الرئيسية / المغرب الكبير / شباب تونس ..بين فكي كماشة المشاكل الاجتماعية والتطرف
تحديات اقتصادية واجتماعية

شباب تونس ..بين فكي كماشة المشاكل الاجتماعية والتطرف

بالرغم من الكلفة البشرية التي دفعتها تونس بعد هجوم “بن قردان”، إلا أن البلاد استطاعت مرة أخرى تجنب كارثة حقيقية نتيجة للاشتباكات العنيفة التي شهدتها المدينة الحدودية بين قوات الأمن والجيش الوطني والعناصر الإرهابية المتسللة.

ولعل تمكن تونس من إحباط السيناريو الإرهابي الذي كان يهدف إلى زعزعة وضرب استقرارها الأمني، لا يعني بالضرورة أنها كسبت الحرب التي دخلتها منذ مدة ضد الإرهاب، حيث أن تعطش المجتمع الدولي لتدخل عسكري في ليبيا ضد “داعش”، وتمدد هذا الأخير في الأراضي الليبية، تحول إلى هاجس حقيقي بالنسبة لمسؤوليها.

كانت حصيلة يومان من الاشتباكات مع العناصر الإرهابية في “بن قدران” كافية لاستخلاص جملة من الدروس بشأن تعاطي البلاد مع الإرهاب الذي، وحسب تصريحات مسؤولي الحكومة التونسية، لم يتسلل هذه المرة عبر الحدود الليبية وإنما نبع من الداخل.

وفي تعليقه على أحداث “بنقردان”، قال رئيس الحكومة الحبيب الصيد أن بلاده ليست على يقين من تسلل العناصر الإرهابية من ليبيا أو غيرها، مشيرا إلى أن غالبية المتطرفين كانوا تونسيي الجنسية، ما قد يعني أن استهداف المدينة الحدودية جرى التخطيط له من داخل تونس وبنقردان نفسها.

وأوضح الصيد في تصريحاته الثلاثاء الماضي، أن “حوالي 50 إرهابياً نفذوا الهجوم على منطقتين تابعتين للأمن والجيش الوطني في المدينة، حيث كان أغلبهم من التونسيين”، مؤكدا أن إشارة انطلاق الهجوم أعطيت من مكان قريب من مسجد بالمدينة وليس من المسجد نفسه كما تم تداوله عبر المنابر الإعلامية.

قراءة المسؤولين التونسيين لأحداث “بنقردان” الأخيرة وإن كانت واقعية، لا يجب أن تغفل ضرورة استنفار البلاد لقواتها الأمنية استعدادا لمواجهة خطر الإرهاب الذي سيتفاقم في حال تدخلت الدول الغربية في ليبيا، دون إغفال منابعه من داخل تونس نفسها.

تونس..مسرح لهجمات داعش

منذ الهجوم الدامي الذي هز متحف “باردو” في العاصمة تونس والذي أسفر عن سقوط عشرات القتلى في صفوف السياح، قررت السلطات التونسية الانخراط في مسلسل الحرب ضد الإرهاب، إلا أن مخططات التطرف لم تمهل البلاد الكثير حتى ضربت مجددا لتستهدف مدينة سوسة الساحلية، محاولة بذلك استهداف السياحة، رئة الاقتصاد الوطني.

شكل هجوم “سوسة” الإرهابي وحصيلته الثقيلة التي راح ضحيتها 38 قتيلا أغلبهم من السياح البريطانيين، بمثابة ضربة موجعة للاقتصاد التونسي استنفرت معها البلاد قواتها للتصدي لخطر تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي.

هذا وبالرغم من وقوف المجتمع الدولي في صف تونس ومسارعة عدد من الدول، على رأسها ألمانيا، لتقديم الدعم المالي واللوجيستي للبلاد لمواجهة تسلل مقاتلي تنظيم الدولة عبر الحدود مع ليبيا، إلا أن ذلك لم يكن كافيا بدليل الهجوم الثالث الذي شنه أحد عناصر التنظيم على حافلة للأمن الرئاسي في قلب العاصمة تونس موديا بحياة 12 عونا أمنيا.

تونس..مصدر الإرهاب

وفي الوقت الذي انكبت فيه تونس على مراقبة المنابع الخارجية لإرهاب تنظيم الدولة الذي  لا يعترف بالحدود الجغرافية حيث يتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية بوابة جديدة لاستقطاب المزيد من المقاتلين إلى صفوفه، مستخدما “الجهاد في سبيل الدين” و”الرواتب المغرية” و”الحور العين” في حالة الاستشهاد، طعما لاستدراج شباب تونس ، فاتحا بذلك جبهة صراع جديدة على هذه الأخيرة، التي تصنف اليوم في صدارة الدول المصدرة للإرهاب.

وحسب الأرقام الاستخباراتية، يأتي التونسيون على رأس مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في كل من سوريا والعراق، حيث أكدت بعض مراكز البحث الدولية أن ما بين 2500 و3000 تونسي يقاتلون اليوم في صفوف التنظيم الإرهابي الأخطر في المنطقة، في وقت تحدث فيه مسؤولون حكوميون عن مئات السلفيين الجهاديين الذين يقبعون في السجون التونسية.

