الرئيسية / ثقافة ومعرفة / المجتمع المسيّس في كردستان يواجه نظاماً سلطانياً
Kurdistan

المجتمع المسيّس في كردستان يواجه نظاماً سلطانياً

يتمتع إقليم كردستان العراق بقدرٍ أكبر من الاستقرار والتنمية الاقتصادية والتعدّدية السياسية من بقية البلاد. ويطالب الرأي العام في ظل حكومة إقليم كردستان بحوكمة قائمة على سيادة القانون. غير أن السلطة تتركّز في أيدي الأحزاب والأسر الحاكمة، التي تعمل على إدامة نظام سلطاني غير ديمقراطي. في حين قد تُفاقم هذه الديناميكيات حالة عدم الاستقرار في إقليم كردستان والمناطق المجاورة له، يمكنها أيضاً أن توفّر فرصة نادرة للدمقرطة.

الديناميكيات في حكومة إقليم كردستان

• يهيمن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة رئيس إقليم كردستان الحالي مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة رئيس العراق السابق جلال الطالباني، على النظام جنباً إلى جنب مع اثنتين من الأسر الحاكمة هما البارزاني والطالباني.
• يتقاسم قطاعَ الأمن وأجهزةَ الاستخبارات وقيادةَ الوحدات العسكرية في حكومة إقليم كردستان الحزبُ الديمقراطي الكردستاني والاتحادُ الوطني الكردستاني.
• شهد إقليم كردستان طفرة اقتصادية بين عامَي 2003 و2013 كانت قائمة على عائدات النفط والاستثمار الأجنبي. غذّى الانتعاش الاقتصادي المفاجئ التنمية في الإقليم، غير أنه أدّى أيضاً إلى إثراء المستثمرين والنخبة الحاكمة وتمكينهما.
• اعتباراً من مطلع العام 2014، بدأت حكومة إقليم كردستان تواجه أزمة اقتصادية حادّة بسبب الفساد، وسوء الإدارة، والخلافات مع بغداد، ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.
• يعبّر المجتمع الكردي بصورة متزايدة عن معارضته لتوجّهات النظام السلطاني. وقد أدّت الحركات الاجتماعية إلى إحداث تغييرات تدريجية وجزئية لكن مهمّة.
• الأحزاب التي كانت في صفوف المعارضة في السابق، بما فيها حركة التغيير (گۆڕان) القوية، هي الآن جزء من الحكومة.
اغتنام الفرصة
• تواجه حركة التغيير (گۆڕان) وأحزاب المعارضة السابقة الأخرى تحدّياً يتمثّل في تقديم نموذج بديل من السياسة والسياسيين، يكون غير فاسد أوغير مستلحَق من قبل النظام السلطاني. ويتعيّن على زعماء المعارضة السابقة والقواعد الشعبية مساءلة مسؤوليها، وإذا لزم الأمر، استبدال الفاسدين منهم بمسؤولين جديرين بالثقة ويتمتّعون بالمصداقيّة.
• وعد الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بإصلاح النظام. وإذا لم يتمّ ذلك، ينبغي على حركة التغيير (گۆڕان) وغيرها من أحزاب المعارضة السابقة أن تكون واقعيّة بشأن فرص إصلاح النظام من الداخل، وأن تبحث في استراتيجيات سلميّة ومدنية بديلة للضغط على الحزبين للوفاء بوعودهما.
• يمكن للحكومات الغربية أن تساعد في التحفيز على إجراء التغيير في إقليم كردستان، من خلال الإصرار على إنشاء جيش وشرطة وأجهزة أمنية وطنية وغير حزبية. كما ينبغي عليها أن تضغط على الحكومة الاتحادية في بغداد للتوصّل إلى اتفاق نهائي مع حكومة إقليم كردستان حول وضع الإقليم، وترسيم الحدود بشكل واضح، وإيجاد حلّ للقضايا السياسية والاقتصادية العالقة بين أربيل وبغداد.

مقدّمة

تصف حكومة إقليم كردستان والمراقبون الخارجيون إقليم كردستان، في بعض الأحيان، بأنه “العراق الآخر”، أي المكان الذي يتمتّع بالاستقرار النسبي والأمن والتنمية الاقتصادية والتعدّدية السياسية، وبهامش من الحرية للمجتمع المدني. ربما يكون هذا صحيحاً، غير أن هذا التقييم يغفل عن توضيح الأجزاء الرئيسة للقصة. إذ يهيمن على الإقليم حزبان رئيسان هما الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة الرئيس الحالي للإقليم مسعود البارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة رئيس العراق السابق جلال الطالباني. كما تُهيمن عليه أسرتان حاكمتان هما البارزاني والطالباني، اللتان أنشأتا ما يُعرف “بالنظام السلطاني” وحاولتا على مدى عقود عدّة توطيد حكمهما.
بين عامَي 2003 و2013، شهد إقليم كردستان طفرة اقتصادية ملحوظة، استندت إلى عائدات النفط وتدفّق الاستثمارات الدولية. ربما تكون الطفرة عادت عموماً بالنفع على الإقليم، إلا أنها أثْرت ومكّنت النُّخَب الحاكمة والمستثمرين الأجانب، خاصة في تركيا، وأدّت إلى توفير مكاسب سريعة للزعماء المؤثّرين وأصدقائهم المقرّبين في إقليم كردستان. وعلى الصعيدَين السياسي والاقتصادي، عزّزت الطفرة قبضة الحزب الديمقراطي الكردستاني على السلطة، وإلى حدّ أقلّ حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، خاصة في قطاع النفط الاستراتيجي.
تعزّزت هذه العملية عبر إقرار ما يُسمّى بالاتفاق الاستراتيجي في العام 2007 بين الحزبين. من خلال هذا الاتفاق، الذي كان صفقة بين الزعماء أكثر منه بين الحزبين، اتّفق الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على تقاسم السلطة والثروة. وبموجب شروط الاتفاق، دعم مسعود البارزاني جلال الطالباني في مسعاه إلى أن يصبح رئيساً للعراق. بدوره، قدّم الطالباني للبارزاني وللحزب الديمقراطي الكردستاني تفويضاً مطلقاً للهيمنة على الحكومة والسياسة والأمن والاقتصاد (قطاع النفط الحيوي على وجه الخصوص)، والعلاقات الخارجية لحكومة إقليم كردستان. أصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني الشريك الرئيس، فيما أصبح الاتحاد الوطني الكردستاني الشريك الأصغر في السياسة الكردية.
ثمّة مفارقة من نوع ما تتكشّف رويداً رويداً في إقليم كردستان، وتتمثّل في التناقض بين هذا النظام وبين تطوّر المجتمع. فقد أصبح المجتمع في حكومة إقليم كردستان مسيّساً أكثر فأكثر، فيما أصبح الناس واعين لحقوقهم أكثر من أي وقت مضى، ويسعون جاهدين إلى الحصول عليها. مع ذلك، وفي الوقت نفسه، أصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أكثر “سلطانية”. السلطانية، تعريفاً، هي شكل من أشكال الحكم يقوم على المحسوبية، والزبائنية، ومحاباة الأقارب، والشخصانية، والسلالية (الحاكمة).
وبينما يحاول الحزبان والعائلتان الحاكمتان تعزيز نظام سلطاني غير ديمقراطي، يسعى أفراد المجتمع إلى مزيد من الديمقراطية وبالتالي إلى نظام غير سلطاني بطبيعته يقوم على سيادة القانون والجدارة والشفافية والمساءلة. ويتجلّى هذا السعي في احتجاجات منتظمة ضد انعدام سيادة القانون وظاهرة الإفلات من العقاب والفساد المستشري على أعلى المستويات.
من غير الواضح كيف سيتطور التوازن بين هاتين القوتين، بيد أنه يبدو مهمّاً، وستترتّب عليه آثار لاتقتصر على كردستان وحسب، بل أيضاً على العراق وحلفائه. إذ تلعب حكومة إقليم كردستان دوراً حاسماً في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية الجهادي. وكما تتوفّر في الإقليم موارد هائلة من النفط والغاز، حيث استثمرت بعض شركات النفط الغربية الكبرى والقوى الإقليمية مثل تركيا بكثافة في قطاع الطاقة في إقليم كردستان. علاوةً على ذلك، يُعتبر المجتمع الكردي العلماني والإسلامي المعتدل بصورة عامة حليفاً اجتماعياً أساسياً على المدى الطويل في المعركة ضد التطرّف الديني.
لكل هذه الأسباب، فإن تطوّر الدينامكيات بين النظام السلطاني وبين المجتمع المسيّس سيكون له تأثير خارج كردستان.

