الرئيسية / دولي / تعديل الدستور الإسباني… متطلبات العصر وانتظارات المجتمع
2170af5041a6f3a12424224bf0dfc24a

تعديل الدستور الإسباني… متطلبات العصر وانتظارات المجتمع

أفشل البرلمان  الإسباني،  يوم الثلاثاء الماضي بتصويت شبه إجماعي، خطوة أقدم عليها من مدة، البرلمان المحلي لإقليم”كاتالونيا” طالبا  تخويله  صلاحيات السيادة التشريعية لإجراء استفتاء يوم التاسع من نوفمبر المقبل؛ يقرر المقترعون  بواسطته  نوعية العلاقة التي ستربط إقليمهم  مستقبلا، بالعرش الإسباني: هل يظل  مشمولا بسيادته؛أم  يختار السكان وضعا آخر؛ يتضمن  سيناريوهات، بينها الانفصال وإعلان “جمهورية كاتالونيا المستقلة”.
ولا تحظى المبادرة، طبقا لتقارير مستقلة،  بتـأييد  غالبية سكان الإقليم، لكن  اليمين الليبرالي  واليسار الجهوري، يحرضان عليها  بحماسة وخصوصا بعد أن  لقيت معارضة قوية واستنكارا من الأحزاب الوطنية الكبرى وتحديدا الحزب الشعبي الحاكم  والاشتراكي المعارض، اللذين لهما حضور سياسي معتبر في الإقليم.
وكانت  المحكمة الدستورية، قضت أخيرا برفض الطلب”الكاتالاني” كونه يناقض روح  الدستور  الذي يحصر ممارسة السيادة التشريعية  في البرلمان  الوطني، ولا تتحدث بنوده أو تشير قطعا  إلى أي  استفتاء تقرير المصير في نطاق التراب الوطني.
وكان رفض المؤسسة التشريعية الوطنية متوقعا، وكذلك  المصرون على إجراء الاستفتاء الذين يجهرون بالقول أنه  لا توجد قوة يمكن أن تقف  ضد حق شعب في اختيار النظام الذي  يطمح  إليه، تعبيرا عن تطلعاته   الحرة العميقة وتمشيا مع حقوق الإنسان بمعناها الحديث.
هذا التصعيد، يمكن أن ينذر بحدوث مواجهات عنيفة  بين الراغين في الانفصال  والمتشبثين بوحدة التراب الإسباني والإبقاء على اللحمة الوطنية، في إطار لا مركزية، تخول  حاليا الأقاليم الإسبانية، تدبير شأنها المحلي بواسطة برلمان  وحكومات مستقلة  ذات صلاحيات واسعة.
وكانت القوات المسلحة الإسبانية، وجهت قبل أسابيع  تحذيرا  صريحا  للقوميين “الكاتالان”،على لسان وزير الدفاع، مؤكدة  أنها ستحمي الشرعية الدستورية وتدافع عن حوزة الوطن الموحد.  وليس للجيش أسلوب غير استعمال القوة  في حالات مماثلة.
والواقع أن الأزمة المستعرة، بين  حكومتي مدريد وبرشلونة، لها أسباب وخلفيات تاريخية، وسياسية ومالية
فقد تنامي  شعور قومي  في الإقليم، عبر الزمن، فاقمته الأزمة الأخيرة، خاصة وأن الإقليم  تمتع في الماضي بكيان استقلالي؛ تطور نحو حكومة “الجينيراليتات” كما أن السكان  قاوموا بضراوة، تمرد الجنرال فرانكو، على الجمهورية، عام 1936. وحينما وضعت الحرب  الأهلية أوزارها وانتصرت  الفاشية  العسكرية، مارست  استبدادا  على الإقليم  اشد قساوة من الذي مورس على عموم الشعب الإسباني. وكمثال على القهر، منع على السكان الحديث واستعمال  اللغة الكاتالانية. وحين استلم العاهل الإسباني الحكم بعد وفاة الديكتاتور، حرص على مد يد  المصالحة وإشراك الإقليم “العاق”، في رسم المسار السياسي الديموقراطي لبلاده، فتم التجاوب مع رغبته وضمن بذلك  مشاركة الإقليم في الاستفتاء على أول دستور ديموقراطي، مثلما أسهمت نخبه، في النقاش الوطني السياسي العام، يتقدمهم  زعيم  تاريخي هو  جوزيف تيراديياس، ذو الميول الجمهورية المعلنة الذي سهل برجاحة رايه وموقفه عملية الانتقال الديموقراطي والنزاع  الحالي، ذو طابع مالي  اقتصادي، فالقويمون الكاتلان، يدعون، وربما عن حق، أن الإقليم يكد  ويشتغل، بينما الحكومة المركزية  هي المستفيد الأول من تعبهم وعرقهم؛ لذلك  لم تتوقف في  الماضي مطالب الحكومات المحلية، للسلطة  المركزية بأن تضخ في صناديقها وتعيد لها ما تأخذه من خيرات الإقليم.
