الرئيسية / دراسات / الأمن المائي في البلدان النامية في القرن الحادي والعشرين
mae111

الأمن المائي في البلدان النامية في القرن الحادي والعشرين

تمهيد

في مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين طرح تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة للعام 1990 فكرة الأمن البشري كإطار يتجاوز المنظور الكلاسيكي لفكرة الأمن الوطني والذي كان محصورًا بالجوانب العسكرية والأمنية وما يتصل بها.
وفي وقت لاحق عرّف عددٌ آخر من التقرير المشار إليه (2006) الأمن البشري بأنه يتمّثل في توافر الحماية ضد ما لا يُمكن التنبوء به من أحداث يؤدي وقوعها إلى حدوث اضطراب في حياة البشر وسبل معيشتهم. وأعتبر أمن المياه أو الأمن المائي جزءًا لا يتجزأ من هذا المفهوم الجديد والشامل للأمن البشري إلى حد أن عدم توافر الظروف المؤاتية لتحقيق الأمن المائي يحول بالتالي دون تحقيق الأمن البشري أو انعدامه.
فما هو الأمن المائي؟ لماذا لم يتم التطّرق إلى هذا المفهوم للأمن إلاّ في الفترة الأخيرة؟ ما هي الأسباب والعوامل التي تحول دون تحقّق الأمن المائي في البلدان النامية؟ ما هي آفاق تطوّر مشكلة إختلال الأمن المائي في هذه البلدان خلال القرن الحادي والعشرين؟ وكيف يُمكن التخفيف من حدة هذه المشكلة؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا البحث.
أولاً: في مفهوم الأمن المائي
لقد تمّ النظر إلى الأمن المائي في الأساس على أنه الحال الذي يكون فيه عند كل شخص فرصة أو قدرة على الحصول على مياه نظيفة ومأمونة بالقدر الكافي وبالسعر المناسب حتى يتمّكَّن من أن يعيش حياة ينعم فيها بالصحة والكرامة والقدرة على الإنتاج مع الحفاظ على النظم الإيكولوجية التي توّفر المياه وتعتمد عليها في الوقت نفسه، بينما يؤدي انقطاع سبل الحصول على المياه إلى تعرّض البشر لمخاطر كبيرة تتعلَّق بالأمن البشري أبرزها انتشار المرض وانقطاع سبل المعيشة(1).
تتفق هذه النظرة مع الإعلان الذي أطلقته لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذي نصّ على أن “حق الإنسان في المياه يجب أن يكفل للجميع إمكان الحصول على المياه بشكل كافٍ وآمن ومقبول وبسعر مناسب مع القدرة على الوصول إليها وذلك لأغراض الاستخدام الشخصي والمنزلي.
ويصبح الحصول على المياه وفق هذا المنطق حقًا من الحقوق الأساسية للإنسان، إذ “أنّ التمسك بالحق الإنساني في المياه هو غاية في حد ذاته ووسيلة لاستنهاض حقوق أكثر شمولاً وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي غيره من الوثائق الملزمة قانونيًا، بما في ذلك الحق في الحياة والتعليم والصحة والمسكن اللائق”(2).
بالمقابل، يُعتبر انعدام الأمن المائي انتهاكًا قويًا لبعض أهم مبادئ العدالة الإجتماعية والمواطنة إذ من المفترض أن تكفل المواطنة العادلة لكل شخص الحق في قدر متكافئ من الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية بما في ذلك ممارستها بفاعلية، بينما يُعّد انعدام الأمن المائي تهديدًا لها لأنه يقلّل من تكافؤ الفرص الذي هو شرط أساسي لتحقيق العدالة الإجتماعية.
وفي وقتنا الحاضر لم يعد يُنظر إلى انعدام الأمن المائي من زاوية الندرة المادية للمياه والتي تعرف بعجز الموارد المائية عن تلبية الطلب فحسب، بل كنتاج لسياسات سوء إدارة الموارد المائية أيضًا.
كما أن تغيّر المناخ في العقدين الأخيرين، وما رافقه من تغيّر في أنماط سقوط الأمطار، وحدوث مظاهر طقس متطرِّفة، وارتفاع مستوى البحر، سلّط الضوء بشكل جليّ على الخصائص التدميرية للمياه والتي تتجلّى في العواصف والأعاصير والفيضانات وحتى الجفاف. وهذا ما دفع علماء المياه إلى اعتبار أمن المياه مرتبطًا أيضًا بالقدرة على التنبؤ بالمخاطر وإمكان الحد من الضرر الناتج عن القدرات التدميرية للمياه.
وبهذا المعنى فإن أمن المياه أصبح يتمثّل بالقدرة على الحصول على المياه من أجل الاستهلاك البشري وكمصدر إنتاجي من جهة، وفي الحد من الإمكانات التدميريّة للمياه والحماية من المخاطر المرتبطة بها من جهة أخرى(3).
من ناحية ثانية، فقد أدّت الصرخات المدوِّية، والتي حذّرت في السنوات الأخيرة من حتميّة “نضوب المياه” في العالم، إلى توسيع دائرة الاهتمام بأمن المياه حيث يعتبر العديد من المنظمات الدولية والجمعيات الحقوقية والبيئية أن الحق في الحصول على المياه وتكافؤ الفرص في الحصول عليها ضمن الجيل الحالي يجب أن لا يعرّض للخطر قدرة الأجيال المقبلة على تلبية حاجاتها من هذا المورد الحيوي. وينسجم هذا الطرح مع إحدى الخلاصات التي خرجت بها قمة الأرض الأولى التي عقدت في ريو دي جانيرو العام 1992 حين اعتبرت “أن كوكب الأرض ليس ملكية خاصة للأجيال الحاضرة، بل هي تشغلها على سبيل الإستعارة من الأجيال القادمة”(4).
ثانيًا: لماذا موضوع الامن المائي الآن
تعتبر المياه من أهم مكوِّنات الإنسان العضوية ككائن حي، ومن أهم مرتكزات حياته الاجتماعية. فالمياه حاجة بيولوجية ضرورية لحياة الانسان إن بشكل مباشر من خلال الشرب، أو غير مباشر عبر استنبات النبات وتربية الحيوان اللازمين لغذائه، كما أن أكثر من ثلثي جسم الانسان نفسه يتكوّن من الماء.
يحتاج الناس إلى المياه بقدر حاجاتهم إلى الأوكسيجين إذ بدونهما لا يمكن أن تكون حياة. إلاّ أنّ المياه تمنح الحياة بمعنى أشمل بكثير، إذ أنها حاجة ضرورية للمحافظة على صحة الإنسان ووقايته من الأمراض والأوبئة. كما أنها أحد المقومات الرئيسة لرفاهية الإنسان وتقدمه لناحية استخدامها في ميادين الإقتصاد ومجالات الترفيه النفسي شتى.
لقد كان يُنظَر إلى المياه على أنها أحد الموارد الطبيعية المتجدّدة إذ أنّ الكميات المتوافرة منها على كوكب الأرض تمتاز بالثبات النسبي وتكاد تكون نفسها منذ آلاف السنين. ولقد عزّزت الدورة الهيدرولوجية للمياه هذا الإعتقاد، إذ يتبخّر يوميًا من السطوح المائية جزء من الماء بفعل أشعّة الشمس، وتحرّك الرياح الهواء الرطب المشبع بالبخار إلى مناطق أخرى منخفضة الحرارة فيتكثَّف من جديد ويسقط على شكل أمطار وثلوج فيعوّض بذلك عن الجزء الذي استهلكه الإنسان(5).
إلاّ أن التزايد الكبير في عدد سكان العالم خلال المئة سنة الأخيرة بحيث بلغ في نهايتها أربعة أضعاف ما كان عليه في بدايتها، وارتفاع معدلات استهلاكهم للمياه بمعدل سبعة أضعاف في الفترة نفسها، أثارا شكوكًا كبيرة حول إمكان استمرار اعتبار المياه كمورد متجدِّد، ومدى كفاية المياه لحاجات البشر مستقبلاً(6).