إقليم كردستان المتطوّر

ناضل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على مدى عقود من أجل حقوق الأكراد في العراق. وقادت أسرة البارزاني الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو حزب كان محافظاً، منذ تأسيسه العام 1946. ونظراً إلى الصراعات الإيديولوجية والشخصية، تخلّى الطالباني وأعضاء كبار آخرون عن الحزب الديمقراطي الكردستاني في ستينيات القرن الماضي، وشكّلوا الاتحاد الوطني الكردستاني الأكثر يسارية وتقدّمية في العام 1976. وشنّ الحزبان صراعاً ثورياً مسلحاً ضد الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين.
في آذار/مارس 1991، بدأ الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني هجمات مسلحة ضد الجيش وأجهزة الأمن العراقية، وامتدّت الانتفاضات الشعبية ضد صدام حسين إلى كل أنحاء كردستان. وفي أواخر العام 1991، وقّع الجيش العراقي والقوات الكردية اتفاقاً لوقف إطلاق النار، وبعد ذلك سحبت الحكومة المركزية العراقية إدارتها وجيشها وأجهزتها الأمنية من الإقليم. ثم أنشأ الأكراد حكومة إقليم كردستان المستقل بحكم الأمر الواقع تحت حماية الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا.
عقدت السلطات الكردية انتخابات في العام 1992. اختلف الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على نتائج الانتخابات، لكنهما اتّفقا على صيغة مناصفة (50-50) لحكم الإقليم. وبموجب هذا الاتفاق، أصبح لكل مؤسّسة وزير من أحد الحزبين ونائب له من الحزب الآخر. تم تطبيق هذه الصيغة على مختلف مستويات الهيئات الرسمية، كالحكومات المحلية وأجهزة الأمن وقوات الشرطة. وفي العام 1994، اندلعت حرب أهلية بين الحزبين بسبب النزاعات المحلية حول حقوق حيازة الأراضي والتنافس على عائدات الجمارك. ووفقاً للمجلة الدولية للصليب الأحمر، قُتل في هذه الحرب 3 آلاف مقاتل ومدني، وشُرّد عشرات الآلاف. وفي العام 1998، توسّطت الولايات المتحدة وساعدت في التوصّل إلى اتفاق لإنهاء الأعمال العدائية، فشكّل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني حكومتين متنافستين.
شكّل سقوط نظام صدام حسين في العام 2003 علامة فارقة في تاريخ الإقليم. فقد بشّر بنهاية نظامين للعقوبات، أحدهما فرضته الأمم المتحدة على العراق والآخر فرضه العراق على حكومة إقليم كردستان، فضلاً عن النهاية التدريجية للإدارتين المنفصلتين للإقليم وتشكيل حكومة موحّدة.
في السنوات العشر التي تلت ذلك، شهد إقليم كردستان طفرة اقتصادية. كان النمو السريع قائماً على عائدات النفط والاستثمارات الأجنبية، وخاصة من تركيا، ومهّدت له القوانين الملائمة لممارسة الأعمال التجارية والبيئة الآمنة. واعتباراً من آب/أغسطس 2006 وحتى آذار/مارس 2014، تم استثمار أكثر من 38 مليار دولار أميركي في إقليم كردستان. وجرى استثمار أكثر من ثلثَي هذا المبلغ في قطاع البناء والتشييد، ما يعكس رغبةً في تحقيق أرباح سريعة وكبيرة، في حين أُهملت قطاعات الزراعة والصناعة التحويلية في الإقليم.
في آب/أغسطس 2007، أقرّ البرلمان الإقليمي قانون النفط والغاز في كردستان، وذلك بهدف المساعدة في تطوير موارد النفط والغاز في الإقليم، والذي يموّل مايقرب من 94 في المئة من ميزانيته. وتعمل الآن في الإقليم تسع وثلاثون شركة نفط من تسع عشرة دولة، حيث وقّعت حكومة إقليم كردستان 60 عقداً معها. وتبلغ احتياطيات النفط المؤكّدة في الإقليم 45 مليار برميل، فيما تتراوح احتياطيات الغاز الطبيعي بين 100 و200 تريليون قدم مكعب. وفي العام 2014، بلغت الطاقة الإنتاجية للنفط 400 ألف برميل يومياً. ولدى وزارة الموارد الطبيعية خطّة طموحة لرفع الطاقة الإنتاجية إلى مليون برميل يومياً بحلول نهاية العام 2015، وإلى مليونَي برميل يومياً بحلول نهاية العام 2019. وبدأت حكومة إقليم كردستان بتجاوز بغداد وتصدير النفط بصورة مستقلّة عبر تركيا.
ثمّة مؤشّرات أخرى على أن الإقليم خرج من عزلته التاريخية. فبحلول منتصف العام 2015، تم إنشاء 31 بعثة دبلوماسية في كردستان، بما فيها القنصلية العامة الصينية، التي افتُتحت في أربيل في 31 كانون الأول/ديسمبر 2014. وفي أنحاء العالم، توجد لحكومة إقليم كردستان مكاتب تمثيلية في أربعة عشر بلداً. ويجري حالياً إنشاء سوق أربيل للأوراق المالية، وهي أول سوق للأوراق المالية في الإقليم.
أدّت هذه الطفرة إلى تغيّر العلاقات بين الدولة والمجتمع. فقد وفّرت للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني السيولة اللازمة لتعزيز سياسة المحسوبية وشبكات المحاباة، ما أفضى إلى توطيد دعائم النظام السلطاني. وأسفرت التحوّلات السياسية والاجتماعية الكبرى في الإقليم إلى تحوّل الثوار السابقين إلى رجال أعمال، ما أدّى إلى إزالة الحدود الفاصلة بين الطبقتين السياسية والاقتصادية. وتَشغل عائلتا البارزاني والطالباني أقوى المناصب في الحكومة، وفي كلٍّ من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. ويحتكر هذان الحزبان الرئيسان وقادتهما الاقتصاد والأجهزة الأمنية والشرطة والبشمركة (الجيش)، ويسيطران على أجزاء كبيرة من وسائل الإعلام، ويستميلانها.
في حين ساعدت هذه التحوّلات على تطوير الإقليم، لم تترجَم الطفرة الاقتصادية والتطورات الدبلوماسية إلى إعادة توزيع السلطة الاقتصادية والسياسية. بدلاً من ذلك، أدّت الطفرة العمرانية إلى تفاوت اجتماعي شديد، وانتشار الفساد في أعلى المستويات، وزيادة الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، وتشوّه السوق وتضخّم الأسعار، من بين آثار أخرى. واضطرّ معضم الناس، من أجل تغطية نفقاتهم، إلى العمل في أكثر من وظيفة.
في المقلب الآخر، انتشرت الأبراج السكنية والمناطق السكنية المتكاملة الفاخرة والمغلقة التي كلّفت مليارات الدولارات. وتبدو أسماء هذه الأبراج والمجمعات غريبة تماماً عن الثقافة المحلية، فثمة، على سبيل المثال، القرية الألمانية والقرية الإيطالية والقرية الأميركية ورويال سيتي ودريم سيتي. وتبلغ تكلفة الشقة في إحدى هذه “القرى” مابين 300 ألف ومليون دولار أميركي. الغالبية العظمى ممّن يعيشون في هذه المناطق السكنية هم من الشخصيات الحزبية المؤثّرة وأصدقائهم المقرّبين، وكذلك من الفئات الاجتماعية التي استفادت من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وترتبط بهما.
لعبت تركيا أيضاً دوراً حاسماً في الازدهار الاقتصادي في إقليم كردستان، باعتبارها أكبر المستثمرين في الإقليم. وفي العام 2012، بلغت صادرات تركيا إلى العراق 11 مليار دولار أميركي، ذهب 70 في المئة منها إلى إقليم كردستان. وفي منتصف العام 2013، كان هناك 2656 شركة أجنبية مسجّلة من 80 بلداً في الإقليم، وكان نصيب تركيا منها 1226 شركة. وفي حين أدّت هذه العلاقة إلى تحقيق النمو الاقتصادي، فقد ارتفع أيضاً اعتماد الإقليم على تركيا. إذ أن نحو 85 في المئة من التجارة الكردية-التركية، والتي يُعتقد أنها بلغت 7 مليارات دولار في العام 2013، كانت تتألف من المواد الغذائية والكماليات التي يتم استهلاكها في إقليم كردستان، بدلاً من إعادة تصديرها كمنتجات ذات قيمة مضافة. ربما ساعدت هذه الاستثمارات والواردات في تطوير الإقليم، غير أنها عادت بالنفع بصورة رئيسة على تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
سياسياً، عزّزت العلاقة قبضة الحزب الديمقراطي الكردستاني على السلطة، وإلى حدّ أقل، الاتحاد الوطني الكردستاني. بالنسبة إلى تركيا، لم يكن الهدف تحقيق منافع اقتصادية وحسب، بل أيضاً تحقيق مكاسب سياسية من خلال تقديم وتسويق الحزب الديمقراطي الكردستاني والبارزاني كنموذج سياسي بديل لحزب العمال الكردستاني في تركيا، ولزعيمه عبدالله أوجلان.