أكيد أن الخلاف  المالي  يمكن حله وتجاوزه لما تستعيد البلاد عافيتها الاقتصادية والمالية، إنما  العائق الأكبر يتمثل في كيفية  مقاومة شعور قومي متطرف متصاعد،  يؤجج ناره  اليسار المتطرف، مدفوعا بالرغبة في  انتقام تاريخي واعتبارات إيديولوجيةعفا عليها الزمن.
هذا ما جعل الحزب الاشتراكي العمالي، يقترح، كعلاج،  إجراء تعديل دستوري، للسيطرة على الورم الانفصالي، وذلك  بتحيين الدستور الحالي، ومراجعته على  ضوء المستجدات والمتغيرات  الحاصلة في إسبانيا ومحيطها الإقليمي والدولي.
 ويؤمن الاشتراكيون أن الاستجابة لبعض مطالب  “كاتالونيا” وسواها من الإقليم الإسبانية، ممكن،عبر التفاوض  والحوار  والتشاور العريض. ويعتقد الحزب أنه  لا مفر من  التطلع  نحو نظام فيدرالي أو شبيه به. لكن الحزب الشعبي الحاكم، المؤمن بمركزية الدولة  المتحكمة، غير مرتاح لطرح الاشتراكيين  ولذلك فهو يعارض أي تعديل دستوري  في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، خشية أن يفتح أبوابا يصعب اقفالها فيما بعد.
هذه باختزال، بعض ملامح الأزمة  السياسية، بين الحكومة المركزية في مدريد، والحكومة المستقلة في “برشلونة”. هذه الأخيرة  يقودها حزب “وحدة ووئام” ذو التوجه الليبرالي،  في تحالف ضد الطبيعة  مع اليسار الجمهوري، الكاره للملكية.
ومن المفارقات  أن تنهض الصحوة الحامية وتبرز الدعوة إلى الانفصال، في وقت القت فيه السلاح منظمة “ايطا” الانفصالية، في إقليم “الباسك” بعد حرب شرسة ضد الدولة من أجل استقلال بلاد “الباسك”.
دعت “المنظمة” التي أزهقت أرواحا كثيرة، في خاتمة  كفاحها اليائس  إلى حل سلمي تاريخي، قابلته  الحكومة اليمينية  الحالية  باشتراط  استسلام تام  ونزح كلي  للسلاح، وأن تجلس المنظمة التي روعت الإسبان لعقود، طأطأة الرأس،  إلى طاولة الحوار.
 وما كان للحزب الشعبي أن يتشدد في شروطه،  لولا ثقته في التأييد الثابت  الذي يلقاه من الحزب الاشتراكي المعارض، في إطار ميثاق  تحالف ضد الإرهاب، يجمع الحزبين الكبيرين منذ مدة، ما مكنهما، وهما في الحكم على التوالي،  من هزيمة دعاة العنف وعدم الإذعان لإملاءاتهم.
إن العقلاء في إسبانيا وأوروبا، يعتقدون أن انفصال،كاتالونيا، عن مملكة “أراغون: التاريخية، هو انتحار سياسي بامتياز وانقياد  نحو المجهول؛ فالمؤكد أن الاتحاد الأوروبي، ككيان مؤسساتي، يسعى لمزيد من التوحيد، سيعارض نزوع  العناصر الوطنية في، كاتالونيا؛ وبالتالي قلا مستقبل  ولا مكان  لهم تحت الخيمة الأوروبية.
وأن ما يخشاه الأوروبيون، أن يوقظ صراع  “مدريد/ برشلونة” جراحا غائرة  وماضيا مؤلما ما زالت أثاره قابعة  في وجدان القارة العجوز.
من العسير حقا على التنظيمات المتشددة، ان تنال مبتغاها السياسي،  في زمن  العولمة وانتفاء الحدود وانفتاح الأسواق وتداعي الايديولوجيا الوطنية؛ لكن  مزية هذه “الرجات” تكمن في أنها  تنبه إلى ضرورة  أعمال النظر، بين الفينة والأخرى، في المواثيق السامية،  التي  تنظم الحياة بين أفراد مجموعة بشرية في مكان ما.
اعتبر الدستور الإسباني، وقت تحريره والمصادقة  الشعبية عليه، وثيقة  استثنائية، نقلت البلاد من ظلام الاستبداد إلى ضياء الحرية. ولربما آن الأوان لإعادة قراءة  الوثيقة على ضوء نقد مشروع لها، ومراعاة إكراهات  العصر الضاغطة وانتظارات المجتمع  المتناسلة.