الرئيسية / دراسات / التقييم الاستراتيجي لمستقبل اليابان والهند الجيوسياسي بعد العام 2014م
درسة3333

التقييم الاستراتيجي لمستقبل اليابان والهند الجيوسياسي بعد العام 2014م

تتناول هذه الدراسة الذاتية الموجزة ملخص قمنا من خلاله بإعادة تقييم لرؤيتنا الاستشرافية للمكانة الجيوسياسية لبعض من أهم القوى الأسيوية التي كنا قد تناولناها سابقا في كتابنا نهاية المركزية – الخارطة الجيوسياسية للقوى العالمية في العقد الثاني من القرن 21الصادر في العام 2011م، وتلك القوى الأسيوية التي تناولها الفصل الثالث من كتابنا سالف الذكر في الصفحات 179-250، هي ” اليابان – الهند ” حيث تعد هذه الدول من القوى الأسيوية التي يراهن العديد من الباحثين والمتخصصين حيال مستقبل قوتها ومكانتها الجيوسياسية تحديدا على رقعة الشطرنج الاوراسية أولا والعالمية ثانيا خلال هذا القرن، وقد أثبتت هذه القوى بالفعل مصداقية ذلك الرهان الى درجة كبيرة.
على ان ذلك لا يمنع من التحفظ على بعض الآراء والرهانات المتفائلة كثيرا حيال بعض التطلعات المستقبلية لتلك الدول او القوى الأسيوية الناشئة، كما أننا نود ان نوضح بان اختيارنا لهذه الدول لا يعني تفردها بالخارطة الجيوسياسية الدولية خلال المرحلة القادمة، فهناك بالطبع قوى أخرى سبقتها بأشواط على هذه القائمة كالصين وروسيا التي تعد اليوم الدولة رقم 2 على الخارطة الجيوسياسية العالمية بعد الولايات المتحدة الاميريكة، وقوى أخرى تسعى بقوة للدخول معها في منافسة على رقعة الشطرنج الاوراسية او الإقليمية كتركيا وإيران والباكستان، الا أننا بالفعل لا يمكن ان ننكر مكانتها المتقدمة على سلم المنافسة الجيوسياسية الاوراسية في الوقت الراهن، في جدول نرى من وجهة نظرنا انه يتشكل كالتالي من ناحية القوى الجيوسياسية الأسيوية المستقبلية وفق مقاييس القوة ومصادرها الذي سنتعرف عليه لاحقا وهي: (روسيا، الصين، اليابان،الهند، تركيا، إيران، باكستان).
تنويه – قمنا في هذا العام بإعادة تقييم للقوة الصينية بطرح منفصل تحت عنوان: التقييم الاستراتيجي للقوة الصينية بعد العام 2014م خلص ذلك التقييم الى ان الصين تسير حتى نهاية العام 2013م في الطريق الصحيح نحو هدفها المنشود، وهو أن تتجاوز الإقليمية حيث تعد الصين اليوم القوة الإقليمية الثانية بعد روسيا من الناحية الجيوسياسية، وتصبح قوة عالمية كما هو حال الولايات المتحدة الاميركية وروسيا رغم بعض المنغصات والعقبات التي تواجهها، وخصوصا من الناحية السياسية والجيوسياسية، وعلى وجه الخصوص حيال تلك القضايا التي تنظر إليها من وجهة نظرها الشخصية على أنها انتهاك لسيادتها القومية والوطنية التاريخية كالمسالة التايوانية وقضية الجزر المتنازع عليها مع اليابان على سبيل المثال لا الحصر، والتي تلاها القرار الصيني الخطير بإنشاء منطقة دفاع جوي تشمل كل الجزر غير المأهولة والخاضعة اليوم لسلطة اليابان، ما يترتب عليه تقاطع المنطقتين الدفاعيتين الجويتين الصينية واليابانية، وهو أمر يضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الاميركية الحليف الاستراتيجي لليابان.