الاقتصاد السياسي للنظام السلطاني

يُعدّ النظام السلطاني الذي يهيمن على كردستان اليوم شكلاً من أشكال الاستبداد. يقوم النظام على أربعة أركان: رأسمالية المحسوبية التي هي نتاج عدم إزالة الحدود الفاصلة بين الحزب الحاكم والدولة، وبين الخزانة العامة والثروات الخاصة، والشخصانية والسلالية، على الرغم من أن النظام ليس مَلَكياً بالضرورة، إلّا أنه نوع من النفاق يتم فيه التلاعب بالدستور والقوانين لمصلحة الأحزاب الحاكمة، ويستند إلى قاعدة اجتماعية ضيّقة تُمكنّ النخبة الحاكمة من ممارسة إرادتها بصورة مستقلة عن المجتمع.
ساعدت عائدات النفط والاستثمارات التي تدفقت على الإقليم بعد العام 2003 على إثراء العائلات الحاكمة. وهناك عوامل أخرى مؤثّرة، حيث وفّرت ثلاثة عشر عاماً من العقوبات وعمليات تهريب الوقود، التي ازدهرت بين عامي 1991 و2003، للأحزاب الحاكمة ورجال الأعمال المرتبطين بها الإيرادات اللازمة للاستثمار. ومع ذلك، فإن لممارسات الفساد والمحسوبية جذوراً أعمق في العراق، وهي تعود إلى عهد إنشاء الدولة العراقية الحديثة، والتي تميّزت بغياب كلٍّ من المؤسّسات وسيادة القانون وقدسية العقد.
يعتمد الاقتصاد السياسي للنظام السلطاني الكردي على الاحتكارات الاقتصادية وشبكات المحسوبية، والتي يتم استغلالها لإثراء النخب الحاكمة في الإقليم واستمالة بعض قطاعات المجتمع واحتواء المعارضة. وبينما ينطوي انعدام الشفافية والمساءلة على صعوبة في الحصول على بيانات دقيقة وذات صدقيّة، تمكّنت بعض المجموعات المعارضة السابقة، التي هي الآن جزء من الحكومة، ووسائل الإعلام المحلية والعالمية وموقع “ويكيليكس”، من تسليط الضوء على هذه الممارسات.
اعتبرت برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية في العام 2006 ونشرها موقع “ويكيليكس”، على سبيل المثال، أن الفساد يمثّل “أكبر مشكلة اقتصادية في كردستان”، وقدّمت تفاصيل مثيرة للاهتمام حول المحسوبية في الإقليم. ووفقاً للوثيقة، التي حملت عنوان “الفساد في الشمال الكردي”، يدفع رجال الأعمال الذين يسعون إلى الحصول على عقود حكومية مانسبته 10-30 في المئة من قيمة العقد ليصبحوا “شركاء” للشركة التي يملكها أحد الرعاة الحزبيين، ونسبة 10 في المئة أخرى إلى مدير الدائرة الحكومية التي تصدر العقد. وتذكر البرقية تكتّلات عدّة بالاسم، بما في ذلك مجموعة ديار ومجموعة فالكون ومجموعة KAR ومجموعة نصري ومجموعة ساندي ومجموعة النجمة الفضية، والتي تغطي العديد من القطاعات، وبالتالي تحتكر السوق بطريقة متكاملة وترتبط بالأحزاب والعائلات المحلية الحاكمة.
اتّضح التأثير المدمّر للفساد على الاقتصاد والمجتمع الكردي على المدى الطويل من خلال تقرير لمحطة بي بي سي في العام 2008، والذي يقول فيه أحد رجال الأعمال للمراسل علناً إن أقارب الزعماء السياسيين “قد يحصلون على وظيفة حكومية بميزانية أو عقد، على سبيل المثال، بقيمة مليون أو مليوني دولار أميركي لإعادة بناء طريق. ووفقاً للمراسل “لم يكن مهماً ما إذا كان هذا الشخص قادراً على أن يبني طريقاً بالفعل”. ويُباع العقد مراراً وتكراراً إلى أن يصل إلى شركة بناء حقيقية. حينذاك ربما لا يتبقّى سوى نصف الأموال”. وشبّه رجل الأعمال الفسادَ بالفيروس قائلاً: “إنه يقتل كردستان”.
كما استغلّ الزعماء الأكراد سلطتهم كي يحصلوا على رواتب كبيرة، وأشرفوا على نظام تتم فيه مكافأة العديد من الأشخاص الآخرين بسخاء، للمساعدة في إنشاء شبكات المحاباة الخاصة بهم وضمان ولاء أصدقائهم المقرّبين.
ووفقاً لمصادر غير رسمية، تدفع حكومة إقليم كردستان رواتب عالية للغاية إلى مسؤولي الفئة الخاصة، كالرئيس ورئيس الوزراء والوزراء الآخرين وأعضاء البرلمان والمدراء العامين والمستشارين. ويقال إن راتب الرئيس مسعود البارزاني يبلغ 18.979 دولاراً أميركياً شهرياً، فيما يحصل نائبه، كوسرت رسول علي، من الاتحاد الوطني الكردستاني، على 16.448 دولاراً شهرياً. ويُعتقد أن راتب ومخصصات الرئيس العراقي السابق وزعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني، تصل إلى مليون دولار في السنة، وربما أكثر من ذلك بكثير. وتدفع الحكومة الاتحادية رواتب ومخصّصات المسؤولين الأكراد في بغداد، إلا أنه يتم خصمها من حصة الإقليم البالغة 17 في المئة سنوياً، وبالتالي فهي تشكّل عبئاً كبيراً على الموازنة العامة.
إضافةً إلى الرواتب والبدلات العالية لموظفي الفئة الخاصة، تنفق حكومة إقليم كردستان ما يقرب من 717 مليون دولار شهرياً، أو ما بين 70 و80 في المئة من الميزانية العامة، على الرواتب ومخصّصات التقاعد لنحو 1.4 مليون شخص يوصفون بأنهم موظفو الخدمة المدنية. ومن خلال توفير الوظائف والمزايا العامة للسكان، يهدف الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى مراقبة المعارضة العامة وقمعها. وبينما لا تتوفّر بيانات دقيقة، ربما هناك 100 ألف موظف يتقاضون راتبَين، ويحصل البعض الآخر على رواتب لكنهم لا يعملون، ويتقاضى آخرون معاشات تقاعدية غير قانونية.
إضافةً إلى ذلك، توفّر حكومة الإقليم الرواتب العالية والمعاشات التقاعدية والأراضي والوظائف والقبول في الجامعات لمسؤولي الفئة الخاصة وأبنائهم وأقاربهم، وآخرين ممن لهم علاقات مع الحزبين. ووفقاً لدراسةٍ أجرتها حركة التغيير (گۆڕان) في العام 2014، وهو ثاني أكبر حزب وكان سابقاً في صفوف المعارضة، تم من العام 2000 إلى العام 2010، تعيين وتقاعد المئات من الأشخاص بصورة قانونية وغير قانونية، على أساس أنهم مسؤولون من الفئة الخاصة. والبعض منهم لم يسبق له العمل في هذه الوظائف. ووفقاً لحركة التغيير (گۆڕان)، تم دفع مليارات الدولارات إلى هؤلاء المسؤولين.
في محافظة السليمانية، معقل الاتحاد الوطني الكردستاني، أفاد المدعي العام في آذار/مارس 2014 بأن تحقيقاً خلص إلى أن رئيس الإقليم أو رئيس الوزراء أحال إلى التقاعد 158 شخصاً على أنهم مسؤولون من الفئة الخاصة بمعاشات شهرية تبلغ 258 ألف دولار، على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص لم يتسلّموا بالفعل تلك الوظائف. ويوجد في برلمان الإقليم، الذي يتكوّن من 111 عضواً، 55 “مستشاراً”، يحصل كل منهم على ما يقرب من 4700 دولار شهرياً. وقد أُفيد أن رئاسة البرلمان ترغب في إصلاح قائمة المستشارين.
ثمة أمثلة أخرى لاتعدّ ولا تحصى. ووفقاً لرئيس اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان في حكومة إقليم كردستان، عمد الحزب الديمقراطي الكردستاني، عبر المديرية العامة للمعاشات التقاعدية، إلى إحالة 27 ألف شخص إلى التقاعد باعتبارهم من المحاربين القدامى، وذلك قبل الانتخابات التي جرت في العام 2013، في محاولة منه للحصول على الأصوات. وأوضح تقرير صدر في العام 2014 أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني عيّنا 1437 شخصاً كمعلمين وموظفين في مدينة خانقين منذ العام 2003، منهم 200 عملوا بدوام جزئي، في حين لم يحضر الآخرون إلى العمل أبداً. ويُقال إن وزارة التربية والتعليم دفعت لهم “رواتب” شهرية إجمالية بلغت 860 ألف دولار.
كما يحصل المسؤولون الأكراد على رواتب مجزية مقابل عملهم في بغداد. إذ يُعتقَد أن المبلغ الإجمالي للرواتب والبدلات التي حصل عليها المسؤولون الأكراد في الحكومة الاتحادية والبرلمان الوطني من العام 2003 حتى العام 2013 بلغ رقماً فلكياً هو مليار دولار. وتسحب الحكومة الاتحادية هذا المبلغ من نسبة 17 في المئة من الميزانية السنوية الوطنية التي تُصرَف لحكومة إقليم كردستان.
في غياب قانون تمويل الأحزاب، استغلّ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أيضاً الموازنة العامة لتمويل النشاطات الحزبية، وكذلك وسائل الإعلام الموازية والمدعومة حزبياً. وبعد ضغوط مارستها المعارضة السابقة، التي هي الآن جزء من الحكومة، والتي تتألف من حركة التغيير (گۆڕان) والاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية في كردستان (كومالي إسلامي)، ومن المجتمع المدني، اعترف المسؤولون أنه بين عامَي 2004 و2010، حصل كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على 35 مليون دولار شهرياً من الأموال العامة لتمويل حزبيهما. ووصل إجمالي تلك المبالغ إلى حوالى 5 مليارات دولار على مدى ست سنوات، مايمثّل تقريباً 20 في المئة من الموازنة العامة سنوياً. إضافةً إلى ذلك، استخدم الحزبان الأموال العامة لتمويل أكثر من 400 من وسائل الإعلام الموازية والمدعومة حزبياً، في حين لم يحصل العدد القليل من وسائل الإعلام المستقلة، وتلك المرتبطة بالمعارضة السابقة، على مثل هذا التمويل. وتحتل وسائل الإعلام المدعومة حزبياً ووسائل الإعلام الموازية معظمَ الفضاء الإعلامي في كردستان، وتوفّر فرص عمل للصحافيين، وتشارك في استمالة بعضهم، وتعزّز عبادة الشخصية لبعض الزعماء، وتوفّر الدعاية لكلا الحزبين، وتشكّل الرأي العام وتؤثّر عليه، وتهاجم بعضها البعض، كما تهاجم الأحزاب الأخرى ووسائل الإعلام المستقلة.

نقاط الضعف الهيكلية والعمليات الديناميكية

على الرغم من نجاح الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في تأسيس وترسيخ دعائم النظام السلطاني، يعاني هذا النظام من نقاط ضعف هيكلية وعضوية. إضافةً إلى ذلك، فإن تطوّره الداخلي أكثر حيوية بكثير مما يبدو عليه. هذا الوضع يمكن أن يوفّر (على نحو غير مقصود) فرصاً لإجراء إصلاحات، وظهور مجموعات سياسية واجتماعية جديدة، ونظام سلطاني ممزّق، ومشهد سياسي أكثر تعدّدية. وإذا لم تؤدّ هذه التغييرات المحتملة إلى زعزعة الاستقرار والاقتتال الداخلي، فإنها سوف تعود بالنفع على التطور الديمقراطي في الإقليم.
في الوقت نفسه، تمثّل نقاط القوة الأساسية للنظام، أي الشخصانية والسلالية، أكبر نقاط ضعفه. ذلك أن مركز النظام السلطاني هو الزعيم وليس المؤسّسات. وفي حين يسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على مؤسّسات الدولة، يتم اتّخاذ القرارات على أساس الأهواء الشخصية للزعيم وليس عبر تلك المؤسّسات. ويعاني كلا الحزبين من صراعات خطيرة على الخلافة تهدّد تماسكهما الداخلي ووحدتهما. وسيختلف شكل وحجم أي تغيير محتمل في الحزبين استناداً إلى هياكلهما وخلفياتهما المختلفة.

