الرئيسية / وجهات نظر / التشاؤم الرئاسي في الجزائر
a7430c1f550a09f9f05b288bce7df1e1

التشاؤم الرئاسي في الجزائر

منذ ثماني سنوات، وفي العام 2008، قام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ومؤيدوه بتعديل الدستور الجزائري، للسماح له بالترشّح لولاية رئاسية ثالثة مدتها خمس سنوات. واليوم عاودوا الكرّة، مع أنه رجل مريض في السابعة والسبعين من عمره، وقد أمضى السنتين الأخيرتين في مستشفى في باريس، عقب إصابته بجلطة دماغية تسبّبت له بمشاكل صحية خطيرة، وأثّرت في قدرته على النطق والحراك. ومع أنّ فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أعطى على ما يبدو تبريراً شعبياً لعملية تعديل الدستور، فإنّ الطريقة التي جرت فيها هذه المناورة تثير شكوكاً، ليس حول مستقبل الديموقراطية الجزائرية فحسب، بل أيضاً حول الديموقراطية في الدول العربية الأخرى التي تصرّف رؤساؤها على هذا النحو.
وتعدّ بعض الأسباب التي تقف خلف التحوّل في الأحداث معروفة جيداً، فيُظهر التاريخ الحديث أنّ الممارسة القائمة على حكومة خاضعة للمساءلة، في ظل انتخابات منتظمة لا تكون دوماً سهلة، لا سيّما في الدول التي تحظى من جهة بأحزاب دينية كبيرة، ومن جهة أخرى بشعب يافع يسعى إلى قيام دولة قوية توفّر له فرص عمل ومواد غذائية وطاقة مدعومة. ويمكن الكلام أيضاً عن التجربة التاريخية المتراكمة، القائمة على إدارة هذه الانتخابات ذاتها، من خلال تصعيب فوز أعضاء سابقين في الفريق الحكومي، أمثال خصم بوتفليقة الأساسي علي بن فليس، ناهيك عن الحملة التي من شأنها حضّ عدد كافٍ من مؤيديه للإقدام على المجازفة المطلوبة للتوجّه إلى صناديق الاقتراع وانتخابه.
لكنّ الأمور قد تذهب إلى أبعد من ذلك، فعلى الرغم من عامل اللغة والثقافة العربية في البلاد، تدفع عوامل محلية محدّدة، أقله في الجزائر، إلى التفكير في الاستثنائية التاريخية لهذا البلد، الذي يُعتبَر أولاً دولة نفطية، أفاد شعبها عموماً من أسعار النفط المرتفعة في العقد الماضي. إلى ذلك، هو بلد شهد حربين أهليتين ضروستين. وأخيراً وليس آخراً، نذكر بنية السلطة بحد ذاتها، المعروفة من الجميع بالعنوان الفرنسي «لو بوفوار» (أي السلطة)، التي تقوم على مجموعة من الجنرالات الكبار في السن، ومن رجالات الاستخبارات، الذين حكموا البلد منذ استقلاله، وكدّسوا مجموعة هائلة من المصالح الشخصية المؤسسية لحماية أنفسهم.
وفي ظلّ هذه العوامل، كان يمكن أن يفوز بوتفليقة بأكثرية الأصوات من دون الحاجة إلى أي تكتيك مشبوه، فمعروفة عنه قدرته على إعادة الاستقرار السياسي، وإبقاء الجيش تحت سيطرته، بغضّ النظر عن كون ذلك خطأ أو صواباً. وقد صدرت عن امرأة جزائرية أجريت مقابلة معها، عقب إعلان النتائج، جملة تهكمية مفادها أنّ «اللص الذي تعرفه أفضل من ذلك الذي تجهله».
لكن ثمة عوامل أخرى تستحق عناء التوقف عندها والتفكير فيها، وسأذكر ثلاثاً منها: أولاً يساهم التركيز على شخصية الرئيس وصحته وطموحه، كما هو الحال في عدد من الدول العربية، في جعل النقاش المعقول حول مشاكل البلد الاقتصادية الأساسية في العالم بعد أزمة النفط صعباً. ثانياً، من الضروري التطرّق إلى مسألة الخلافة وما إذا كان بوتفليقة راغباً أو قادراً على تعيين نائب رئيس ليخلفه.
أما العامل الثالث والأهم بالنسبة إليّ، فهو المثال المؤسف الذي قدّمه من خلال قيامه باستغلال عملية الجزائر السياسية من على سرير مرضه، باعتماد وسائل، وإن تناسبت في ظاهرها مع نص الشرعية الدستورية، لا تأخذ بالاعتبار الرغبة التي عبّر عنها واضعو الدستور، في ما يتعلق بالقيود المفروضة على السلطة الرئاسية الحالية. وفي حال تمكّن من النجاح، فبوسع خلفائه أن ينجحوا أيضاً. لكن هل يتمّ ذلك على حساب احترام الدستور، لا سيما في بلد لا يملك محكمة عليا تضم قضاة مستعدين للحفاظ على هذا الاحترام في وجه الضغوط السياسية من أي نوع كانت؟
قال المتبصّر الإنكليزي-الإيرلندي أوسكار وايلد، إنّ المتشائم «هو الشخص الذي يعرف ثمن كلّ شيء ولا يعرف قيمة أي شيء». وفي حال كان ذلك صحيحاً، قد يكون التشكيك بهذه الطريقة دليلاً قيّماً للحياة اليومية، حيث إنّ عدم معرفة قيمة أمر ثمين كالدستور قد تقوّض الاحترام للوثيقة بحد ذاتها. وينطبق الأمر نفسه على دور الدستور، بصفته مجموعة من القواعد التي تحكم الممارسة السياسية. وفي أميركا، يُقسِم كلّ رئيس جديد بأنّه سيحترم أحكام الدستور. وأفترض أنّ بوتفليقة أقسم بدوره باحترامها، ويجب أن يلتزم بوعده.
“الحياة” اللندنية