّذوذ لا يكمن التصدّي لها فكرا و مقارعة بالحجّة على الأئمّة وحدهم، بل هي من أوكد مسؤوليّات عمق الشعب العربي والمسلم، كما أنّ على الأئمة مواصلة النهج الإصلاحي وتحيين الخطاب الدّيني و الرّجوع به إلى معين الإسلام الصّحيح بمرجعيّة الكتاب والسنّة. يمتدّ واجبهم أيضا إلى تبيان الحضور الفعلي لتعاليم الإسلام في كلّ مناحي الحياة وفي كلّ مستوياتها، وأنّ على المسلمين استشعار حمل لواء الدّعوة بالتي هي أحسن على منهاج النبوّة و أنّهم معنيّون بخدمة هذا الدين بالنّجاح في الصّنائع والعلوم والتكنولوجيا والأخذ بناصية أسباب الرقيّ والعزّة وهي طريق نشر الإسلام و الدّعوة إليه لا بالتنطّع و اعتماد التنظيرات المتطرّفة التي ليست من الدّين في شيء وهو منها براء .
“القدس العربي”