الحزب الديمقراطي الكردستاني

الحزب الديمقراطي الكردستاني أكثر مركزية ومؤسّسية من الاتحاد الوطني الكردستاني، وبالتالي تصرّف منذ وقت طويل باعتباره حزباً سلطانياً. ويصف الحزب الديمقراطي الكردستاني نفسه بأنه حركة تحرّر وطني، وتقوده أسرة البارزاني منذ تأسيسه في العام 1946. ويبدو مسؤولو الحزب الديمقراطي الكردستاني واضحين وصريحين بشأن حقيقة أنه لا يمكن الفصل بين الحزب وأسرة البارزاني. لكن، في حين تتقبّل كوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني وناخبوه سلالة البارزاني، فهذا لا يعني أنهم يوافقون على الفساد الذي يمارسه مسؤولون رفيعو المستوى.
على الرغم من أن مسعود البارزاني هو زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني بلا منازع، فإن صراع الأجنحة موجود داخل الحزب. وثمّة صراع على السلطة بين ابنه البكر ومستشار مجلس الأمن، مسرور البارزاني، ورئيس الوزراء نيجرفان البارزاني (ابن شقيق مسعود) حول من يجب أن يخلف البارزاني الأب على رأس الحزب. ثمة القليل من المعلومات العامة المتاحة حول موقف مسعود البارزاني بشأن هذه المسألة، لذلك من الصعب التنبّؤ بكيفية تطوّر التنافس الداخلي.
يوضّح تعيين اثنين من القادة الأكراد في مناصب رفيعة في الحكومة الجديدة في بغداد، في أواخر العام 2014، الانقسامات التي تعصف بالحزب الديمقراطي الكردستاني. في البداية، تم تعيين روش نوري شاويس وزيراً للمالية، فيما تمت تسمية هوشيار زيباري نائباً لرئيس الوزراء. لكن شاويس رفض تولّي منصب وزير المالية. ويُزعم أن مسعود البارزاني دعم زيباري لتولّي منصب نائب رئيس الوزراء، بينما يقال إن نيجرفان كان يدعم شاويس لتولّي المنصب. وفي نهاية المطاف، تم تعيين شاويس نائباً لرئيس الوزراء.
لعلّ ما يعمّق هذه الانقسامات هو واقع أن السياسيين من ذوي النفوذ في الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يملكون وسائل إعلام خاصة وقوات شبه عسكرية. ويستغلّ السياسيون ذوو النفوذ وسائلَ الإعلام للحديث عن فصائلهم الخاصّة، وانتقاد الآخرين، والتأثير على الرأي العام، وجذب واستمالة الصحافيين الشبان من وسائل الإعلام المستقلّة والمعارضة، من خلال توفير رواتب عالية وفرص التقدم الوظيفي، وغيرها من المزايا، مثل السكن المجاني. ويعزّز الاستقطابَ في وسائل الإعلام عدمُ وجود قناة تلفزيونية وطنية مستقلة.
بصرف النظر عن صراع الأجنحة، يواجه الحزب الديمقراطي الكردستاني أزمة عميقة في شعبيته وهويته، كما يقول الصحافي الموالي للحزب الديمقراطي الكردستاني ريبوار والي. إذ لايتم إعداد قادة جدد ومتمكّنين، ويركّز معظم أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني على أنشطتهم التجارية بدلاً من السياسة، ولايتم عموماً تنفيذ إصلاحات سياسية وثقافية في الحزب.
في غضون ذلك، ثمة احتجاجات ضد الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان في معقلَي الحزب الديمقراطي الكردستاني في دهوك وأربيل.
وقد أصبح الناس أكثر ثقة بأنفسهم في التعبير عن استيائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والاحتجاجات في الشوارع. بيد أن ثمة عاملين يشكّلان عائقاً أمام زيادة المعارضة كمّاً ونوعاً. أولاً، يمنع القمع الذي يمارسه الحزب الديمقراطي الكردستاني الناسَ في دهوك وأربيل من زيادة المعارضة، كما هو الحال في مناطق حزب الاتحاد الوطني الكردستاني. العقبة الثانية هي الطبيعة المحافظة لأربيل ودهوك بالمقارنة مع السليمانية الأكثر ليبرالية وتقدمية.
تجعل هذه المصاعب قضايا الخلافة ومستقبل الحزب الديمقراطي الكردستاني في مرحلة ما بعد مسعود البارزاني أقلَّ قابلية للتنبّؤ مما قد يبدو. ومن المحتمل أن تنتج تحوّلات وتغيّرات الأجيال على مستوى الزعامة ديناميكيات جديدة، وتؤدّي إلى إحداث تغييرات إيجابية في النظام السياسي.

الاتحاد الوطني الكردستاني

حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يُعتبر القوة الأخرى في كردستان، يعرّف عن نفسه على أنه حزب ديمقراطي اجتماعي. وقد سعى مؤسّسوه إلى تأسيس حزب عصري يكون بديلاً للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي اعتبروه محافظاً ورجعياً. غير أن الاتحاد الوطني الكردستاني أصبح، بعد تسعة وثلاثين عاماً، شبيهاً بالحزب الديمقراطي الكردستاني.
يتكوّن الاتحاد الوطني الكردستاني من ثلاثة فصائل، أقواها الفصيل الذي ترأسه زوجة الطالباني وعضو المكتب السياسي، هيرو ابراهيم أحمد. وعلى الرغم من المزاعم التي تقول عكس ذلك، يهدف هذا الفصيل إلى تعزيز قوة أسرة الطالباني. وقد بدا هذا واضحاً في حزيران/يونيو 2014، عندما تم تعيين قوباد الطالباني، الابن الأصغر لجلال الطالباني، نائباً لرئيس الوزراء في حكومة إقليم كردستان. شكّل هذا التعيين انتهاكاً لقاعدة هامة في الاتحاد الوطني الكردستاني تقول إن المرشّح لهذا المنصب الحسّاس يجب أن يكون عضواً في المكتب السياسي، وقوباد ليس عضواً فيه، ولقي معارضة كبيرة من بعض أعضاء المكتب.
يشغل أفراد أسرة الطالباني مناصب قويّة في الحزب والحكومة والبرلمان وأجهزة الأمن، ويسيطر فصيلها على العديد من التكتّلات ووسائل الإعلام الرئيسة في الحزب، كما يتولّى إدارة العلاقات الدولية للحزب. بيد أن الأسرة تواجه تحدّيات كبيرة لإحكام قبضتها على الاتحاد الوطني الكردستاني. أولاً، يفتقر الفصيل إلى وجود خلف واضح لمؤسّس الحزب ذي الشخصية الكاريزمية الذي لاينازعه أحد، جلال الطالباني. وفي حين يبدو أن الأسرة تهيّئ قوباد لقيادة الحزب، إلا أنه يافعٌ وعديم الخبرة ولايملك الكاريزما التي يملكها والده. وفقاً لفريد أساسارد، مدير مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، تبدو فرص قوباد في قيادة الحزب ضئيلة جداً.
يتزعم برهم صالح وكوسرت رسول علي الفصيلين الثاني والثالث في الحزب. وقد حاول فصيل صالح أن يكون أكثر حزماً في انتقاده لفصيل الطالباني، ويُقال إنه يريد إنشاء محطة تلفزيونية فضائية للترويج لآرائه. وبسبب الشقاق وعدم وجود شخص واضح ليكون زعيمه المقبل، أجّل الاتحاد الوطني الكردستاني إلى أجل غير مسمّى عقد مؤتمر لاختيار خلف جلال الطالباني.

نقاط ضعف ثابتة أخرى

على الرغم من إعادة توحيد الإدارات الحزبية المنفصلة التي كانت تحكم كردستان حتى العام 2006، لاتزال المكونّات الأساسية لأجهزة الأمن والبشمركة والشرطة والمؤسّسات المالية منقسمةً على أسس حزبية. ذلك أن الزعماء المؤثّرين في كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لهم قواتهم شبه العسكرية الخاصة. وهذا يتناقض مع زيادة مطالب المجتمع بإقامة مؤسّسات الدولة ومزاعم كلا الحزبين بأنهما يريدان بناء مؤسّسات وطنية.
ثمّة نقطة ضعف أخرى في النظام تكمن في اعتماده على عائدات النفط، ما يجعله عرضة إلى تقلّبات أسعار النفط، والخلافات مع بغداد التي تتحكّم بكيفية إنفاق أموال النفط، والاعتماد على تركيا، التي تُعدّ زبوناً رئيساً في مبيعات النفط. وقد تفاقمت نقاط الضعف هذه بسبب إهمال القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة. وبالتالي فإن هذا النظام الريعي غير قادر، على المدى الطويل، على الاستجابة إلى الاحتياجات الهيكلية لتنويع الاقتصاد، أو إلى مطالب المجتمع بوجود اقتصاد لا يعتمد على محاباة الأقارب على حساب المصلحة العامة.
من الناحية الاقتصادية، لايزال الإقليم يعتمد على الموازنة الاتحادية لدفع رواتب الموظفين وتقديم الخدمات الاجتماعية. لكن بسبب النزاعات حول المناطق المتنازع عليها خارج إقليم كردستان، مثل تصدير كركوك للنفط من دون موافقة بغداد، حجبت الحكومة الاتحادية في بداية العام 2014 مخصّصات ميزانية حكومة إقليم كردستان، ماساعد في حدوث أزمة اقتصادية في الإقليم لاتزال مستمرة منذ منتصف العام 2015. وقد أدّى ذلك إلى تأخّر دفع رواتب الموظفين ووقف مشاريع تنموية. كما نجمت الأزمة الاقتصادية عن سوء إدارة الاقتصاد في حكومة إقليم كردستان، حيث نفدت السيولة من المصارف.
ونتيجة لذلك، زادت وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية. فقد نظّم رجال الأعمال المفلسون اعتصامات ومظاهرات للمرة الأولى. ولولا الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية وحاجة السكان إلى الأمن في منطقة العراق والشرق الأوسط وشمال أفريقيا المتزعزعة أكثر فأكثر، لكانت الاحتجاجات تصاعدت أكثر من ذلك، مع ما يترتّب عليها من نتائج غير متوقّعة.
ثمّة أقلية صغيرة من كبار المسؤولين في كل من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني وأسرتَي البارزاني والطالباني تسيطر على قطاع النفط، حيث تملك أسرة البارزاني الحصّة الأكبر. وقد وجّه الناشطون ومجموعات المعارضة السابقة، التي هي الآن جزء من الوزارة في الحكومة الإقليمية، والمواطنون العاديون، وحتى الاتحاد الوطني الكردستاني، معظمَ انتقاداتهم واحتجاجاتهم إلى غياب الشفافية والمساءلة بشأن عقود وعائدات النفط. ولن يؤدّي عدم وجود إصلاح طويل الأمد وحقيقي في هذا القطاع الحيوي إلا إلى زيادة الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية وعدم الاستقرار. إضافةً إلى الهشاشة الشاملة، يواجه كلا الحزبين مجتمعاً حازماً وممكَّناً له آمال ومطالب كبيرة.

