الرئيسية / وجهات نظر / الولادة المتعثرة
0a8c1277695e2e56807c69003916777a

الولادة المتعثرة

بات في شبه المؤكد أنّ الساحة السياسية مقبلة على تحولات جذرية، قد تنتهي إمّا بعودة الوعي للنخبة السياسيّة أو نهاية عصر الاحزاب و«هيمنة» التكنوقراط على المشهد.
حكومة مهدي جمعة أعادت عقارب الساعة الى ما قبل انتخابات أكتوبر 2011 حين احتاجت البلاد تجنبا للفراغ، الاحتكام الى حكومة محايدة لا تنتمي للنظام السابق ولا أيضاً للمنظومة المعارضة له، مع اختلاف جوهري يؤكد أنّ تونس لم تضيّع كثيرا من الوقت وانها نجحت بالفعل في إنقاذ ثورتها من الفشل وانتقالها الديمقراطي من الإجهاض.
الآن اصبح لتونس دستور توافقي، ومشهد سياسي يتراجع فيه منسوب الضباب بوضوح وإن كان بشيء من البطء ، والنخبة السياسيّة بدأت تتجه نحو خيار القطبين الكبيرين، والتوافقات التاريخية سواء في ظل تحالف واسع او تعايش على كنف الاحترام، هو خيار صائب ولكنه صعب، لأنّه يصطدم بولادة جديدة متعثرة للحزبين الكبيرين، الذين يشهدان مخاضا متواصلا، يحدّ من آلامه ما يمتلكهُ رئيسا النهضة والنداء من كاريزما وقدرة على إدارة الاختلافات بحكمة.
قبل أشهر كان القدر الحتمي لحركة النهضة وهي تقود جبهة الترويكا الصدام مع النداء الذي يقود جبهة الإنقاذ، الصورة اختلفت الآن حين أصبح العالم ينظر الى تواجد حزبين كبيرين، نظرة اطمئنان ورهان على أنّ تونس لن تسقط مرة أخرى في نظام الحزب الكبير المهيمن.
الصعوبات التي يعيشها «نداء تونس»، تحت غطاء رفض تعيين حافظ قائد السيسي على راس الهياكل، والأصوات التي ترتفع احيانا في النهضة، وخاصة بعد تحول جزء من الحمائم الى صقور تدفع نحو «التحالف الثوري» والصدام مع النظام القديم، تؤكد أنّ قوى عديدة لا تريد الاستقرار للحياة السياسية، وترى مصالحها في تواصل المواجهة لإضعاف تيارات الاعتدال، وايضاً لمحو نتائج لقاء باريس، الذي أوجد وضعا جديدا، تحولا فيه الأستاذان راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي، الى رمزين للوفاق الوطني، والتعايش بين التونسيين ومنع القطيعة والصدام.
قد يراهن البعض على «وفاة الجنين» قبل أن يولد، لتعود تونس الى مربع الاحتقان والصدام، تخوفا من انتخابات بدأت ترسم ملامح مشهد متوازن سيخسر فيه الثورجيّون والفوضويّون والاستئصاليون، قلاعهم وأسلحتهم ورهاناتهم.
ولكن الشعب التونسي واع جيدا بحقيقة المراهنين على الصدام، ولن يسمح بالعودة الى الصدام مرة اخرى، ولا أعتقدُ أنّه من مصلحة أحد اختبار جدية ذلك لأنّ شعبنا سئم خزعبلات المفلسين والمتشبثين بالكراسي او الطامعين في أخذ السلطة بمنطق الإقصاء والثأر والانتقام.
هي ولادة متعثرة، محاطة بكثير من المخاطر. ولكنها محفوفة بالأمل والثقة في انتصار تيار العقل والوسطية والتوافق، على المتآمرين على وحدة الاحزاب، والمشككين في خيار الوفاق، وزارعي الفخاخ والقنابل الموقوتة لثورتنا التي بقيت الشمعة الوحيدة المضيئة في ظلام الربيع العربي الدامس.
“الشروق” التونسية