لقد أتت التغيُّرات المناخية الأخيرة، التي نشرت الجفاف في أجزاء واسعة من الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية، ودفعت حدود الصحراء أكثر من 500 كلم شمالاً نتيجة تصحّر حوإلى 90000 كلم2 من الأراضي الزراعية سنويًا، فجعلت من موضوع الحرمان من المياه واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه البشرية في مطلع القرن الحادي والعشرين(7).
على الرغم من أن نقص المياه – شأنه شأن الجوع يعتبر واحدة من الأزمات الصامتة التي قلّما تلاقي الاهتمام الكافي من وسائل الإعلام العالمية، فإن ما ذكرته  تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة في السنوات الثلاث الأخيرة شديد الخطورة ويدعو إلى القلق. فقد جاء في تقرير التنمية البشرية الصادر العام 2006 أن في العالم 1.1 مليار شخص لا يستطيعون الحصول على الحد الأدنى من المياه النظيفة، و2.6 مليار شخص لا تتوافر لديهم مرافق الصرف الصحي الأساسية، ويشّكل هذا الرقم الأخير أكثر من 50% من سكان البلدان النامية. كما فاق – حسب الترتيب ذاته – عدد الذين يموتون سنويًا بسبب الأمراض الناتجة عن نقص المياه وتلوثها في العالم عدد الذين يموتون في الحروب والنزاعات المسلحة. كما يزداد سنويًا عدد المجتمعات التي ينخفض نصيب الفرد منها إلى ما هو أقل من 20 ليترًا في اليوم وهو ما يمثل الحد الأدنى اللازم للوفاء بأكثر احتياجات الانسان ضرورة. أما في حال احتساب احتياجات الأفراد من المياه لأغراض الاستحمام وغسيل الملابس فيرتفع الحد الأدنى اللازم للفرد يوميًا من المياه إلى 50 ليترًا.
ويعتبر الأطفال في البلدان النامية أبرز ضحايا أزمة المياه المعاصرة إذ يموت منهم حوالى 1.8 مليون طفل سنويًا (أي بمعدل 4900 طفل كل يوم) وهذا ما يجعل من النقص في الحصول على المياه النظيفة وتأمين الصرف الصحي الملائم مجتمعين ثاني أكبر قاتل للأطفال في العالم(8).
في الختام، باتت أزمة المياه تزيد من انتشار المظاهر الصارخة لعدم المساواة في فرص الحياة بين الأمم الغنية والفقيرة. كما أنها تحدث تفاوتًا كبيرًا في مستويات الحياة بين مواطني البلد الواحد خصوصًا في البلدان النامية حيث الأمن المائي في معظمها أصبح مختلاً أو مفقودًا.
ثالثًا: أسباب إختلال الأمن المائي في البلدان النامية
ثمة عوامل وأسباب عديدة تسهم في اختلال الأمن المائي أو فقدانه في البلدان النامية وأبرزها:
1-  ندرة المياه
يرى بعض الاقتصاديين أن مصدر القلق العالمي حول المياه يعود إلى ندرتها التي تزايدت مع زيادة السكان كما الطلب العالمي على استهلاكها. فهل هناك ندرة في المياه حقًا؟ وهل هي عالمية أم إقليميّة؟ وأخيرًا هل أسبابها مادية كالنقص في الإمدادات، أو إقتصاديّة، أو مؤسساتيّة كالسياسات العامة التي شجّعت على الاستخدام المفرط للمياه … أو غير ذلك؟
تقدّر كمية المياه الموجودة على كوكب الأرض بحوالى 1400 مليون كيلومتر مكعب. الجزء الأعظم منها (97,5%) هو من المياه المالحة التي تملأ المحيطات والبحار بينما لا تمثّل كمية المياه العذبة سوى نسبة (2,5%)(1). إلاّ أنّ أغلب المياه العذبة غير متاح في وقتنا الحاضر؛ فقسم منها مخزون في باطن الأرض على عمق يتجاوز مئات الأمتار (40%)، وقسم آخر متجمِّد في المناطق القطبية وأعالي الجبال الشاهقة (40%). أما الجزء المتاح فهو محدود جدًا ويقرب من (20%) من إجمالي المياه العذبة أي حوالى (0,05%) من إجمالي مياه الكرة الأرضية.
يقوم النظام الهيدرولوجي لكوكب الأرض بضخ حوالى 44000 كيلومتر مكعب من المياه ونقلها إلى اليابسة سنويًا، أي ما يعادل 6900 متر مكعب لكل فرد من سكان الكوكب الأرضي. وعلى الرغم من ضياع جزء كبير من هذه المياه في الفيضانات التي لا يمكن التحكُّم بها، أو في مواقع بعيدة عن متناول يد الإنسان، إلاّ أنّ ما يتوافر للفرد من المياه في العالم يبقى أكثر من 1700 متر مكعب وهو المعدَّل الوسطي الذي يعتبره علماء المياه الحد الأدنى المطلوب للفرد للوفاء بحاجات الزراعة (الغذاء)، ودعم الصناعات والمحافظة على البيئة(10).
يعتبر العلماء أن توافر المياه في بلد ما بما هو أقل من 1000 متر مكعب للفرد سنويًا هو ندرة للمياه، بينما يعتبر توافرها بأقل من 500 متر مكعب للفرد في السنة ندرة مطلقة(11)..مع الإشارة إلى أن كمية المياه المتوافرة لا تعدّ المؤشر الوحيد على ندرة المياه، فجودة المياه تعتبر عاملاً مؤثرًا كذلك بالنسبة إلى حجم المياه المتاح للاستخدام.
إذًا لو نظرنا إلى المياه على مستوى العالم ككل يمكن القول أنّ المتوافر منها ما زال يكفي ويفيض عن الوفاء بجميع احتياجات البشرية، فلا مشكلة ندرة على الصعيد العالمي حتى الآن. إلاّ أنّ المياه، مثلها مثل العديد من مصادر الثروة العالمية، لا تتوزّع بصورة عادلة بين بلدان العالم أو حتى بين أقاليم البلد الواحد (وهذا ما سنتطرق إليه لاحقًا). وفي هذه الحال لا تتمكَّن البلدان والأقاليم التي تشكو من الإجهاد المائي من الاستفادة من فائض المياه الموجود في البلدان والأقاليم ذات المتوسطات العالمية العالية بالمياه.
كما أن الحصول على المياه كمورد إنتاجي يتطلَّب توافر الهياكل الأساسية اللازمة لذلك، فيما يتفاوت توزيع هذه الهياكل ومدى تطورها بين البلدان وداخل البلد الواحد. كما تتفاوت أيضًا قدرة البلدان على تخزين المياه وعلى الحد من الضرر الناتج عن قدرتها التدميرية.
في الختام، يمكن القول إنّ ندرة المياه موجودة إنما يقتصر وجودها حتّى الآن على بعض البلدان والأقاليم. واللافت هنا أنه في حين تنعم بلدان الشمال في شمال القارة الأميركية وغرب أوروبا ووسطها وصولاً إلى اليابان بمعدلات مائية عالية بشكل عام، فإن غالبية البلدان التي تشكو من الندرة أو الاجهاد المائي تنتمي إلى دول الجنوب أو ما اتفق على تسميته بالبلدان النامية خصوصًا في قارتي آسيا وإفريقيا على الرغم من وفرة مخزون المياه في هذه الأخيرة.
على العموم يمكن القول إنّ ندرة المياه في العديد من البلدان النامية هي نتاج بعض العوامل أبرزها:
أ‌- تسارع الزيادة السكانية
لقد تطور سكان كوكب الأرض من 1 مليار نسمة العام 1800 إلى 3 مليارات نسمة العام 1950، وإلى ما يقرُب من 6 مليارات نسمة في وقتنا الحاضر، أي أن سكان العالم الذين استغرق وصول عددهم إلى 1 مليار نسمة عشرات آلاف السنوات منذ بداية الحياة البشرية حتى العام 1800، إزدادوا حوالى 5 مليارات نسمة خلال مائتي عام فقط. وإذا اعتبرنا أن كمية المياه المتاحة كانت ثابتة فيكون نصيب الفرد العالمي من المياه قد انخفض إلى 1/6 ما كان عليه العام 1800.