عليه وبناء على المعطيات سالفة الذكر، وبالاعتماد على المسار الراهن والصحيح الذي تسير عليه الصين حتى نهاية العام 2013م مع افتراض أن يبقى سيناريو الاستمرارية هو السيناريو المعتمد لمستقبل الصين دون منغصات جذرية في الاقتصاد والسياسة يمكن أن يحول دون استمرار الصين في طريقها الصحيح للخروج من الإقليمية والاتجاه الى العالمية، فإننا يمكن أن نتوقع بان الصين ستنجح في عبور ذلك الخط الفاصل بين العالمية والإقليمية خلال الـ 15 سنة القادمة – وبمعنى آخر – مع حلول العقد الثالث من الألفية الثالثة – أي – العام 2030م، ولازلنا نؤكد انه لا يمكن للصين أن تصل الى مستوى القوة الاميركية العابرة للقارات حتى ذلك الوقت على اقل تقدير، وهذا على افتراض استمرار تراجع الهيمنة والقوة المركزية للإمبراطورية الاميركية حتى تصل الى نقطة التقاطع صفر مع الصين في نفس العام.
مقاييس صناعة القوة الجيوسياسية ومصادرها الأربعة:
لقياس مستقبل المكانة الدولية لأمة ما من الناحية الجيوسياسية، فإن هناك عدة المقاييس الدولية المتعارف عليها لدى منظري السياسة والتاريخ والجغرافيا، منها مقاييس صيغ القوة ومصادرها الأربعة المعروفة دوليا لدى العديد من المنظرين وهي: القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والايديولوجية، كذلك من خلال قياس مستوى الثروة والنفوذ، وعلى سبيل المثال اقترح كينيث والتز، عالم السياسة المعروف، خمسة مقاييس مختلفة لتقدير قوة الدولة، وهي: السكان، والمساحة، والموارد الطبيعية، والقدرات الاقتصادية، واستقرار وسلامة النظام السياسي، والقوة العسكرية، بينما يعتبر بول كينيدي، المؤرخ البريطاني، أن حجم السكان ومعدلات التحضر ومستوى التصنيع، واستهلاك الطاقة والمخرجات الصناعية، هي أيضا مقاييس أساسية للقوة.
كما كان لنا مقياسنا الخاص الذي وضعناه في العام 2010م لقياس المكانة الجيوسياسية لدولة او قوة ما، وأطلقنا عليه تقييم ” البوصلة ” لأنه يحدد الاتجاه الاستراتيجي والمستقبلي للقوى المؤثرة دوليا خلال مرحلة زمنية محددة على أسس معينة، نطمح من خلاله للوصول الى ابرز القوى المرشحة والمؤهلة للهيمنة والسيادة في مرحلة تاريخية معينة على رقعة الشطرنج الدولية او حتى الإقليمية، – صحيح ان هذا المقياس خصصناه في ذلك الوقت لقياس المكانة الدولية للقوى العظمى الا ان ذلك لا يمنع ان يؤخذ به بشكل ما على غيرها من القوى الناشئة – ومن أهم تلك الأسس التي اعتمدنا وبنينا عليها هذا التقييم النقاط والأسس التالية:

أولا – مدى التأثير الجيوسياسي والجيواستراتيجي الذي أحدثته تلك الدولة على رقعة الشطرنج العالمية خلال العقد الأول من القرن 21، و- بالطبع – فان التأثير المقصود يكون سلبا أو إيجابا،

ثانيا – مدى قدرة تلك الدولة وإمكانياتها الراهنة ” اللوجستية ” للتواصل والربط الجيوسياسي والجيواستراتيجي بين إمكانيات وقدرات الماضي – والمقصود بالماضي هنا – العقد السابق للتقييم والعقد الراهن او القائم.

ثالثا – القدرة على التأثير في مستقبل خارطة الشطرنج الدولية سلبا أو إيجابا من خلال الإمكانيات والقدرات الذاتية، – ونقصد بالإمكانيات هنا – الرؤية الاستراتيجية والفكر السياسي والاقتصادي والثقافي والقدرات العسكري المتاحة والمتوفرة لها حاليا والمتوقعة أن تحصل عليها مستقبلا، وبالتالي فان تصرفات تلك الدولة ستؤثر في القرارات الدولية بشكل رئيسي،كما وضحنا بعض الأفكار الأساسية التي قام على أساسها هذا التقييم، ومن ابرز:

أولا: أن العقد القادم – أي العقد الثالث – سيكون عقدا متعدد الأقطاب، وبالتالي فان ذلك سيحتم تلقائيا على بعض القوى – أي – القوى المؤثرة والمقصودة من خلال هذا التقييم، البدء في وضع خارطتها الاستراتيجية للهيمنة على رقعة الشطرنج الدولية، (لان هذه الهيمنة – بحسب ما يؤكده الخبير الأمريكي في العلوم السياسية جون ميرشهايمر – تضمن بناء على الظروف السائدة تحقيق أعظم أمن ممكن)، وعليه فان الاتجاه الى الهيمنة والسيادة العالمية سيكون شرطا أساسيا للمنافسة على رقعة الشطرنج الدولية.
ثانيا: لا يأخذ التقييم في الاعتبار التكتلات أو التحالفات الجماعية الدولية كأساس رئيسي لاعتبار الدول من القوى المؤثرة، بقدر ما يعتمد على التأثير الجيوسياسي والجيواستراتيجي الفردي الذي أحدثته تلك الدولة ويمكن ان تحدثه على خارطة الشطرنج الدولية خلال الفترة القادمة من خلال مساعيها للهيمنة والسيطرة الدولية وليس الإقليمية.
هل اليابان على وشك ان تصبح قوة عظمى تحل محل الولايات المتحدة الاميركية كعملاق المحيط الهادي، وربما حتى الأمة رقم 1 في العالم كله؟
بداية كان من المفترض ان تصبح اليابان اليوم منافسا اقتصاديا وعسكريا قويا للولايات المتحدة الاميركية وغيرها من القوى العالمية الكبرى على سيادة رقعة الشطرنج الدولية بحسب العديد من المراقبين والمحللين الدوليين المرموقين كعالم المستقبليات هيرمان كاهن في كتابه الأشياء المقبلة، وجاك أتالي في كتابه خطوط الأفق، وهما على سبيل المثال لا الحصر، ولم يكن ذلك التوقع بالطبع من محض الصدفة او الفراغ، بل كان واقع حال التحول الذي شهدته مختلف قطاعات الحياة في اليابان وتحديدا الجانب الاقتصادي منه يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بان هناك قوة عالمية حقيقية توشك على البزوغ من بين ركام الحروب.
وقد تنبأ الكثيرون لهذه القوة القادمة بأنها ستكون يوما الشريك وربما الند للولايات المتحدة الاميركية في تقاسم الجغرافيا السياسية العالمية، بالرغم من وجود عدد آخر من القوى الدولية الأكثر تأهيلا وقوة ومكانة عالمية كالصين وروسيا على سبيل المثال، وذلك لاعتبارات حقيقية جعلتها – أي – اليابان، خلال فترة زمنية قصيرة للغاية تتحول من دولة دمرتها الحروب، الى واحدة من أهم واكبر الاقتصاديات العالمية مع الولايات المتحدة الاميركية والصين منذ العقد الثامن للقرن العشرين وحتى يومنا هذا، كما تعتبر اليابان اليوم اكبر مقدم للقروض واكبر متبرع بالمساعدات الخارجية في العالم، والاهم من ذلك ان ذلك التحول السريع قد حصل في فترة زمنية قياسية لم تتجاوز العقدين من الزمن.
وبالفعل فقد ظلت الولايات المتحدة الاميركية وعدد آخر من القوى الكبرى في العالم حتى نهاية العقد التاسع من القرن العشرين تخشى من ذلك التحول المخيف والمتسارع الذي بدأ على الخارطة اليابانية، وقد ورد وصف بليغ لذلك القلق الذي كان يطبق على النفس الاميركية تحديدا في مقال لمجلة نيوزويك في سنة 1989م تحت عنوان ” ساعة القوة “، حيث قالت النيوزويك بان (السؤال المقلق في غرف الاجتماعات والمكاتب الحكومية حول العالم الآن هو، ما إذا كانت اليابان على وشك ان تصبح قوة عظمى تحل محل الولايات المتحدة الاميركية كعملاق المحيط الهادي، وربما حتى الأمة رقم 1 في العالم كله).