تزايد السخط

تجري إعادة تشكيل العلاقات بين المواطنين وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني برويّة لكن بثبات. وقد بدأ المثقفون والناشطون والصحافيون في كردستان بانتقاد هيمنة الأسر الحاكمة، وكذلك الفساد، وانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية في الإقليم. ويحدّد هذا المجتمع المسيَّس بصورة متزايدة مطالبَه من حيث الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ونادراً مايمرّ يومٌ من دون مظاهرة واعتصام أو أكثر لللمطالبة بالشفافية والمساءلة وسيادة القانون وتحسين الخدمات الاجتماعية. ويمثّل الاستياء من الفساد غير المسبوق، والتقديم القانوني وغير القانوني للرواتب العالية، ودفع المعاشات التقاعدية إلى الأصدقاء والأقارب، الشعارات الرئيسة في معظم الاحتجاجات.
في حين يعترف الأكراد بالتضحيات التي قدمتها أسرتا البارزاني والطالباني ضد الأنظمة العراقية المتعاقبة، إلا أنهم ينظرون أيضاً إلى الفساد على أعلى المستويات باعتباره واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه إقليمهم. ويشكو الناس العاديون من كل ألوان الطيف الاقتصادي والسياسي والاجتماعي من أن التكتّلات الاقتصادية الرئيسة مملوكة من أعضاء المكتب السياسي.
ينعكس هذا الاستياء في استطلاعات الرأي. فبين عامَي 2009 و2012، أجرى “معهد غالوب لدراسة اتجاهات الرأي العام” مقابلات مع 1066 شخصاً في كردستان، وكشفت النتائج عن وجود تغيير جذري في نظرة السكان إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. خلال هذه الفترة، ازدادت مدركات الفساد سوءاً بصورة مطّردة، حيث قال 37 في المئة من الذين شملهم الاستطلاع في العام 2009 إن الفساد منتشر على نطاق واسع، وبلغت هذه النسبة 61 في المئة في العام 2011، و81 في المئة في العام 2012. وأظهر الاستطلاع استياءً شديداً تجاه كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، كما أظهر أن لدى السكان الذين هم على بينّة من حقوق المواطنة، آمالاً ومطالب كبيرة، وأنهم يريدون الشفافية والمساءلة.
لم يُتَّخذ أي إجراء للتصدّي للفساد على أعلى المستويات منذ استطلاع العام 2012. وعلاوةً على ذلك، أدّت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي واجهها إقليم كردستان منذ كانون الأول/ديسمبر 2013، إلى زيادة وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية. لذلك لم يحدث أي تغيير إيجابي على الأرجح في نظرة الجمهور إلى الفساد.
وفي علامة على زيادة الوعي بالحقوق عبر أطياف متنوّعة من المجتمع، وقعت احتجاجات في المدن الكبيرة والصغيرة والبلدات والقرى. في بعض الحالات، وقعت احتجاجات في مدن محافظات لم تكُن تُعتبر منارات للمعارضة. على سبيل المثال، في ضوء تصريحات الطالباني وأحد رجال الأعمال البارزين بأن عدد أصحاب الملايين قد ارتفع بصورة كبيرة، نظّمت لجنة حماية المصالح العامة في مدينة خانقين حملة تحت شعار “كيف كسبتم هذه الملايين؟” في كانون الأول/ديسمبر 2013. وأراد الناشطون معرفة عدد أصحاب الملايين في محافظتي أربيل ودهوك، وكلاهما معقلان للحزب الديمقراطي الكردستاني، إضافةً إلى أصحاب الملايين الـ2900 في محافظة السليمانية، والذين ذكرهم الطالباني. كما طلبوا أن يشكّل البرلمان لجنة للتحقيق في كيفية مراكمة هؤلاء المليونيرات لثرواتهم وإعلان النتائج للجمهور. وحتى منتصف العام 2015، لم يكن البرلمان قد اتّخذ أي إجراء.
لعبت وسائل الإعلام المستقلة ووسائل إعلام المعارضة السابقة دوراً حاسماً في الإبلاغ عن الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. وفي تقرير صدر في العام 2014 بعنوان “جبل الإفلات من العقاب يجثم على صدور صحفيي كردستان”، رسمت لجنة حماية الصحافيين، ومقرّها نيويورك، صورة قاتمة جداً لانعدام سيادة القانون في إقليم كردستان. إذ بالمقارنة مع بقية دول الشرق الأوسط، يوجد في الإقليم أحد أكثر قوانين الصحافة تقدّمية، إضافةً إلى قانون يضمن الحق في الوصول إلى المعلومات. غير أنه لم يتم تطبيق هذه القوانين، وهي مشكلة يمكن إلقاء مسؤولية عدم إنفاذها على النظام الذي يتم بموجبه تعيين القضاة على أساس ولائهم الحزبي، لاعلى أساس الجدارة المهنية والاستقلالية.
بقيت معظم الاعتداءات على الصحافيين الناقدين دون عقاب. كان هذا هو الحال مع كاوه كرمياني، وهو صحافي استقصائي ورئيس تحرير المجلة الشهرية “رايل”. وقد نشرت المجلّة تقارير عدّة تزعم وجود فساد في صفوف كبار مسؤولي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، من بينهم عضو المكتب السياسي اللواء محمود سنغاوي. اغتيل كرمياني في كانون الأول/ديسمبر 2013، ما أثار احتجاجات واسعة في كردستان وفي أماكن الشتات الكردي. اعتُبر سنغاوي المشتبه به الرئيس، كما أوردت إخبارية، وأُلقي القبض عليه بتهمة القتل، لكن تم الإفراج عنه بعد ذلك بسرعة نظراً إلى عدم كفاية الأدلّة، وأصرّ على أنه لم يقتل كرمياني.
على الرغم من أن كردستان لم تشهد انتفاضات كتلك التي أدّت إلى تغيير النظام في أماكن أخرى في المنطقة، فقد شهدت نسختها الكردية القصيرة من الربيع العربي. ففي 17 شباط/فبراير 2011، نزل المتظاهرون، وكان معظمهم من الشباب، إلى شوارع السليمانية مستلهمين الأحداث التي وقعت في تونس ومصر، لكن أيضاً كنتيجة غير مباشرة للاستياء المتراكم إزاء الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وقد أطلقوا على الساحة المركزية في المدينة، سراي آزادي، اسم ساحة التحرير (تيمّناً بميدان التحرير في القاهرة)، مطالبين بوضع حدّ للاحتكارات الاقتصادية وانتهاكات حقوق الإنسان، ودعوا إلى تكريس العدالة الاجتماعية والاقتصادية وإرساء الديمقراطية في النظام السياسي. وثمّة سمة ملحوظة في هذه الحركة الاحتجاجية تمثّلت في أن مختلف القوى، كحركة التغيير (گۆڕان) والأحزاب الإسلامية والمجتمع المدني، نظّمت المظاهرات معاً. وقد لعب المثقفون دوراً حاسماً في توفير الأفكار الأساسية بشأن الأهداف، وتكتيكات التعبئة، والرؤية الخاصة بحركة الاحتجاج.
غير أن بعض الناشطين انتقدوا المعارضة السابقة التي هي الآن جزء من الحكومة، بسبب التعاطي مع المظاهرات بطريقة انتهازية. وقالت ناسك قادر، المتحدثة باسم المحتجّين، إن المعارضة السابقة تفتقر إلى رؤية وخطط استراتيجية. إضافةً إلى ذلك، فإن هذه المجموعات لم تشارك في المظاهرات كأحزاب سياسية، بل كناشطين أفراد. وانتقدت قادر حركةَ التغيير (گۆڕان) لأنها أعطت مساحة كبيرة جداً للأحزاب الإسلامية لتصبح ظاهرة للعيان وبارزة على حساب المجموعات الأخرى.
ظلتّ المظاهرات محصورة في محافظة السليمانية لأن الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يسمح بتنظيم احتجاجات في أربيل أو دهوك. لكن، وعلى الرغم من ذلك، تسبّبت المظاهرات في حدوث صدمة شملت الطيف السياسي كلّه. وقد قمعت قوات الأمن المظاهرات في 19 نيسان/أبريل 2011، ما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة أكثر من 500 آخرين. وقد أحرق مناصرو الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وقوات الأمن التابعة لهما قناة NRT التلفزيونية المستقلة في السليمانية، ومحطة راديو گۆڕان (التابعة لحركة التغيير) في أربيل.
على الرغم من ردّ الفعل العنيف من جانب الأحزاب الحاكمة، أصرّت المعارضة السابقة والمجتمع المدني، في مؤشّر على النضج السياسي، على أن تكون المظاهرات سلمية. قرّر البرلمان تلبية مطالب المتظاهرين، وأصدر قراراً دعا فيه إلى اعتقال ومحاكمة مرتكبي أعمال العنف. وأصدرت المحاكم أوامر بالقبض على الجناة من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. لكن لم يلبِّ أي من الحزبين مطالب المحتجّين ولم يتم تقديم الجناة إلى العدالة.
وقع أحد أبرز الاحتجاجات ضد النظام السلطاني بعد أن صوّت أعضاء البرلمان من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في 30 حزيران/يونيو 2013، على تمديد فترة رئاسة مسعود البارزاني إلى منتصف آب/أغسطس 2015. ونصّ الاتفاق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وبين الاتحاد الوطني الكردستاني والقانون المعتمد، على التمديد لمدة سنتين، ولم يكن مسموحاً للبارزاني بأن يُعاد انتخابه. (ووفقاً لمشروع الدستور الذي أقرّه البرلمان في العام 2009، سُمح للبارزاني بأن يتولّى منصب الرئيس لفترتَين من ثماني سنوات، وأكملها في العام 2013.) وقد مثّل تمديدُ ولاية البارزاني مواجهةً بين تصميم الحزب الديمقراطي الكردستاني، بدعم من الاتحاد الوطني الكردستاني، على ترسيخ سلطة أسرة البارزاني، وبين تصميم المجتمع على رفض ذلك، وكان النصر حليف الحزب الديمقراطي الكردستاني.
عارض المثقفون ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والمعارضة البرلمانية بشدّة التمديدَ غير القانوني والمثير للجدل في نظرهم. لابل حدثت مشاجرات في البرلمان على خلفية التمديد. وبرّر الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني هذه الخطوة بالقول إن مشروع الدستور يحتاج أولاً للمصادقة عليه قبل انتخاب رئيس جديد للبلاد. غير أن المعارضة والمجتمع المدني أكّدا أن التمديد غير قانوني لأنه تم تقديم مشروع الدستور من خلال حكومة تصريف أعمال، في حين غاب عدد كبير من أعضاء البرلمان.