ب‌- إزدياد سكان المدن وعمليات التحضّر
يزداد سكان المدن إلى إجمالي سكان الدولة بصورة مستمرة في كل بلدان العالم ما يؤدي إلى زيادة الطلب على المياه وجعل عنصر الندرة أكثر حدَّة. كما تؤدي الندرة إلى اعتماد المدن على مصادر مياه أكثر كلفة لأن المصادر المحليّة تصبح إما مستنزفة أو ملوّثة.
ج-  إرتفاع مستويات المعيشة
يؤدي التقدم الحاصل في مجالات التنمية الاقتصاديّة إلى تحسن مستويات المعيشة فتتغيَّر أنماط الاستهلاك ويزداد الطلب على المياه.
د-  الزراعة الكثيفة
يحتاج بعض الزراعات بطبيعتها إلى كميات كبيرة من المياه، فإنتاج كيلوغرام واحد من الأرز، كمثال، يتطلَّب ما يراوح بين 2000 و5000 ليتر من المياه، وإنتاج طن واحد من قصب السكر يتطلَّب ثمانية أضعاف كمية المياه المستخدمة في إنتاج طن من القمح. ولقد أدَّى التوسُّع الرأسي في الزراعة (الزراعة الكثيفة)، الذي أمكن بفضله تحقيق الثورة الخضراء والزيادة المستمرة في إنتاج الأغذية والمستندة إلى استخدام واسع للأسمدة، إلى التوسع في أعمال الري لضمان رطوبة التربة، ومواجهة عدم كفاية سقوط الأمطار.
وإذا علمنا أن إنتاج شريحة واحدة من اللحم يتطلَّب حوالى 11000 ليتر من المياه، وأننا سنكون بحاجة إلى حوالى 3500 ليتر من المياه لإنتاج غذاء يوفّر الحد الأدنى اليومي من الوحدات الحرارية للفرد (3000 وحدة حرارية)، لأدركنا الأسباب التي جعلت الزيادة في معدل استخدام المياه خلال المئة عام الأخيرة حوالى ضعفي معدل الزياة في السكان(12).
في الختام، وعلى الرغم من أن النسبة التي تستهلكها الصناعة من المياه قد تضاعفت أربع مرات خلال القرن العشرين، وعلى الرغم من التوسع الكبير في حصة المدن والبلديات، إلا أنّ الزراعة وبسبب التوسُّع في أعمال الري ما تزال تحتفظ بحصة الأسد من استهلاك المياه. وفي البلدان النامية ما تزال حصة الزراعة تمثل ما يربو على 80% من استهلاك المياه، وتستهلك عملية إنتاج الغذاء ما يزيد بمقدار 70 ضعفًا عن الكميات المستخدمة في الأغراض المنزلية.
هـ- انتشار التصنيع
تستهلك الصناعة كميات كبيرة من المياه. فإنتاج طن واحد من الصلب يحتاج إلى ما بين 8000 و12000 ليتر من المياه، وإنتاج السيارة يحتاج إلى 38000 ليتر. وحاجة الصناعة إلى المياه لا تقتصر على الصناعات المعدنية الثقيلة بل تشمل كل فروع الصناعة، فصناعة بذلة رجل واحد كمثال تحتاج إلى 665 ليترًا من المياه(13).
و- أسباب سياسية ومؤسساتية
يرى اقتصاديون آخرون عديدون أن السبب الرئيس لندرة المياه في الغالبية العظمى من الحالات هو سبب سياسي ومؤسساتي، ويكون في الغالب نتاج سياسات سوء إدارة الموارد المائية وليس نتيجة نقص مادي في الإمدادت. ويرى هؤلاء أنه على الرغم من أن متطلبات الأسر من المياه لا تُمثّل إلاّ جزءًا صغيرًا من استهلاك المياه (عادة أقل من 5% من إجمالي الإستهلاك)، فهناك قدر كبير من عدم المساواة في فرص الحصول على المياه النظيفة والصرف الصحي على مستوى الأسر داخل الدولة نفسها في البلدان النامية. ففي حين يتمتَّع سكان المناطق المرتفعة الدخل والمدن بإمكان الحصول على مئات الليترات من المياه تصل إلى بيوتهم يوميًا بأسعار منخفضة بواسطة المرافق العامة، فإن سكان الأرياف والأحياء الفقيرة في المدن يحصلون على ما هو أقل من 20 ليترًا من المياه (وأحيانًا أقل من 5 ليترات) في اليوم لكل فرد. ويصح الأمر نفسه، إلى حد كبير، في موضوع استخدام المياه من أجل الإنتاج إذ تقوم مضخات الري باستخراج المياه من مستودعاتها الجوفية ومجاري الأنهر على مدى 24 ساعة لصالح المزارعين الأثرياء فيما يعتمد صغار المزارعين على سقوط الأمطار التي تشهد أحيانًا تقلُّبات شديدة.
وخلاصة القول إن الفقراء في البلدان النامية يحصلون على قدر أقل من المياه، ويدفعون ثمنًا أكبر في المقابل، ويتحمّلون وطأة تكاليف التنمية البشريّة الناجمة عن ندرة المياه. هذا بالإضافة إلى انتشار النزاعات التي تندلع في ما بينهم أحيانًا في إبّان عملية الحصول على المياه.
بسبب عدم قدرة بعض الأسر الفقيرة على تحمّل تكاليف توصيل المياه، أو بسبب عدم امتلاكها صكوك ملكية، فإنها تدفع في حال بُعد مرفق المياه عن أماكن سكنها أسعارًا تفوق من 5 إلى 10 أضعاف كلفة المياه التي كان من الممكن أن تحصل عليها في ما لو تم تأمينها من خلال المرافق العامة. وفي حالات أخرى، تعتبر الأسعار المنخفضّة للمياه وعدم اعتماد أسعار تصاعدية سببًا لزيادة الاستهلاك وعاملاً من العوامل التي تؤدي إلى ندرتها.
في كثير من الحالات أدّى توفير الكهرباء للمزارعين بشكل مجاني، أو من خلال إعانات إلى إلغاء دور الحوافز التي تؤدي إلى الحفاظ على المياه. فقد أدّت مجانية الكهرباء إلى زيادة تشغيل محطات استخراج المياه وانتشار زراعات كثيفة الاستهلاك للمياه (مثل إنتشار زراعة قصب السكر في بعض الأقاليم الهندية).
في مثال آخر للنتائج العكسية للإعانات، فقد تمّ استخدام جزء من عائدات النفط في المملكة العربية السعودية في ضخ المياه من أحد المستودعات غير المتجدّدة للمياه الجوفية لزراعة القمح في عقد الثمانينيات من القرن العشرين، إلاّ أن كلفة إنتاج الطن الواحد من القمح الذي استخدم حوالى 3000 متر مكعب من المياه (أي ثلاثة أضعاف المعدَّل العالمي) إرتفعت إلى ما يوازي 4 – 6 أضعاف السعر العالمي للطن من هذه المادة.
كما يؤدي تسعير مياه الري بأقل من قيمتها الحقيقية، وأحيانًا بأقل من تكلفتها إلى تهديد استدامتها وإيجاد عقبات أمام الحفاظ عليها. ولا تقف تاثيرات إعانات المياه التي تقدمها البلدان عند حدودها الوطنية، إذ أن الدول عند تصديرها جزءًا من منتجاتها الزراعية تكون قد صدّرت أيضًا جزءًا من المياه المستخدمة في عملية الإتناج. ومن ناحية أخرى، تقوم نظم المحاسبة الوطنية بتسجيل عمليات استخراج المياه الجوفية، وسحب مياه الأنهر والبحيرات كعناصر نمو في الدخل ولكنها تتجاهل ما يصيب المياه من تدهور أو استنفاذ ولا يتم تسجيله كخسارة إهلاك للأصول من الموارد الطبيعية.
