الرئيسية / وجهات نظر / إصلاحات بوتفليقة
6ee185018be76ca2a99dabf39f1ca344

إصلاحات بوتفليقة

يرغب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في إضفاء بعد إصلاحي على ولايته الرابعة، من خلال تعديل الدستور، لجهة حصر الرئاسة في ولايتين غير قابلتين للتمديد، وتكريس فصل السلطة ومنح رئيس الوزراء صلاحيات أكبر. لو فعل ذلك قبل الذهاب إلى انتخابات الرئاسة لكان مفعول الحدث أكبر. أقله أن الاستحقاقات في ظل دستور معدل تكون أكثر انسجاماً ونداءات التغيير التي ارتفعت من كل الاتجاهات.
قد يكون بوتفليقة أو محيطه الأقرب في دائرة الحكم أراد إضفاء الشرعية على تعديل الدستور، استناداً إلى النسبة العالية التي حصل عليها في الرئاسيات، كونها حررته إلى حد ما من قيود الالتزام بوضع دستور جديد، عبر آليات منتخبة. وقد تكون البلاد مقبلة على مرحلة يضطلع فيها رئيس الوزراء بدور أكبر على غرار النظم الديموقراطية التي تتحكم صناديق الاقتراع في توجيهها. لكن الموقف يظل رهن تنظيم استحقاقات اشتراعية لا تشوبها انتقادات. ما يحتم في أقل تقدير جذب أحزاب المعارضة إلى مربع المشاركة في الاستشارتين الدستورية والاشتراعية.
لا تبدو الطريق سالكة أمام تحقيق هكذا انتقال من دون صعوبات، فأحزاب المعارضة تطرح خيار الانتقال الديموقراطي بمرجعية وفاقية، قد تفسح في المجال أمام مشاركة أوسع أو تغلق الباب أمام استقطاب في مستوى أهمية اللحظة، بينما ترصد العيون الموقف الذي يلتزمه المرشح المنافس علي بن فليس الذي يعول على تشكيل قوة سياسية بديلة. وبين الحالين يبحث النظام الجزائري عن وسيلة لتصريف «نصره» كمحطة فاصلة بين آخر ولاية وبداية العهدة الجديدة.
صادفه الحظ في التمديد لولاية جديدة بأقل قدر من الخسارة، ولم يجد في ساحة المنافسة من يخطف منه وهج الاستقرار الذي تحول إلى برنامج سياسي بلا أرقام ولا كلفة. وكما أفلتت الجزائر من خنادق الربيع الذي بدأ حريرياً وانتهى بالدم والمقاصل، نجت أيضاً من عدوى الانفلات، وحققت العشرية الدامية ما لم يستطعه أي خطاب ينشد التغيير، بخاصة عندما يتعلق الأمر بالبحث عن الأمن الذي كان مفقوداً.
غير أن السياسة تنبني على معادلات، ومن دون إشراك المعارضة في ترتيبات ما بعد العهدة الرابعة لن تقف على رجليها. وبعد أن أضحى بوتفليقة رئيس كل الجزائريين، لا مبرر لإقصاء أي خصم سياسي في وضع أسس الإصلاح الدستوري. ففي القضايا الكبرى تصغر الخلافات. وإذا كان الرئيس نجا من التقيد بولايتين، كما في اقتراحات التعديل، فلا أقل من أنه يحتاج إلى طوق نجاة من نوع آخر، يحقق وفاق التحدي الدستوري. وليس غير المعارضة من يملك ما يكفي من أوراق الضغط في المعادلة الجديدة.
على الواجهة الأخرى لا تبدو أوضاع جبهة التحرير الجزائرية التي تتنازعها صراعات داخلية، في وارد تكريس التوازن المطلوب. على رغم أنها حققت حضوراً رمزياً من خلال معاودة انتخاب بوتفليقة، ولم تستقر فاعليات الغالبية عند موقع يجعلها قابلة للتفاعل مع المستجدات، كونها تضع كل البيض في سلة النظام، فيما اللعبة الديموقراطية تقتضي ترسيم مسافة تشجع تداول السلطة، فالجزائر مقبلة على مرحلة جديدة، ومن دون تفعيل دور الأحزاب وتحرير العمل السياسي من قالبه القديم الذي يبخس دور المعارضة، لن يكون هناك معنى لمفهوم التداول.
في النهاية حقق بوتفليقة أمنيته في قيادة الجيل الجديد من الإصلاحات، أو هكذا على الأقل سيقترن اسمه بعد أن اقتعد الكرسي المتحرك بالقيام بحركة أكبر في اتجاه تنفيذ الوعود الإصلاحية، بصرف النظر عمن يحركها من وراء الستار. لكن الوئام الذي اعتمده في البحث عن الاستقرار انفتح على فئات راديكالية حملت السلاح. وحري به أن يمتد ليشمل أطياف المعارضة التي تحمل مشروعات سياسية. ولأنه أصبح رئيسا لكل الجزائريين لم يعد مقبولاً أي استمرار في إقصاء الصوت المعارض، فثمة هامش كبير يفترض أن يلازم الإصلاحات الدستورية، إذ يلعب الرئيس دور الحكم، من دون إغفال قواعد اللعبة الديموقراطية التي قد تأتي برئيس وزراء يحوز دعم الغالبية.
عندما بدأت الجزائر تنفيذ الخطوات الأولى في الانفتاح على التعددية السياسية واقتصاد السوق ودعم المبادرة الحرة التي تناقض استمرار هيمنة الدولة في السياسة والاقتصاد، كان واضحاً أن ثمة أفقاً قد انفتح. لم تكتمل التجربة لأن البلاد لم تكن مستعدة لتجريب حكم الإسلاميين. مع أن الجزائر كان في وسعها أن تسبق باقي التجارب التي عرفتها دول عربية أخرى بعد سنوات. وما دام أن أموراً كثيرة تغيرت على الصعيدين الداخلي والإقليمي، فإن الإقدام على اختيار إرادة التغيير الهادئ لن يجعل البلاد تخسر شيئاً. على عكس ذلك ستدفع إلى الالتفاف حول مشروع الإصلاحات التي تُحدث الحد الأدنى من التغيير.
“الحياة” اللندنية