علامات أولية على التغيير

تنامي الاستياء العام تجاه وضع وسلوك الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بدأ يسفر عن حدوث بعض التغييرات في إدارة الإقليم.
تَمثّل أحد أبرز التغييرات على مدى السنوات الست الماضية في ظهور حركة التغيير (گۆڕان) في العام 2009 كحزبٍ معارض قوي. حصلت حركة التغيير (گۆڕان) على 25 مقعداً في البرلمان في العام 2009 مع أنه لايملك منظومة حزبية قوية، الأمر الذي يظهر السخط الشديد من بعض شرائح المجتمع تجاه الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. ووفرّت حركة التغيير (گۆڕان) منصّة لجيلٍ شاب من الناشطين الذين لايملكون الدعم، وليست لهم علاقات أسرية مع الأحزاب للانخراط في الحياة السياسية ودخول البرلمان في بغداد والحكومة الإقليمية في أربيل والحكومات المحلية. إضافةً إلى ذلك، مكّن الحزب المجتمع المدني والحزبَين الإسلاميَّين في كردستان من أن يصبحوا أكثر صراحة في انتقادهم للنظام السلطاني.
ومع ذلك، لم تتمكّن حركة التغيير (گۆڕان) من التواصل والمشاركة مع الأصوات الناقدة في دهوك، معقل الحزب الديمقراطي الكردستاني. ويعود سبب ذلك في جزء منه إلى القمع الذي مارسه الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي الجزء الآخر إلى أن حركة التغيير (گۆڕان) لم تكن يملك استراتيجية تعبئة تخاطب البيئة المحلية المحافظة في دهوك. علاوةً على ذلك، ركّزت حركة التغيير (گۆڕان) أساساً على التغيّرات السياسية وتجاهل المشاكل الاجتماعية المتفاقمة، مثل زيادة العنف الاجتماعي والعنف ضد المرأة وتفكّك الأسرة. كما أنه لم يقدّم رؤية للتعامل مع الأكراد في المناطق المتنازع عليها، والذين يطرحون مطالب قومية على الحكومة العراقية الاتحادية.
الضغوط التي مورست من المعارضة السابقة والمجتمع المدني ومن داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، دفعت الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، مبدئياً، إلى إنهاء اتفاقهما الاستراتيجي للعام 2007 حول تقسيم الثروة والوظائف في كردستان وبغداد، والمشاركة معاً في الانتخابات. وقد تسبّب ذلك في عودة المنافسة في العملية الانتخابية وعاد بالنفع على التطوّر الديمقراطي في كردستان. وعلى الرغم من أن التغيير لم يضعف القوتين السياسيتين الرئيستين في كردستان بصورة مباشرة، إلا أنه أظهر أهمية الضغط المدني والسياسي الذي يهدف إلى إضعاف اتفاق يرمز إلى الجهد المشترك لكلا الحزبين لتوطيد النظام السلطاني.
بعد سنوات من الضغط المستمر من جانب المعارضة السابقة والمجتمع المدني، أقرّ البرلمان قانون تمويل الأحزاب في تموز/يوليو 2014 وقلّص الجزء المخصّص لتمويل الأحزاب السياسية من الميزانية السنوية إلى 1 في المئة. منظمات المجتمع المدني لديها انتقادات صحيحة مفادها أن القانون لايصل إلى الحدّ الذي يكفي لتخفيف الأعباء على الموازنة العامة، بما في ذلك تخصيصه مبلغ 54.493 دولاراً لكل مقعد شهرياً لكل حزب، والطريقة التي تم بها توزيع المقاعد بعد آخر عمليتين انتخابيتين. وتقول حركة التغيير (گۆڕان)، إنه كان عليها أن يوافق على هذه التغييرات للحصول على دعم الاتحاد الوطني الكردستاني للقانون. ووعدت الحركة بأن تكون على استعداد للاتفاق مع أحزاب أخرى بعد ستة أشهر لتخفيض المبلغ المخصّص لكل مقعد بمقدار النصف. وسيتم تنفيذ القانون بمجرّد انتهاء الأزمة الاقتصادية الراهنة.
على الرغم من هذه الانتقادات الصحيحة، يُعدّ إقرار القانون تطوّراً هاماً وإيجابياً. فمن الناحية السياسية، ينظّم القانون عملية تمويل الأحزاب من خلال التشريعات. وهذا سيضع حدّاً لسوء استخدام الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لجزء من الميزانية العامة، وضمان المساواة والإنصاف بين الأحزاب إلى حدّ ما، من خلال تخصيص الأموال على أساس عدد المقاعد. ومن الناحية الاقتصادية، هذا يعني أن الخزينة ستوفّر 840 مليون دولار سنوياً، وهو مايعادل راتب شهر تقريباً لجميع الموظفين. وليس هناك مايضمن ألّا يحاول الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، أو الأحزاب المهيمنة الأخرى في المستقبل، تغيير القانون لخدمة مصالحها. غير أن هذا لن يكون سهلاً لأن تطبيق القانون سوف يشكّل سابقة قانونية ويخلق ديناميكية جديدة لن يكون من السهل إبطالها.
مطالب الجمهور المتزايدة بوجوب احترام حقوق المواطنة تدفع الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الإقرار بالحاجة إلى إصلاحات أخرى تدريجية ومتواضعة والوعد بتنفيذها. ففي خطاب تنصيبه في البرلمان رئيساً للوزراء في الحكومة الثامنة يوم 5 حزيران/يونيو 2014، قال نيجرفان البارزاني:
“ستصبح المواطنة هي المبدأ والقيمة، والمقياس الرئيس لأنشطة الحكومة… الوزارة الثامنة ستهيئ البيئة الملائمة لضمان أن يتمكّن البرلمان من مراقبة أنشطة الحكومة كما ينبغي… ستعمل الوزارة الثامنة على مراجعة وتنظيم نظام التقاعد والرواتب كي يعود بالنفع على الناس بطريقة عادلة”.
الزمن كفيلٌ بأن يكشف لنا إلى أي مدى سيتم الالتزام بهذه الوعود وكم منها سيتم تنفيذه. لكن يبدو أن الضغط الشعبي المتصاعد والأزمة الاقتصادية التي تؤثّر على المنطقة يمارسان بعض التأثير.
في العام 2015، بدأت وزارة المالية والاقتصاد التي تديرها حركة التغيير (گۆڕان) إصلاحاً تدريجياً للرواتب والمعاشات التقاعدية غير القانونية. منحت الوزارة الأشخاصَ المرتبطين بالاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني من الذين يتقاضون راتبَيْن مهلة شهرين للإعلان عن مصدر دخلهم، ومن ثَمَّ عليهم أن يختاروا راتباً واحداً ويتخلّوا عن الآخر. وإذا لم يمتثلوا، سيكون عليهم تسديد جميع الأموال التي حصلوا عليها. وتناقش الكتل البرلمانية أيضاً مقترحات لمعالجة قضية الأشخاص الذين يتقاضون رواتب لكنهم لايعملون.
طالبت مجموعات المجتمع المدني والمعارضة السابقة منذ فترة طويلة بإنشاء هيئة عليا مستقلة للانتخابات، ويبدو أن ثمة تقدماً على هذه الجبهة أيضاً. فقد أقرّ البرلمان قانون إنشاء هيئة جديدة في 23 تموز/يوليو 2014، وتمت المصادقة عليه من الرئيس مسعود البارزاني بعد شهر واحد. وقد كانت الهيئة العراقية السابقة محتَكَرة من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكان النقاد يشتكون باستمرار من تزوير الانتخابات وعمليات الترهيب. وبموجب القانون الجديد، يتم انتخاب أعضاء مجلس إدارة الهيئة التسعة – من الأحزاب السياسية الخمسة الرئيسة في الإقليم – بالغالبية المطلقة في البرلمان، وهم مسؤولون أمام البرلمان. ويقول ناشطون في المجتمع المدني إن الهيئة الجديدة ليست مستقلّة بل حزبية، وإن أعضاءها لن يكونوا مهنيّين مستقلّين. إضافةً إلى ذلك، نشر البرلمان إعلاناً لملء الشواغر التسعة اجتذب 200 طلب. في نهاية المطاف، اختارت الكتل الخمس الرئيسة في البرلمان، بما في ذلك المعارضة السابقة، مرشحين حزبيين. وسيتبيّن في عامَي 2015 و2017، حين يُتوقّع أن تُعقَد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية على التوالي، إلى أي مدى سينجح هذا القانون والهيئة الجديدة في تقليص أو القضاء على ظاهرة تزوير الانتخابات والتلاعب بها.
في حين وعد رئيس الوزراء في خطاب تنصيبه بأن تضمن حكومته الشفافية والمساءلة، إلّا أنه اتّخذ بعد ذلك قراراً يظهر أن العادات القديمة لاتزول بسهولة. إذ خصّص نيجرفان البارزاني مبلغ 30 ألف دولار لكل وزير جديد من خارج أربيل، للإنفاق على إعادة تأثيث أماكن سكناهم في العاصمة. أثار ذلك القرار غضب الرأي العام، خاصة في الوقت الذي يمرّ الإقليم في أزمة اقتصادية ويخوض حرباً ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ونتيجةً لذلك، رفض جميع الوزراء من مجموعات المعارضة السابقة، حركة التغيير (گۆڕان) والاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية في كردستان، تخصيص هذا المبلغ، مادفع وزراء الاتحاد الوطني الكردستاني إلى أن يفعلوا الأمر نفسه.
إضافةً إلى ذلك، يتمثّل أحد أكبر التحدّيات التي تواجه المعارضة السابقة، التي هي الآن جزء من الحكومة، في تجنّب استلحاقها بسبب ممارسات الفساد في النظام. وطلبَ غالبية أعضاء البرلمان الكردي، بمن فيهم غالبية المعارضة السابقة، من رئاسة البرلمان (التي تتكوّن من الرئيس ونائب الرئيس وأمين السر) أن تشتري لهم سيارات تمكنّهم من القيام بزيارات ميدانية. وقد قيل إن البرلمان سيشتري 111 سيارة بتكلفة إجمالية تصل إلى حوالى 6 ملايين دولار. وقال أمين سر البرلمان إن هذه السيارات ستكون ملكاً للبرلمان. وفي حادثة أخرى، أدّى تعيين اثنين من مسؤولي حركة التغيير (گۆڕان)، قيل إن أحدهما لايحمل الشهادات الجامعية اللازمة لتولّي منصب مساعد وزير المالية والاقتصاد، إلى موجة من الانتقادات حول المحسوبية. لكن في مؤشر على تزايد أهمية النشاط والرأي العام ومطالب مناصري حركة التغيير (گۆڕان)، أدّى الضغط الشعبي إلى استقالة المسؤول الذي لم يكن يحمل الشهادة الجامعية المطلوبة.
من جانبها، أصبحت وسائل الإعلام المستقلّة في كردستان أكثر حزماً وفاعلية في متابعة انتهاكات حقوق الإنسان وقضايا الفساد. في بعض الحالات، نجحت منظمات حقوق المرأة في إثارة الغضب إزاء تزايد العنف ضد المرأة. وقد دفع الضغط المستمر من أسر ضحايا الإبادة الجماعية في عملية “الأنفال”، والتي قتلت فيها القوات الموالية لصدام حسين الآلاف من المدنيين الأكراد في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حكومةَ إقليم كردستان إلى اعتقال متعاون كردي نال عفواً من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وأصدرت السلطات العراقية مذكرات اعتقال بحق هؤلاء المتعاونين، لكن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني رفضا القبض عليهم. تظهر هذه الحالات للناشطين أهمية المطالبة المتواصلة بالتصدّي لظاهرة الإفلات من العقاب وإشراك الرأي العام في مختلف القضايا.
أعادت الانتخابات البرلمانية التي عُقدت في 21 أيلول/سبتمبر 2013، تشكيلَ الخريطة السياسية في إقليم كردستان. فقد شارك الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني كلٌّ على حدة في الانتخابات. وكان الاتحاد الوطني الكردستاني الخاسر الأكبر، وحلّت محلّه حركة التغيير (گۆڕان) كثاني أكبر حزب. واستغرق الأمر حكومة إقليم كردستان ثمانية أشهر تقريباً لتشكيل الحكومة الجديدة. وقد رغب البرلمان في الإبقاء على جلساته مفتوحة حتى يتم تشكيل حكومة جديدة. تقدّمت الجهات الفاعلة في المجتمع المدني بشكوى لدى المحكمة الإدارية في أربيل ضد نائب رئيس البرلمان، وطالبوا بإنهاء الجلسة المفتوحة في البرلمان، وحذّروا من أنه إذا لم تفصل محكمة أربيل في القضية، فإنهم سيتقدمون بشكوى لدى المحكمة الاتحادية في بغداد. وكان من شأن ذلك أن يشكّل مصدر إحراج كبير للسلطة القضائية والسلطات الكردية. في نهاية المطاف، كسبت الجهات الفاعلة في المجتمع المدني القضية.
في بداية العام 2014، استخدم شوان صابر، وهو قاض ومحقّق في مجلس القضاء الإقليمي، صفحته على فايسبوك لانتقاد مجلس القضاء الأعلى بسبب عدم حياديته والقول إن المحاكم في كردستان ليست مستقلة. وبعد شكوى تقدّم بها المجلس، قضت المحكمة في أربيل بأن يتم القبض عليه. لكن تم إطلاق سراح صابر بكفالة، في 6 آذار/مارس 2014، بعد ضغوط مكثّفة من المحامين والناشطين.
تحظى بعض الأنشطة بقدر أقلّ من اهتمام وسائل الإعلام، لكنها تشكّل على الرغم من ذلك سوابق مثيرة للاهتمام بالنسبة إلى المجموعات الاحتجاجية. فمظاهرات واعتصامات الشخص الواحد هي أشكال جديدة من النشاط وعلامة على التسييس المتزايد للمجتمع. بيد أن هذا لا يعني أن الاحتجاجات الجماهيرية أصبحت أقلّ شيوعاً، إذ أن الناشطين والمواطنين الأفراد يواصلون النزول إلى الشوارع للتعبير عن انتقادهم للنظام.
في ما يتعلق بإصلاح القطاع النفطي، وبعد ضغوط مكثّفة من الناشطين ووسائل الإعلام والمعارضة السابقة، أقرّ البرلمان في العام 2015 قانوناً يسمح بإنشاء صندوق سيادي لعائدات النفط والغاز يخضع إلى إشرافه. كان الهدف من هذا القانون الحدَّ من سلطة التكتّلات الحزبية في هذا القطاع من خلال مأسسة إدارة الإيرادات والتأكد من أنها ستُستخدم لخدمة الأجيال الحالية والمستقبلية.
ربما لن يكون لمعظم هذه التغييرات التراكمية، تأثيرات فورية على الأسس الرئيسة للنظام السلطاني. ومع ذلك فإنها تُظهر تصميم الجهات المدنية والسياسية الفاعلة على تحدّي النظام وتحقيق إصلاحات تدريجية. لذلك ينبغي النظر، في هذا الصدد، إلى التفاعل بين المواطنة وبين النظام السلطاني باعتباره صراعاً مستمراً. فقد تمكّن المجتمع المسيّس من منع النظام شبه السلطوي من الانزلاق إلى الاستبداد المطلق، واحتفظ بهامش من الحرية، وزاد من وعي المجتمع، ووسّع الفضاءات المدنية تدريجياً. بيد أن الطبيعة المحدودة لهذه التغييرات هي نتاج البيئة المقيّدة التي أصبحت كردستان فيها أكثر تسييساً.