2-  التوزيع اللامتكافئ للمياه
إن الماء العذب المتاح ليس موزعًا توزيعًا عادلاً في مناطق العالم وأقاليمه المختلفة. فالمناطق الجافة التي تشكل حوالى 40 % من مساحة اليابسة لا تحظى بأكثر من 5 % من كمية المياه المتاحة في العالم. وفي هذه المناطق تبرز أزمة المياه على أشدّها. فالموارد المائية شحيحة، والتبّخر شديد إلى حدٍ يجعل الحياة النباتية والحيوانية تحت رحمة الندرة الشديدة للمياه. وفي هذه المناطق يستخدم بعض البلدان أكثر من 100 % من ثروتها المائية وتستنزف آبارها الجوفية بما يفوق قدرتها على التجدّد فتلجأ إلى تحلية مياه البحر المرتفعة الأكلاف (مثل بلدان الخليج العربي).
بالمقابل، فإن قرابة ربع المعروض عالميًا من المياه العذبة يقع في بحيرة بيكال في منطقة سيبيريا التي تتسم بندرة السكان. وتحظى أميركا اللاتينية وحدها بنسبة 31% من موارد المياه العذبة في العالم، ويقدّر نصيب الفرد من المياه فيها بمقدار 12 ضعفًا مقارنة بنصيب الفرد في جنوب آسيا، ناهيك من وفرة المياه في قارة أوروبا وفي أميركا الشمالية.
وعلى صعيد الدول، يحظى بعض الدول مثل البرازيل وكندا وإيسلندا بمعدلات مائية عالية جدًا للفرد، حيث يصل فائض المياه العذبة في كل من الدولتين الأخيرتين على التوالي إلى 90000 م3 و500000 م3 للفرد أي إلى حوالى 53 ضعفًا و300 ضعف للمعدّل العالمي لحاجة الفرد السنوية والذي تمّ تحديده بـ 1700 م3، بينما ينخفض معدل المياه في بلدٍ مجهد مائيًا كاليمن إلى 198 مترًا مكعبًا للفرد.
في الصين والهند اللتين أصبحتا بلدين مجهدين مائيًا بفعل النمو الاقتصادي السريع الذي تعرفانه، تبرز مشكلة أخرى كبيرة تتمثَّل بسقوط 90% من المتساقطات السنوية خلال مدة زمنية تقل عن 100 ساعة، الأمر الذي يسبّب حدوث أعاصير وكوارث طبيعيّة وفيضانات كثيفة خلال فترة زمنية قصيرة من العام مع حدوث جفاف طويل في بقية العام. وفي كل المنطقة يعتمد التوافر الفعلي للمياه طوال العام ليس فحسب على سقوط الأمطار وإنما كذلك على قدرة السعة التخزينية ودرجة تدفّق النهر وتجدّد المياه الجوفية.
وتتباين قدرة البلدان على تخزين المياه بشكل حاد. فبإمكان الولايات المتحدة الأميركية تخزين 6000 متر مكعبّ من المياه للفرد وأوستراليا 5000 متر مكعب مقارنة بـ 43 مترًا مكعبًا في أثيوبيا. وتبلغ فترة التخزين لنهر كولورادو 1400 يوم مقابل 30 يومًا تقريبًا لنهر السند(14).
غير أن المقارنات بين أوضاع تخزين المياه في البلدان المختلفة تكشف لنا عن جانب آخر من جوانب القدرة على تخفيف المخاطر. فبلدان، مثل غانا وزامبيا، لديها مستويات مرتفعة للغاية من مخزون المياه للفرد هي في الواقع أعلى من مخزون الولايات المتحدة الأميركية ولكنها ذات قدرة محدودة على التخفيف من المخاطر بسبب ضعف الهياكل الأساسية فيها. فيتم توجيه الجزء الأكبر من القدرة التخزينية إلى توليد الطاقة بينما تنخفض استفادة أصحاب الحيازات الصغيرة في القطاع الزراعي إلى الحد الأدنى.
بإختلاف قدرة البلدان على التخزين والتخفيف من المخاطر تختلف معدلات استهلاك الفرد من المياه العذبة، فهي تصل إلى 1200 م3 سنويًا في البلدان الصناعية بينما تنخفض إلى حدود 520 م3 في البلدان النامية، وإلى أقل من 260 م3 في البلدان الأقل نموًا(15).
كما تبرز الفروقات في حصة الأفراد من المياه داخل الدولة الواحدة أحيانًا، فالفرد في شمال الصين يحصل على أقل من ربع ما هو متاح للفرد في جنوبها. وفي البرازيل التي تسجّل معدلات مائية عالية جدًا للفرد يعيش ملايين من السكان في “مضلّع الجفاف” الضخم وهو عبارة عن منطقة شبه قاحلة تضم تسع ولايات على امتداد حوالى 940000 كلم2 في الشمال الشرقي للبلاد.
3- الهدر
يؤدي سوء استخدام الموارد المائية وعدم اعتماد الطرق العلمية الصحيحة في الري إلى إهدار حوالى 50 % من المياه المستهلكة. والجزء الأكبر من الهدر يحصل نتيجة رداءة أنظمة الري المستخدمة في الزراعة، إذ يضيع أكثر من 60% من مياه الري في بعض البلدان بسبب اعتماد طرق الري التقليدية (الري بالغمر). كما أن جزءًا من المياه الموزّعة تتمّ خسارته بسبب التّسرب وضعف صيانة السدود والأقنية وخزانات المياه. ولا تقتصر أسباب الهدر على العوامل التقنية وسوء إدارة المياه فحسب، فهي تكون ناتجة أحيانًا عن ظروف توفير المياه (خصوصًا مياه الري) بشكل مجاني أو بأسعار متهاودة الأمر الذي يترك المجال للإفراط في استهلاكها وضياع جزء كبير منها(16).
4-  تلوّث المياه
تعتبر مشكلة التلوّث من أبرز مشكلات العصر حيث أنها باتت تطال كل المرافق والموارد إلاّ أننا سنحصر حديثنا بتلوُّث المياه الذي تكاد مشكلته، على الرغم من حداثتها النسبية، أن تتخطَّى في خطورتها مشكلتي الندرة والهدر معًا.
يؤثّر تلوث المياه على الناس في أنحاء العالم شتىّ ولكن أثره الأكبر على الإنسان يتركَّز في البلدان النامية وخصوصًا الأكثر فقرًا منها. فعلى الرغم من التحسُّن الذي طرأ في مجالي الحصول على المياه المأمونة والصرف الصحي في العقدين الأخيرين، لم تتعدِّل الصورة كثيرًا. ففي عالم يعيش فيه 2600 مليون نسمة، غالبيتهم في الدول النامية، من دون صرف صحي ينتهي الأمر بفضلات الإنسان في البرك والجداول ومصارف المياه وعلى الأرض المكشوفة. كما يتم تصريف أكثر من 90% من المياه العادمة في المجاري والأنهار والمياه الساحلية من دون أي معالجة وهذا ما يؤدي إلى خفض مستويات الأوكسيجين المذاب إلى أدنى حد. ونتيجة لهذا التلوث، تنتشر الأمراض التي تنقلها المياه ومنها الإسهال والدوسنتاريا والديدان المعوية والتهاب الكبد في عدد كبير من البلدان النامية. وتؤكد تقارير عديدة أن 90% من الأمراض في تلك البلدان سببها تلوث المياه.
ويؤكد تقرير التنمية البشرية للعام 1998 أن أشد درجات التلوث خطورة كانت في تلك الفترة في شرق آسيا وفي إفريقيا. وقد ذكر المصدر نفسه أن الأنهار الآسيوية إحتوت من البكتيريا الناتجة عن فضلات الإنسان ما مقداره 50 ضعفًا عن البكتيريا الموجودة في مجاري الأنهار في البلدان الصناعية، وأن الإسهال والدوسانتاريا كانا يسببّان ما نسبته 20% من مجموع الأمراض في البلدان النامية. وفي كل عام يؤدي تلوث المياه إلى حوالى ملياري حالة إسهال ينتج عنها وفاة خمسة ملايين شخص (منهم ثلاثة ملايين طفل). كما أدّت المياه الملوثة العام 1998 إلى 900 مليون حالة إصابة بالديدان المعوية و200 مليون حالة إصابة بالبلهارسيا(17).