تزايد أعداد التونسيين المتبنين للفكر “الداعشي”، والمتحمسين للسفر إلى بؤر الصراع للقتال في صفوفه بات يطرح الكثير من علامات الاستفهام بخصوص العوامل الأساسية التي تدفع هؤلاء إلى الالتحاق بتنظيم الدولة، خاصة بعد ثورة “الياسمين” التي وضعت من خلالها البلاد نهاية لعهد من الاستبداد والتضييق على الحريات والحياة الدينية بالخصوص، وتجسيدها للمثال الناجح لما يعرف بـ “ثورات الربيع العربي”.

الأسباب الذاتية للتطرف

يرى مراقبو الشأن التونسي أن تشخيص “بروفايل” شباب تونس المنخرط في صفوف التنظيم يشير إلى وجود نوع من النقص على المستوى المادي والفكري والنفسي والاجتماعي الذي يستغله “داعش” لاستدراج هذه الفئة إلى صفوفه.

ويؤكد المراقبون أن حالة الإحباط التي تعاني منها شريحة عريضة من الشباب في تونس نتيجة تزايد المشاكل الاجتماعية بما فيها البطالة والتهميش والزبونية وعدم تكافؤ فرص العمل، ساهم في تولد حالة سخط ورغبة في الانتقام من المجتمع والدولة بالأساس لدى هذه الفئة، إحساس يمثل ورقة “جوكر” بالنسبة للتنظيم المتطرف.

استفاد تنظيم الدولة، الذي جند “شيوخه” عبر الشبكة العنكبوتية من الفراغ الروحي  ومحدودية الرصيد الفكري والوعي الديني وأيضا التركيبة النفسية الهشة التي عاشت في ظل زمن القمع عهد نظام زين العابدين بن علي، من أجل زرع بذور الانتقام من المجتمع وتحويل “أنا” الشاب التونسي المقموعة والعاطلة إلى “أنا” فاعلة في مجتمعه من خلال الجهاد والقتل بذريعة “التكفير”.

داعش..دولة الخلافة

لم تقتصر آلية “داعش” الدعائية على إبراز ذاته في صورة التنظيم الذي جاء ليحقق إرادة الله في الأرض ويقيم “دولة الخلافة” التي، وحسب ادعاءاته، ستنصر المسلمين المضطهدين في العالم، وإنما رسم حوله هالة خارقة لتنظيم قوي باستطاعته زعزعة أقوى الأنظمة في العالم كيفما يريد ووقتما يريد، معتمدا في ذلك على أحدث التقنيات التكنولوجية وطرق التصوير الرقمي والفيديوهات عالية الجودة المرفقة بالأناشيد الجهادية التي استطاعت في كثير من الأحيان التسلل إلى عقول الشباب الساخط والمتحمس للانتقام مستدرجة إياه إلى صفوف آلة “داعش” القتالية.

لم يوصف “داعش” بكونه أخطر تنظيم إرهابي في المنطقة بمحض الصدفة، وإنما جاء ذلك نتيجة للوسائل الخطيرة والذكية التي اعتمدها لإغراء واستقطاب المقاتلين إلى صفوفه، حتى صار الانضمام إليه في عيون هؤلاء عملا جليلا، وتحول معه الشاب المهمش داخل المجتمع التونسي إلى بطل أسطوري يحمل أسماء من قبيل “القعقاع التونسي” و”أبي المجاهد” وغيرها، وينصب أميرا أو رئيسا لكتيبة داخل التنظيم يتقاضى عليها مئات الدولارات بعد أن كان عاطلا عن العمل.

محاربة التطرف..مسؤولية الجميع

إن انخراط تونس في مسلسل محاربة التطرف في المنطقة لا يمكن أن يعطي أكله إلا بالخوض في الدواعي المباشرة التي حولت الأخيرة إلى مصدر رئيسي للإرهاب، حيث أن مواجهة هذا السرطان الذي أصبح ينهش جسد المجتمع التونسي شيئا فشيئا لا يمكن أن تتم في منأى عن القضاء على مسبباته داخل البلاد.

وفي الوقت الذي ركزت السلطات التونسية اهتمامها على مراقبة الحدود مع ليبيا وفرضها حالة الطوارئ بالبلاد وتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية، كان الأحرى بها إشراك فاعلي المجتمع المدني بمن فيهم الشيوخ وعلماء الفقه والدين لاحتواء مسألة التطرف من جميع جوانبها، علاوة على الاهتمام بالشباب المهمش في المناطق الداخلية أو الواقعة على المناطق الحدودية التي أهملتها مخططات التنمية على  مدى سنوات.

إن الشعور بالإقصاء الذي يتملك فئة من التونسيين الذين يعتقدون أنهم تحولوا عبر السنوات إلى “مواطنين من الدرجة الثانية”، وتزايد نسب الفقر والبطالة في أوساطهم إلى جانب افتقار مناطقهم إلى ابسط المرافق العمومية التي تمثل حقا من حقوقهم، كانت ولا تزال سببا من أسباب تحولهم إلى قنابل موقوتة تهدد أمن واستقرار بلادهم.

إقرأ أيضا بريطانيا تتدخل في تونس لقطع الطريق على “داعش”