بيئة معقّدة

يبدو أن المعارضة السابقة وغالبية الناشطين والمثقفين متفقون جميعاً على ضرورة إصلاح النظام، وليس إسقاطه من خلال الثورة. يمكن تفسير هذا العائق من خلال الإطار الداخلي والخارجي الذي تعمل فيه تلك القوى. ففي خضم منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من العنف الطائفي، والتطرّف الديني الذي يمثّله تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من المجموعات المتطرّفة، وانهيار مؤسّسات الدولة، تبدو مسألة إجراء الإصلاحات التدريجية واللاعنف أكثر إقناعاً من التمزّقات الثورية.
ومع ذلك، نَفَدَ صبر السكان تجاه الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني والمعارضة السابقة. فهم غاضبون من الفساد المستشري في أعلى المستويات، وواعون لحقوقهم، ويعقدون آمالاً كبيرة، ويطالبون بإجراء تغييرات سريعة وهيكلية. ويرجع ذلك في جزء منه إلى تطوّر المجتمع وتمكينه، كما يرجع في الجزء الآخر إلى محاولة حركة التغيير (گۆڕان) الناجحة لتعبئة الناخبين والمعارضة من العام 2009 إلى العام 2013.
إضافةً إلى ذلك، لاتزال أجهزةُ الاستخبارات والأمن والشرطة والبشمركة حزبية وموالية للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، كما أظهر قمع المظاهرات التي استمرّت شهرين في العام 2011، وهي مستعدة لاستخدام القوة العسكرية ضد المعارضة المدنية.
أبرزت الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية مرة أخرى الطبيعة الحزبية لهذه القوى. فمعظم أفراد قوات البشمركة ينتمون إلى الوحدتين 70 و80، اللتين يقودهما قادة عسكريون من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني وتخضعان إلى إمرتهم وسيطرتهم، وليس إلى وزارة شؤون البشمركة في حكومة إقليم كردستان. وأدّى ذلك إلى تشظية وإضعاف الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وفي الوقت نفسه، سلّط هذا الوضع الضوء على الحاجة الملحّة إلى وضع جميع القوات تحت قيادة وزارة شؤون البشمركة. في بداية العام 2015، أصدر الرئيس مسعود البارزاني أوامره بوضع الوحدتين 70 و80 تحت قيادة الوزارة، التي تديرها حركة التغيير (گۆڕان)، لكن لم يتم تنفيذ هذا القرار حتى الآن.
وثمّة مؤشّر صغير لكن مشجّع على الإصلاح، يتمثّل في أن جميع أفراد وحدات البشمركة يتقاضون الآن رواتبهم من الوزارة لامن الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني الكردستاني. إضافةً إلى ذلك، طرحت الوزارة فكرة إنشاء وحدات جديدة مؤلفة من الشباب المجنّدين في الخدمة العسكرية تكون مسؤولة أمام الوزارة، وليس أمام الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني الكردستاني. في الوقت الحالي، لايبدو الحزب الديمقراطي الكردستاني ضد هذه الأفكار. لكن ليس واضحاً بعد ما إذا كان الحزبان سيعطيان حركة التغيير (گۆڕان) مزيداً من السلطة والمجال اللازم للقيام بعملية إصلاح هيكلي لوزارة البشمركة وتحويلها إلى قوة وطنية غير حزبية.
حالة عدم اليقين بشأن الوضع النهائي لإقليم كردستان في العراق، بما في ذلك ماستكون عليه حدوده، وما إذا كان سيستقل أو يبقى جزءاً من العراق الاتحادي، تعيق تطوير المجتمع المسيّس إلى حدّ أبعد. ويستغلّ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني هذه المسألة لصرف الانتباه عن المشاكل الاجتماعية والسياسية الملحّة. على سبيل المثال، في النقاش الدائر حالياً حول استقلال كردستان، يطرح الحزب الديمقراطي الكردستاني نفسه والبارزاني، عبر وسائل الإعلام والبيانات والأنشطة السياسية، باعتبارهما الجهتين الوحيدتين اللتين تسعيان إلى الاستقلال، ويصوّران منتقديهم على أنهم خونة. لكن على الرغم من هذه الاستراتيجية القائمة على الإلهاء، استمرّت الاحتجاجات الاجتماعية ضد تأخر صرف الرواتب وأزمة الوقود والكهرباء وانتهاكات حقوق الإنسان والفساد، الأمر الذي يظهر أن الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني ربما يكونان قادرين على تحويل الانتباه عن قضايا السياسة الحقيقية لبعض الوقت، لكن السخط الاجتماعي والسياسي لن يتلاشى.
لتركيا وإيران، وهما القوتان الإقليميتان الرئيستان، تأثير كبير على الشؤون السياسية والاقتصادية في حكومة إقليم كردستان، ولكليهما مصالح استراتيجية في الحفاظ على الوضع السياسي الراهن في كردستان. كما أن تركيا وحزب العدالة والتنمية، على وجه الخصوص، شريكان استراتيجيان للحزب الديمقراطي الكردستاني. وتُعدّ الشركات التركية أكبر مستثمر في الإقليم، حيث تعتمد صادرات النفط الكردية على تركيا. وقد وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مسعود البارزاني باعتباره زعيم جميع الأكراد، ليس في العراق وحسب بل أيضاً في تركيا وإيران وسورية، والحزب الديمقراطي الكردستاني باعتباره الحزب الكردي النموذجي، وحكومة إقليم كردستان باعتبارها النموذج الاقتصادي الذي يجب أن يتبعه جميع الأكراد. وتُعدّ إيران شريكاً استراتيجياً لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وخاصة فصيل الطالباني. هذه الشراكة في غاية الأهمية لدرجة أنه يُقال إن إيران ساعدت على منع حصول هزيمة تاريخية للاتحاد الوطني الكردستاني في الانتخابات العراقية التي جرت في نيسان/أبريل 2014.
في الصراعات الطائفية الإقليمية في سورية والعراق، يُعتبر الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني جزءاً من محورين متناقضين: الحزب الديمقراطي الكردستاني جزءٌ من محور الأردن وقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا، في حين أن الاتحاد الوطني الكردستاني جزءٌ من محور إيران. وقد تعاون كلا الحزبين بشكل مكثَّف مع هذه القوى الإقليمية (والدولية) بشأن القضايا السياسية والاقتصادية والاستخباراتية، ويستخدمان هذه الشراكات الاستراتيجية الخارجية لتعزيز النظام السلطاني الداخلي.
الشكل الذي ستكون عليه حركة التغيير (گۆڕان) وغيرها من أحزاب المعارضة السابقة في المستقبل سيساعد أيضاً في تحديد مدى تسييس كردستان.
وهذا سيعتمد على مقدار السلطة والحيّز اللذين ستحصل عليهما تلك الأحزاب من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لبدء الإصلاحات، وعلى تصميمها وقدرتها على تقديم نموذج بديل من السياسة والسياسيين، نموذج غير فاسد وقادر على مقاومة محاولات استلحاقه من قبل النظام. ويشكّل اعتماد قوانين تمويل الأحزاب، والهيئة العليا للانتخابات، ووزارة شؤون البشمركة، والرواتب، وأنظمة التقاعد خطوات صغيرة لكنها إيجابية. إضافةً إلى ذلك، سيكون إصلاح القطاع النفطي اختباراً كبيراً للمعارضة السابقة.
بيد أن الأمر سيستغرق وقتاً لكي تسفر هذه الإصلاحات عن نتائج وليتم قياس تأثيراتها. في الوقت نفسه، سكان الإقليم جزعون ويريدون أن يروا تغييرات هيكلية سريعة. كما تواجه المعارضة السابقة، ولاسيما حركة التغيير (گۆڕان)، مايمكن تسميته معضلة التعبئة والحكم. فعندما كانت في المعارضة، نجحت هذه المجموعات في تعبئة قطاعات من السكان ضد النظام السلطاني. لكن عندما أصبحت في الحكومة، واجهت واقع ترجمة الوعود الانتخابية إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وتطبيق إصلاحات ناجحة.
المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية تجعل مهمة الشروع في الإصلاحات أكثر تعقيداً، لأن تنفيذ التغييرات الهيكلية وقياس أثرها يتطلّب وجود بيئة اجتماعية وسياسية مستقرّة. وقد وفّرت المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية للاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني ذريعة متمثّلة في أنهم لايستطيعون تنفيذ الإصلاحات بسبب الحاجة إلى التركيز على مكافحة التهديد الإرهابي. في جبل سنجار، حيث انسحبت قوات البشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني من دون إطلاق رصاصة واحدة في 3 آب/أغسطس 2014، شعر الإيزيديون الذين تُركوا لمصيرهم بالغضب لأن الحزب فشل في حمايتهم. لابل إن بعض الإيزيديين قالوا إنهم لم يعودوا أكرادا. ولذا من المستحيل التنبؤ بالطريقة التي سيؤثّر من خلالها هذا الغضب على نتائج الانتخابات المقبلة، وما إذا كان ذلك سيؤدّي إلى تراجع التأييد للحزب الديمقراطي الكردستاني.
كان للانسحاب من جبل سنجار ومناطق أخرى تأثيرٌ غير مقصود لكنه إيجابي. فقد أكّد على الضعف الهيكلي للوحدات العسكرية الحزبية في كردستان وسرّع الحاجة إلى إنشاء قوة عسكرية وطنية. في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، تحصل حكومة إقليم كردستان على الدعم العسكري والسياسي من الدول الغربية وإيران وتركيا. غير أن السؤال الذي يهيمن على النقاش في الإقليم هو: هل سيتم إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، ومتى سيتم ذلك، وهل هناك أي ضمانة بألّا يستخدم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني هذه الأسلحة ضد بعضهما البعض وكذلك ضد المعارضة السياسية والفعاليات المدنية؟