كما ألحق تلوث المياه ضررًا بالغًا بمصايد الأسماك، وهي أحد المصادر الرئيسة لرزق الفقراء، إلى حد أن محاصيلها قد تدنّت بنسبة 40% خلال التسعينيات من القرن العشرين(18).
في مجال آخر، ذكر تقرير التنمية البشرية للعام 2006 أن 70% من المياه الموجودة في خمس من أكبر شبكات الأنهار السبعة في الصين شديدة التلوُّث حتى أنها لا تصلح للاستخدام البشري، وأن 14% فقط من مياه الصرف الصحي في أميركا اللاتينية تتّم معالجتها بينما يتم التخلُّص من الباقي في الأنهار والبحيرات، أو يُترك ليتسرَّب إلى المياه الجوفية. ويتوّلد عن المواد الطبيعية الموجودة في المياه غير المعالجة مخاطر تهدد حياة الملايين من البشر. فلقد أدى استخدام المياه الجوفية غير المعالجة إلى تعرض ما يقدّر بحوالى 60 مليون شخص (يعيش أكثر من نصفهم في بنغلادش) بالتسمّم بمعدن الزرنيخ. كما أظهر بعض المعلومات أن التسمّم بالفلور منتشر في ما لا يقل عن 25 بلدًا في العالم وهو يطال عشرات الملايين من البشر.
5-  إخفاق طرق إدارة المياه
إن توفير سبل الحصول على المياه يُعدّ واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه البشرية في مطلع القرن الحادي والعشرين. فقد دار جدال واسع منذ سبعينيات القرن العشرين حول المزايا النسبية لكل من القطاعين العام والخاص في إدارة المياه. ورأى البعض أن زيادة مشاركة القطاع الخاص تُعدُّ كوسيلة تلقائية للحصول على خدمات أكثر وأفضل لأن القطاع الخاص يمكنه توفير المياه بكفاءة أكبر، والحصول على مصادر للتمويل بصورة أفضل مع ضمان قدر أكبر من المساءلة والشفافية(19). بينما رأى آخرون أن المياه سلعة ضرورية وأن الحق الإنساني في الحصول عليها يتناقض بصورة جوهرية مع مبادئ السوق فلا بد من أن يبقى توفير هذه السلعة منوطًا بالقطاع العام على الرغم من أشكال الإخفاق العديدة التي أصابته في هذا المجال.
لقد ازدهرت عمليات خصخصة قطاع المياه في تسعينيات القرن العشرين في العديد من البلدان إنسجامًا مع المناخ العالمي العام الذي كان يدعو إلى إعادة اعتماد الليبرالية الاقتصادية والحدّ من دور الدولة في الإقتصاد. فهل شكلت الخصخصة حلاً لمشكلة المياه؟
نشير بدايةً إلى أن الخصخصة التامة التي هي عملية بيع وتصفية كاملة للأصول المملوكة للدولة كانت إجراءً نادر الحدوث في قطاع المياه في البلدان النامية، وربما تعتبر تجربة شيلي، التي خصخصت قطاع المياه بكفاءة عالية وإداء متميّز، هي المثل الأبرز في هذا المجال(20).
في الواقع شكلّت عقود الامتياز الشكل الأبرز للاستثمارات الخاصة في المياه في البلدان النامية، حيث كان بعض الشركات الخاصة الأجنبية والمحلية يتولَّى مسؤولية تمويل الشبكات وتشغيلها لفترة من الزمن قبل أن تعود ملكيتها للدولة. وقد نجح بعض تلك الإمتيازات في رفع مستوى الكفاءة وتقليل الكميات المهدورة وزيادة الإمدادات من المياه فضلاً عن تحسين الإيرادات وتوسيع مدى التغطية. ونسجّل في هذا المجال تجارب ناجحة في العديد من البلدان النامية كالمغرب والفيليبين وجنوب أفريقيا، بينما أخفقت في المقابل تجارب أخرى كما في بوليفيا وأندونيسيا والأرجنتين إثر إنهيار إقتصاد هذه الأخيرة العام 2001.
وقد ترتب على إخفاق بعض عقود الامتياز إحجام الشركات الخاصة عن الدخول في أي مشاريع مشابهة جديدة في البلدان النامية. فالشركات الخاصة عندما كانت تدخل كجهات مزوِّدة الخدمة في أسواق البلدان المتقدمة، كانت تَرِثُ هياكل وبنى تحتية متطورة نسبيًا (قد تكون بُنيت بفضل استثمارات عامة سابقة) تمكنّها من الحصول على المياه وتصريفها في سوق يتميَّز بمتوسطات مداخيل مرتفعة نسبيًا، بينما يؤدي وجود هياكل محدودة ومتداعية وإرتفاع مستويات الفقر في البلدان النامية إلى صعوبة التوفيق بين الجدوى التجارية وإمكان توفير المياه للجميع بسعر مقبول.
ويُعد التأجير أحد أشكال الشراكة الشائعة بين القطاعين العام والخاص في البلدان النامية. وفي هذا الشكل تعهد الحكومة بعملية إدارة إحدى الخدمات العامة إلى إحدى الشركات الخاصة مقابل أجر محدّد يعتمد في معظم الأحيان على كمية المياه التي يتم بيعها بينما تبقى الأصول مملوكة لشركة قابضة تعمل لمصلحة الحكومة(21).
وتمثّل عقود الإدارة شكلاً آخر للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهي عبارة عن ترتيبات تقوم بمقتضاها البلدية أو الحكومة بتحويل إدارة المؤسسة العامة إلى القطاع الخاص مع احتفاظ الدولة بملكية هذه المؤسسة. وبموجب هذا العقد تتقاضى الإدارة الجديدة بدل أتعاب الإدارة إلا أنّها لا تستفيد من الإداء المالي للمؤسسة الذي يذهب إلى الدولة.
في المحصلة كان لبعض برامج الخصخصة في قطاع المياه في البلدان النامية نتائج إيجابية، لكن الحصيلة الإجمالية لم تكن مشجعّة حيث ثَبُتَ أن الخصخصة ليست عصًا سحرية لتحقيق المساواة والكفاءة اللازمتين لتأمين المياه للجميع.
إلاّ أن الإخفاقات التي حصلت في عقود الامتياز وغيرها لا تمثل دليلاً كافيًا على انتفاء دور القطاع الخاص في هذا المجال، إنما تؤكد مدى الحاجة إلى مزيد من التكامل بين القطاع العام والقطاع الخاص. إذ أنه لا يمكن الاعتماد على القطاع الخاص وحده في البلدان التي تنخفض فيها معدلات التغطية لسببين: أولهما، تمتع قطاع المياه بالكثير من خصائص الإحتكار الطبيعي، لذا في حال عدم وجود قوة تنظيمية قوية لحماية المصلحة العامة من خلال فرض القواعد على الاستثمار والتسعير فإنه يُخشى حدوث أنواع من الاحتكار. وثانيهما، أنه في البلدان التي ترتفع فيها مستويات الفقر بين قطاعات السكان التي لا تصل إليها خدمة المياه يكون التمويل العام مطلبًا أساسيًا لزيادة إمكان الخدمة. كما أن النقاش في الخصخصة يمكن أن يؤجل أو يلغي الاهتمام بإصلاح المرافق العامة.
على العموم، وعلى الرغم من ازدياد عدد الأشخاص الذين يتلقون خدمة المياه من شركات مياه خاصة من 51 مليونًا العام 1990 إلى حوالى 300 مليون العام 2002 فإن شركات المياه العامة ما زالت تحتفظ لنفسها بنسبة تتجاوز 70% من إجمالي الاستثمارات عالميًا. وفي البلدان النامية ما زالت الجهات العامة توفر أكثر من 90 % من المياه التي يتم توصيلها من خلال الشبكات، في حين لا تصل نسبة السكان الذين يحصلون على خدمة المياه أو الصرف الصحي من شركات تابعة للقطاع الخاص بشكل كلي أو جزئي إلى 3%(22).
لقد استطاع بعض البلدان النامية إحراز تقدم سريع في عملية تزوّد المياه من خلال توافر قيادة سياسية مواكبة، ووضع أهداف قابلة للتحقيق، وضمان الاسترداد المستدام للتكاليف. كما أن مرافق عامة في بلدان نامية أخرى حققّت معايير تشغيل أفضل من تلك المعمول بها في بلدان متقدمة. فقد أثبتت تجربتا سنغافورة وبورتو اليغري في البرازيل خلال العقود الأخيرة أن المرافق العامة، حين يتم إصلاحها، يمكنها تحسين أدائها وتوفير المياه بسعر مناسب للجميع من دون تغيير في ملكية هذه المرافق.
إلاّ أن الصورة العامة لمرافق المياه العامة في البلدان النامية ليست كذلك، فالكثير من المرافق العامة في هذه البلدان يخذل السواد الأعظم من السكان حيث يجمع أداؤها بين عدم الكفاءة وعدم الخضوع للمساءلة من جهة، وضعف التمويل وعدم العدالة في التسعير من جهة أخرى، إذ أن المرافق العامة تكون متهمة بتوفير المياه بسعر زهيد للميسورين أكثر من اهتمامها بتوفير المياه بسعر مقبول للمعوزين.
من الواضح أن ضعف الجهات العامة المزوّدة خدمة المياه في البلدان النامية يعتبر جزءًا أساسيًا من المشكلة في مسألة توفير المياه. ومصادر هذا الضعف، وإن تباينت، فهي تكشف عن وجود أسباب تتكرَّر باستمرار مثل سوء الإدارة وتهالك الهياكل الأساسية من جراء عدم كفاية الاستثمارات وضعف الصيانة وقصور نظم إعداد الفواتير. وتؤدي العائدات المنخفضة بدورها إلى حلقة مفرغة من تدهور الأصول وفقدان المياه وقلّة الإستثمارات إلى جانب المزيد من التدهور في الهياكل الأساسية.
يُعدُّ التسعير الذي يحدّده المرفق العام جزءًا مهمًا من مشكلة التمويل إذ أنه لا يُغطي إلا جزءًا صغيرًا فحسب من تكاليف التشغيل. فخلافًا لواقع البلدان الغنية حيث تكون الاستثمارات في المياه وفيرة وهي تنبع من الاستثمار العام وحده أو من استثمار خاص تدعمه ضمانات من الحكومة، ترجع أوجه عدم الكفاءة في قطاعات المياه جزئيًا في البلدان النامية إلى النقص المزمن في تمويل الشبكات على مدار فترة طويلة من الزمن. ويبدو أنه من غير الممكن في هذه البلدان اعتماد سياسات تقضي باسترداد نسبة أكبر من التكاليف من الأسر القادرة على السداد الأمر الذي يؤدي إلى تعبئة العائدات لتمويل عمليات الصيانة وتغطية العجز الناجم عن عدم دفع بعض الأسر غير القادرة على السداد للمتوجبات المستحقة عليها.
من ناحية أخرى، إذا كانت إدارة المياه داخل حدود الدول على هذه الدرجة من التعقيد فإن إدارة المياه العابرة للحدود أكثر تعقيدًا. فالمياه تُعّدُ مصدرًا من مصادر الترابط الإنساني بين الأمم وأداة نزاع وتوتر بين الشعوب في أنٍ واحد، لأن المياه تعبُر الحدود الوطنية للدول وتربط بين مستخدميها عبر الحدود في نظام من الترابط الهيدرولوجي. فاثنين من كل خمسة أشخاص في العالم يعيشون في أحواض مياه دولية يتشارك فيها أكثر من بلد، فهناك، على سبيل المثال، 9 بلدان تتشارك في نهر الأمازون و11 بلدًا في نهر النيل (23).
مع الترابط الهيدرولوجي يأتي ترابط أكثر عمقًا، لأن المياه كأحد الموارد الانتاجية تنفرد باستحالة إدارتها لغرض واحد فقط بسبب تدفقها بين مختلف القطاعات والمستخدمين، وطريقة استخدام أي نهر في البلدان المشاطئة لمنبع النهر سوف تؤثر على كمية وتوقيت ونوعية المياه التي تصل إلى المستخدمين عند مصب النهر. وهذا يؤثر أيضًا على مستودعات المياه الجوفية والبحيرات.
لقد أدى التعاون الناتج في إدراة المياه المشتركة إلى فوائد كبيرة على صعيد التنمية البشرية وتخفيف حدّة الصراعات بين الدول في البلدان المتقدمة خصوصًا في بلدان الاتحاد الأوروبي.
أما في البلدان النامية، وعلى الرغم من وجود بعض حالات التعاون البنَّاء القليلة كتجربة التعاون بين البرازيل والأوروغواي كمثال، فالإدارة غير المتكافئة للمياه العابرة للحدود أدت إلى زيادة انعدام الأمن المائي، وإلى وجود كوارث بيئية عالمية كتقلُّص بحر أرال وجفاف بحيرة تشاد وغير ذلك من الكوارث التي أصابت البحيرات والأنهار المشتركة نتيجة الاستخدام المفرط للمياه كما في بلدان آسيا الوسطى وغيرها.
كما أن ضعف التعاون والتنسيق بين البلدان المشاطئة الأنهار الدولية يحول دون الوصول إلى تفاهمات تخفّف من حدة النزاعات على المياه، أو يزعزع تفاهمات واتفاقات سبق إقرارها.
6-  تغيّر الُمناخ
لقد مرّت الأرض طوال تاريخها بمراحل تأرجح فيها المناخ بين الفترات الباردة والدافئة، إلاّ أنها عرفت خلال القرون الأخيرة ارتفاعًا متزايدًا في درجات الحرارة أطلق عليه العلماء تسمية الاحترار العالمي.
وتغيّر المناخ، الذي كان يُعزى في الماضي إلى عوامل طبيعية عديدة مثل الفروقات المداريّة والتقلبات الشمسيّة والنشاط البركاني وبخار الماء والتركيز الجوي لغازات الدفيئة مثل ثاني أوكسيد الكربون وغازات دفيئة أخرى، بات يحدث اليوم بمعدلات أسرع وبأحجام وأنماط أقوى لا يمكن تفسيرها بالدورات الطبيعية فحسب.
وما يختلف في دورة الاحترار الحاليّة هو المعدل السريع الذي تزيد به تركيزات ثاني أكسيد الكربون، حيث زادت كمياته الجوية عن عصر ما قبل الصناعة بمعدل الثلث وهو معدّل لا سابق له طوال العشرين ألف سنة الأخيرة. وتشير الأدلة المأخوذة من بعض المقاطع الجليديّة إلى أن التركيزات الحالية من هذا الغاز تتجاوز المعدل الطبيعي للـ 650 ألف سنة الأخيرة من عمر الكون(24).
ومع أن دورة الاحترار الحالية ليست فريدة من ناحية الارتفاع في درجة الحرارة، إلاّ أنها متميّزة في جانب واحد مهم وهو أن دور البشر في تركيز ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي في تغيّر المناخ بات أكبر من الماضي بكثير وحتى أكبر من دور العوامل الطبيعيّة.
فلقد كان الجنس البشري يطلق ثاني أكسيد الكربون بمعدلات بسيطة عن طريق الاحتراق والتغيّرات في استخدام الأرض في فترة امتدت لأكثر من 500 ألف سنة من قبل عصر الصناعة، إلاّ أن استخدام الفحم بدلاً من طاقة المياه في الصناعة منذ أواسط القرن الثامن عشر، ثم استخدام البترول منذ أوائل القرن العشرين وبعده الغاز الطبيعي ضاعف معدلات انبعاث هذا الغاز بمعدلات كبيرة.