خاتمة

يتمتّع إقليم كردستان بقدرٍ أكبر من الاستقرار والتنمية الاقتصادية والتعدّدية السياسية من بقية العراق الاتحادي، وكذلك بهامش أكبر من الحرية للمجتمع المدني. غير أن الوضع في الإقليم نفسه يتغيرّ بسرعة.
عزّزت الطفرة الاقتصادية التي شهدها الإقليم بين عامَي 2003 و2013 سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني على السلطة، وإلى حدّ أقل، سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني، وخاصة في قطاع النفط الاستراتيجي. واستغلّت النخب الحاكمة في كردستان بنجاح الاحتكارات الاقتصادية وشبكات المحسوبية لإثراء نفسها وأصدقائها المقرّبين، واستلحاق قطاعات من المجتمع، واحتواء وقمع المعارضة.
مع ذلك، يعاني النظام السلطاني في الإقليم من ضعف بنيوي، وهو غير قابل للاستمرار على المدى البعيد. على سبيل المثال، التحوّلات الجيلية (من جيل) في الحزبين أمرٌ لامفرّ منه، ويمكن أن يتيح ذلك فرصة للتغيير. ومع ذلك، يمكن أن تؤدّي هذه التحوّلات أيضاً إلى اقتتال مسلّح وتزعزع استقرار الإقليم. وعلى الرغم من إعادة توحيد الإدارات التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، فإن قطاع الأمن وأجهزة المخابرات ووحدتَي البشمركة الرائدتين 70 و80 لاتزال كلها منقسمة. ولايزال الاقتصاد السياسي للنظام السلطاني قائماً على عائدات النفط، مايجعله عرضة إلى التقلّبات في أسعار النفط والنزاعات التي لم تُحَلّ مع الحكومة الاتحادية، وعلى علاقة الإقليم التجارية الهامة مع تركيا. ومنذ العام 2014، يعاني اقتصاد إقليم كردستان من أزمة.
في الوقت نفسه، يعبّر المجتمع الكردي عن معارضته لمختلف أبعاد النظام. ويدور نقاش حيوي بشأن النظام السلطاني في الأوساط الأكاديمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام الرئيسة، إضافةً إلى الاحتجاجات المنتظمة ضدّ الفساد المستشري على أعلى المستويات، وغياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية. والواقع أنه حتى في الوقت الذي يحاول فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني تعزيز حكمهما، تمكّنت الحركات الاجتماعية من إنجاز تغييرات تدريجية ومرحلية لكنها، مع ذلك، مهمّة. وعلى الرغم من أنه لن يكون لهذه التحوّلات الصغيرة تأثير فوري وجذري على النظام، فإنها تظهر تصميم المجتمع على تحدّيه وتحقيق إصلاحات تدريجية.
أدّى صعود حركة التغيير (گۆڕان) إلى تغيير الخارطة السياسية لكنه لم يغيّر النظام السياسي. فقد نجح الحزب في حشد وتوجيه مطالب المجتمع المسيَّس، وساعد في خلق جيل جديد من القادة الشباب من خارج سياسة المحسوبية، ومكّن الأحزاب الإسلامية. غير أن تغيير نظام عمره عقدان من الزمن ويعاني من فساد مزمن، يبدو مهمّة شاقّة. إضافةً إلى ذلك، الشروع في إصلاحات هيكلية وتحقيق تغييرات ملموسة يستغرقان وقتاً ويتطلّبان وجود بيئة اجتماعية وسياسية مستقرّة، وهي غير موجودة حالياً.
تحاول حركة التغيير (گۆڕان) ومجموعات المعارضة السابقة الأخرى التصدّي للاحتكارات، ومكافحة الفساد، وإصلاح القطاع العام، وتوحيد قوات البشمركة ورفع مستواها المهني، وجعل الهيئة العليا للانتخابات محايدة ومستقلة.
أحد أكبر التحدّيات التي تواجه حركة التغيير (گۆڕان) والاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية في كردستان يتمثّل في تقديم نموذج بديل من السياسة والسياسيين يكون غير فاسد أو غير مستلحق من النظام، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بقضايا الرواتب والتقاعد ومنافع أخرى. وحتى الآن تبدو النتائج متباينة. ويُنظَر إلى بعض المسؤولين على أنهم نظيفو الكف وجديرون بالثقة، في حين يستسلم البعض الآخر إلى إغراء السلطة. ولذلك من الأهمية في مكان لقادة المعارضة السابقة والقواعد الشعبية مساءلة مسؤوليهم، وإذا لزم الأمر، استبدال الفاسدين منهم بمسؤولين جديرين بالثقة ويتمتّعون بالمصداقية.
إذا اتّضح أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لاينويان الوفاء بوعودهما في تنفيذ إصلاحات ذات مغزى، ينبغي أن تكون المعارضة السابقة صادقة مع ناخبيها وأن تبلغهم علناً باستحالة إصلاح النظام من الداخل. وبالتالي، ينبغي على المعارضة أن تمعن النظر في استراتيجيات سلمية ومدنية بديلة ومبتكَرة بهدف الضغط على الحزبين لتنفيذ وعودهما.
في حين يبدو من السابق لأوانه الحكم على أداء حركة التغيير (گۆڕان) والاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية في كردستان في الحكومة، فإن السكان قد نفد صبرهم ويعلّقون آمالاً كبيرة، ويرغبون في رؤية تغييرات سريعة وملموسة. وستكون الفترة التي تسبق الانتخابات المقبلة في العام 2017 فترة اختبار حاسم للمعارضة السابقة وهي تحاول تحقيق بعض الإصلاحات الهادفة والتدريجية.
يعتمد نجاح المعارضة السابقة على عوامل ثلاثة. الأول هو رغبة الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في السماح بحدوث تغيير. والثاني هو قدرة حركة التغيير (گۆڕان) والاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية في كردستان (المعارضة السابقة التي هي الآن جزء من الحكومة) على تقديم نموذج بديل من السياسة والسياسيين يكون غير فاسد أو غير مستلحق من النظام. والثالث هو الإطار المقيّد، داخلياً وخارجياً، الذي تعمل فيه هذه القوى.
ولعلّ مايجعل مهمّة حركة التغيير (گۆڕان) والاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية في كردستان، فضلاً عن المجتمع المدني، أكثر صعوبة هو عدم الاستقرار المتزايد والمعارك بين تنظيم الدولة الإسلامية من جهة والقوات الكردية والعراقية والأميركية من جهة أخرى. في مثل هذه البيئة تكون الأسبقية للأمن ومكافحة الإرهاب والمساعدات الإنسانية، على حساب الإصلاح والتحوّل الديمقراطي للنظام.
ومع ذلك، توفّر مثل هذه البيئة أيضاً فرصة نادرة كي يتحوّل النظام إلى نظام ديمقراطي. ولذا ينبغي على الدول الغربية أن تصرّ على إنشاء جيش وشرطة وأجهزة أمنية وطنية وغير حزبية. وللمساعدة في تحقيق ذلك، ينبغي عليها أن تدعم عملية إصلاح وزارة شؤون البشمركة، التي تهدف إلى وضع جميع الوحدات العسكرية تحت قيادة حقيقية من الوزارة وضمان ألا تُستخدم الأسلحة المقدمة لمحاربة المتشدّدين أبداً في الصراعات الداخلية على السلطة و/أو ضد المعارضة السياسية والمدنية. علاوةً على ذلك، ينبغي أن تدعو الدول الغربية حكومة إقليم كردستان إلى تنفيذ وعودها التي تهدف إلى إصلاح القطاع العام والرواتب ونظام التقاعد لجعلها أكثر نزاهة وشفافية وخاضعة إلى المساءلة.

ويتعيّن على الحكومات الغربية، والمنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، أن تصرّ على إحالة مرتكبي جرائم قتل الصحافيين المستقلّين وضحايا حملة 17 شباط/فبراير 2011 القمعية، إلى العدالة.
غير أن تحقيق ذلك لايقتصر فقط على حكومة إقليم كردستان. إذ ينبغي أيضاً على داعميها الخارجيين أن يضغطوا على الحكومة الاتحادية في بغداد للتوصّل إلى اتفاق نهائي مع حكومة إقليم كردستان حول الوضع في الإقليم، وترسيم الحدود بصورة واضحة، وإيجاد حل للقضايا السياسية والاقتصادية العالقة بين أربيل وبغداد.

* مركز كارنيغي للشرق الأوسط