وفي القرن العشرين أدّى بعض النشاطات البشريّة، وأبرزها ظاهرة البيوت الزجاجيّة، إلى زيادة معدّلات الغازات المتولِّدة – وأبرزها ثاني أكسيد الكربون والميثان والأوزون – في الغلاف الجوي بنحو 30% عمّا كانت عليه قبل عصر الصناعة، وهذا ما أدّى إلى زيادة الاحترار العالمي.
يؤكد بعض التقديرات أن هناك احتمالاً بأكثر من 90 بالمئة بأن يكون معظم الاحترار العالمي الحالي مردّه إلى غازات الدفيئة الناتجة عن نشاط البشر، ويُستدّل على ذلك من استمرار ارتفاع درجة الحرارة على الأرض خلال العقدين الأخيرين في حين كانت المخرجات والاشعاعات الكونيّة القادمة من الشمس في طور الانخفاض(25).
وبالفعل لقد ارتفعت درجة حرارة الأرض على مدى المئة عام الأخيرة بمعدل 0.7 درجة مئويّة. وعلى أساس المقارنة بين العقود بلغ الاتجاه الخطي للاحترار العالمي خلال النصف الثاني من القرن العشرين ضعف الاتجاه الخطي للقرن المذكور بكامله. وربما كانت درجات الحرارة في النصف الثاني من القرن العشرين هي الأعلى في أي فترة نصف قرن منذ 1300 عام (26). كما اعتبرت إحدى عشرة سنة من أصل السنوات الإثنتي عشرة الممتدة ما بين 1995 و2006 الأكثر حرارة منذ العام 1850، واعتبر عقد التسعينيات من القرن العشرين الاكثر حرارة منذ القرن الرابع عشر.
بالإضافة إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض، تبرز تداعيات التغيُّر المناخي الأخرى من خلال بعض الظواهر مثل: تسارع معدل ذوبان الصفائح الجليديّة في القطبين والهضبات الجبليّة الضخمة، ارتفاع منسوب مياه البحار، انخفاض الجريان السطحي للمياه ومنسوب المياه الجوفية، زيادة درجة التبخر وانتشار الجفاف خصوصًا في المناطق الجافة، حصول أحداث مناخيّة متطرفة، وغير ذلك.
لقد شكّل بروز الظواهر المشار اليها أعلاه في العقدين الأخيرين، وما رافقها من هزّات وزلازل وموجات تسونامي، تحذيرًا قويًا للبشريّة جمعاء من الخطر المحدق بالبشر، وأمنهم المائي إن لم يتمكَّن العالم من وقف التزايد المتسارع في درجة حرارة الأرض.
رابعًا: آفاق تطوّر مشكلة إختلال الأمن المائي في القرن الحادي والعشرين
في مطلع القرن الحادي والعشرين أصبحت مسألة انعدام الأمن المائي تمثّل تهديدًا فعليًا لمستقبل التنمية البشرية بالنسبة إلى قطاع واسع ومتزايد من البشر لأن العوامل والظروف التي سببت هذا الإختلال آخذةٌ في التزايد والتفاقم.
فعلى صعيد زيادة السكان، من المتوقع إذا استمّرت معدلات الزيادة الحالية أن يصل تعداد سكان العالم إلى حوالى 8 مليارات نسمة بحدود العام 2025، وسترتفع نسبة سكان البلدان النامية من بينهم من 79% إلى 82%(27). وتشير التوقّعات إلى أن سكان العالم سيصبحون بحدود 9,5 مليار نسمة العام 2050، منهم 8 مليارات في البلدان النامية. وتتطلَّب تغذية هذا العدد المتوقّع من البشر – الذي يزيد بحوالى 2,4 مليار نسمة عن العدد الحالي – بمستوى كافٍ ثلاثة أمثال الوحدات الحرارية التي تُستهلك الآن أي ما يعادل 10 مليارات طن من الحبوب سنويًا. ولإنتاج هذا القدر يتعيّن زراعة كل أراضي المحاصيل الموجودة في العالم حاليًا بمعدل إنتاجية يعادل ثلاثة أمثال متوسط معدل الإنتاجية العالمية الحالي. وهذا ما سيؤدي إلى استمرار وتزايد عملية استبدال الزراعات التقليدية ولا سيما البعلية منها بأخرى مرويَّة تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه.
وباتت نسبة سكان المدن إلى إجمالي سكان العالم، التي كانت قد ارتفعت من 2% من سنة 1800 إلى 37% العام 1970، تزيد عن 50% في وقتنا الحاضر(28). ونسبة سكان المدن في البلدان النامية التي لم تكن تصل إلى 31% العام 1985 (مقابل 75% في البلدان المتقدمة) من المتوقع أن تصل إلى 57% العام 2025(29). ومن المعروف أنّه مع نمو ثروة العالم وتقدّم معدلات التصنيع وتحسّن مستويات المعيشة يزيد استخدام كل فردٍ من المياه بسرعة تفوق زيادة السكان.
تتّرتب على زيادة السكان ونمو سكان المدن في البلدان النامية نتيجتان اثنتان:
أولاهما، أن البلدان النامية ستشهد تزايدًا في عمليات سحب المياه من المتوقع أن تزيد العام 2025 بنسبة 27% عمّا كانت عليه أواسط التسعينيات من القرن العشرين، بينما ستشهد البلدان المتقدمة استقرارًا نسبيًا في معدلات السحب أو بعض الانخفاض أحيانًا(30).
والنتيجة الثانية أنه ستحدث عملية إعادة توزيع المياه لتتحوّل من التركيز على أغراض الزراعة إلى الصناعة والبلديات. وتشير التوقّعات إلى أن العام 2025 سيشهد انخفاضًا ثابتًا في معدلات استخدام المياه لري الأراضي على مستوى العالم ككل.
وإذا أخذنا بعين الإعتبار أنّ معظم البلدان المجهدة مائيًا، وأكثرها من البلدان النامية، يشهد معدلات نمو سكاني مرتفعة للغاية لوجدنا أن نصيب الفرد من المياه في هذه البلدان، وخصوصًا القاحلة منها، سيتناقص بمعدل سريع.
وإذا ما تخيّلنا استمرار المعدّلات الحالية في زيادة السكان فسيعاني حوالى 5 مليارات نسمة العام 2025 نقص المياه(31). وسيكون من بينهم ما يزيد عن 3 مليارات نسمة في بلدان مجهدة مائيًا وسيهبط 14 بلدًا من درجة الاجهاد المائي إلى درجة الندرة المائية(32). وبحلول العام 2080 يمكن أن يزيد عدد الذين يعيشون في بيئة نادرة المياه بما مقداره 1,8 مليار شخص إضافي(33).
إذن سوف يشكّل عدد السكان المتزايد والنمو السريع في أعداد سكان المدن في البلدان النامية عبئًا ثقيلاً على موارد المياه. فالتدفقات الطبيعية التي تأتي من الأنهار والمخزنّة في البحيرات، وفي طبقات المياه الجوفية هي التي تحدِّد معايير توافر المياه. وحيث أنّ التدفقات المستقبلية من المياه سوف تكون ثابتة بشكل أو بآخر فإن الإستهلاك الزائد سيؤدي إلى استنزاف الأصول المائية ومراكمة دَيْن هيدرولوجي لا يمكن سداده. في الواقع، يعاني بعض البلدان النامية أزمة دين هيدرولوجي تراكمت عبر عدة عقود خَلت. ومن المتوقع أن تزداد هذه الأزمة في المدى المنظور حدةً ونطاقًا، ولقد بلغت درجة من الحدّة تبدو معها البيئة وكأنها بلغت حدًا من عدم القدرة على تقديم أي خدمة بفعل تراكم الديون المائية.
ينعكس الإجهاد المائي على الإجهاد البيئي الذي يتمثّل بجفاف عشرات الأنهار (النهر الأصفر في الصين مثلاً)، وتقلّص العديد من البحار الداخلية والبحيرات (كبحر أرال وبحيرة تشاد وغيرهما)، وتناقص مناسيب المياه الجوفية. ففي الهند مثلاً ينخفض مستوى المياه الجوفية بأكثر من متر كل عام الأمر الذي يهدّد الإنتاج الزراعي مستقبلاً.
ولا يخفى ما لبعض الحلول والأجراءات التي اعتمدها بعض البلدان النامية بهدف تعزيز الإمدادات من المياه مثل تحويل مجاري الأنهار، وتشييد السدود والبحيرات، وإزالة ملوحة مياه البحر المرتفعة التكاليف، من تأثيرات سلبية على البيئة والمناخ والتنوّع البيولوجي حيث يصار إلى استخدام مياه السدود والبحيرات للشرب بعد معالجتها في وقت تهمل فيه الينابيع الطبيعية وثروات المياه الجوفية فتتلوَّث نتيجة تسرّب مياه الصرف الصحي وبقايا الترسبات الكيميائية الزراعية.
لقد أدّى إنشاء السدود العملاقة إلى نزوح ما بين 60 و80 مليون شخص من أماكن سكنهم خلال الخمسين سنة الأخيرة  من دون أن يحصل كثيرون منهم على تعويض عادل. كما تسبّب الكثير من السدود بأضرار اجتماعية وبيئية بالغة أبرزها ترسّب الطمي وارتفاع ملوحة التربة والقضاء على الغابات، بالإضافة إلى طمر بعض الأراضي الزراعية الخصبة في الأودية بينما يصار إلى استصلاح أراضٍ نصف قاحلة لتحويلها إلى أراضٍ زراعية. فلقد أدّت عملية إزالة الغابات والحرائق إلى القضاء على ثلث مساحة الغابات التي كانت موجودة على سطح الأرض وأحدثت تغييرات جوهرية على المساحات الباقية ما أدى إلى زيادة تغيّر المناخ وتناقص إمدادات المياه وحصول فيضانات تعقبها سنوات من الجفاف. ومن المتوقّع أن تؤدي التغييرات البيئية وتغيّر المناخ إلى حصول تأثيرات سلبية على صحة الإنسان واتساع عمليات التصحّر وارتفاع درجة تلوث المياه بمعدلات كبيرة.
1-  سيناريو تغيّر المناخ
إن الإحترار العالمي يحدث بالفعل منذ بداية الحقبة الصناعية، وقد أدَّت النشاطات البشرية المختلفة في القرن العشرين إلى زيادة معدل انبعاث غازات الدفيئة وارتفاع درجة حرارة الأرض بمعدلات متسارعة خصوصًا في العقدين الأخيرين من القرن المذكور.
لا يوجد حدٌّ دقيق يفصل بين تغيّر المناخ الخطير والآمن، إلاّ أن علماء المناخ يُجمعون على تحديد حافة الخطر بارتفاع درجة حرارة الأرض بمعدل درجتين مئويتين عمّا كانت عليه في بداية عصر الصناعة(34). لذا فقد تمّخض عن مؤتمر قمة الأرض الذي انعقد في مدينة ريو دي جانيرو العام 1992، عقد إتفاقية إطارية حول تغيّر المناخ أرست المبدأ الداعي إلى تثبيت نسبة الغازات المنبعثة من ظاهرة البيوت الزجاجية عند مستويات تحول دون تأثير الإنسان على المناخ. وتمّ تشجيع البلدان المتقدمة على بذل الجهود الممكنة كافة لتثبيت نسبة انبعاثات الغازات بحلول العام 2000 عند المستويات المسجلّة العام 1990(35).
نتيجة القناعة بوجود دليل علمي قاطع يربط بين الارتفاع في درجة الحرارة والزيادة في تركيز غازات الدفيئة فقد قضى بروتوكول كيوتو حول المناخ العام 1997 (والذي وضع موضع التنفيذ العام 2005) بضرروة الحد بنسبة 2,5% سنويًا من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون ابتداءً من العام 1990 وحتى العام 2010/2012. إلاّ أن الانبعاثات الإجمالية العالمية للغاز المشار إليه إستمرت في الارتفاع ولم يحد منها إلاّ الركود الإقتصادي الذي حصل في بعض البلدان في عقد التسعينيات من القرن العشرين قبل أن تعاود الارتفاع والتسارع بعد العام 1999 بسبب النمو الاقتصادي السريع في بعض الاقتصادات الناشئة خصوصًا في الصين والهند.
كما أن بعض الدول الصناعية وقّع على البروتوكول ولكنه لم يصدّق على المعاهدة التي تم إبرامها في حينه (الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا)، وبعض آخر لم يلتزم كفاية مضمون الاتفاق. كما أنه لم يتم اتخاذ سوى القليل من التعديلات على سياسات الطاقة المعتمدة في البلدان الصناعية، ولم يتم توفير الدعم اللازم لاعتماد التكنولوجيا النظيفة في الطاقة.
في كانون الأول/ديسمبر من العام 2009 أفضت قمة كوبنهاغن عن المناخ إلى خيبة أمل كبيرة حيث لم يحقق الاتفاق الذي خرجت به القمة الأهداف المطلوبة لتقليص انبعاثات غازات الدفيئة في المدى القريب، كما فشل في تحديد جدول زمني للتوصل إلى اتفاق ملزم حاليًا أو في نهاية العام 2010 أي في قمة المناخ المقررّة في مكسيكو. وتوقَّع تقرير حديث لوكالة رويترز أن تكون الانبعاثات من غاز ثاني أوكسيد الكربون قد ازدادت العامين 2008 و2009 على الرغم من الركود الاقتصادي إذ مقابل انخفاض هذه الانبعاثات في الدول الصناعية الغربية بمعدل 2,2% العام 2008، وربما بمعدل أكبر العام 2009 ما يجعلها أدنى بـ 6,7 % عمّا كانت عليه العام 1990، إزدادت الانبعاثات في دول أخرى عديدة مثل روسيا (بمعدل 1,9 %) والصين والهند وغيرها(36).
في وقتنا الحاضر، وقبل سنتين اثنتين من انتهاء العمل بمضمون بروتوكول كيوتو بيّن تقرير حديث صادر عن معهد الأرصاد الجوية الأميركي أنّ الأرض شهدت هذا العام (2010) أعلى معدل درجات حرارة لشهر آذار/مارس منذ بدء تسجيل بيانات الأرصاد الجوية العام 1880. ويؤكِّد التقرير أن معدّل درجات حرارة الأرض والمحيطات في آذار/مارس 2010 وصل إلى مستوى قياسي هو 13,5 درجة أي بإرتفاع قدره 0,77 درجة من معدّل القرن العشرين لهذه الفترة من العام(37)، بينما بلغ معدّل درجة حرارة الأرض والمحيطات عن الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2010 مقدار 13 درجة مئوية(38).
إن ما ورد في التقرير يؤكد أنّ مناخ الكرة الأرضية (اليابسة والمحيطات) قد اقترب من المرحلة الحرجة لتغيّر المناخ الخطر التي تؤدي إلى دمار بيئي يصعب تجنبّه وإلى انتكاسات سريعة في التنمية البشرية وتهدّد مصير البشر وأمنهم المائي.
2-  أعرض التغيّر المناخي
يُشكّل تغيّر المناخ أحد التهديدات الرئيسة لتوافر الأمن المائي في البلدان النامية. وإذا كان احتساب التوقيت الدقيق ومدى حدّة تهديد المناخ هو خارج  قدرة الإنسان على التنبؤ، إلاّ أن احتمال وقوعه ليس بعيدًا عن الواقع بل بات وشيكًا، إذ يتوقَّع معظم علماء المناخ أنّ درجة حرارة الكرة الأرضية تتجه إلى بلوغ المرحلة الحرجة عند ارتفاعها بمعدل درجتين مئويتين عما كانت عليه في بداية الحقبة الصناعية. ويؤكد بعض العلماء أنّ درجة حرارة الكوكب الأرضي ستزداد بمعدل أكبر إلى