اليابان،، الفرصة الضائعة:

للأسف الشديد – فان اليابان وبالرغم من كل تلك الأوراق الرابحة والواقع القوي، والذي أهلها بكل سهولة لان تكون المنافس الاقتصادي الأقرب مع الصين للولايات المتحدة الاميركية خلال الفترة من عام 1990م وحتى نهاية القرن العشرين، إلا أنها اختارت البقاء كحليف استراتيجي- كما تدعي – لهذه الأخيرة، مع ان الأمر يبدو على غير ذلك، فالشراكة تختلف كثيرا عن التبعية والانقياد للنظام والسياسة الاميركية، لدرجة ان يصف هنري كيسينجر النظام السياسي الياباني بقوله: (ان اليابان وبعد هزيمتها في العام 1945م، تبنت نظاما سياسيا برلمانيا ودستورا جرت صياغة معظمه في مقر قيادة الاحتلال الاميركية).
ولا يبدو ان اليابان بالفعل قد استطاعت حتى منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ان تخلع جلباب التبعية الاميركية من على جلدها، كما هو حال واقع القارة الأوروبية حتى يومنا هذا، وان كان ذلك بالطبع لا يمنع بحال من الأحوال من محاولة الاستقلال الذاتي في بعض التصرفات والقرارات الخارجية السيادية كتعبير عن قومية متجددة للفكر السياسي الياباني، فهل هي عقدة الخوف التي خلفتها في نفوسهم القنبلة النووية الاميركية ما يجعل من اليابانيين بالرغم من كل تلك المؤهلات الاقتصادية والعسكرية والسياسية الكبرى، غير قادرين على تحقيق ذلك الطموح المشروع في الاستقلال بفكر جيوسياسي عالمي، يضمن لهم بعض التفوق والقوة الجيوسياسية والجيواستراتيجية على رقعة الشطرنج الدولية خلال العقد الثاني من نفس القرن، او حتى من خلال تواجد قوي في نظام عالمي تعددي تعاوني.
يجيب عن هذا السؤال ريتشارد هاس، وهو رئيس لجنة الشؤون الخارجية بوزارة الخارجية الاميركية في كتابه الفرصة بقوله (… بل علاقة هذا التردد هي مع النقاش الداخلي الذي لم يصل بعد الى نتيجة حول دور اليابان في العالم، والى أي مدى يجب ان تظل اليابان حالة خاصة بسبب التركة التي خلفتها لها الحرب العالمية الثانية، أي تركة العدوان المسلح، مع ذلك فان التوجه السائد واضح: انه توجه نحو ان تصبح اليابان أوفر نشاطا في العالم، وأكثر من مجرد قوة اقتصادية ذات بعد واحد).
وفي حقيقة الأمر هناك عدد ليس بالهين من التحديات والإشكاليات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية التي واجهتها وتواجهها القوة اليابانية منذ العام 1950، وهى ما جعلتها تعيش تلك الحالة من التبعية والعزلة الاختيارية والخوف الزائف من التغيير الكلي، بالرغم من السعي الرسمي الحقيقي والواضح لتغيير ذلك الواقع لدولة عصرية تملك واحدا من أقوى الاقتصاديات في العالم، ووجود ذلك الكم الهائل من الأوراق الرابحة لتحولها الى قوة عالمية حقيقية خلال السنوات القادمة، وهو ما يجعلنا نتوقع بداية ذلك التحول على اقل تقدير خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
وبالفعل فمع مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتحديدا في العام 2000م، طالبت لجنة شكلها رئيس الوزراء يوشيرو موري حول أهداف اليابان في القرن الحادي والعشرين، بان تعيد اليابان اكتشاف نفسها من جديد، بعدها بسنة كتب هيساتشي أوأدا بالانترناشنال آفيرز مقالا له تحت عنوان ” تشكيل النظام العالمي العام ودور اليابان ” قال فيه: (ونظرا لضعف العملية السياسية، والحاجة الى إزالة القيود الحكومية اليابانية، والسكان الزاحفين الى الشيخوخة، ومقاومة الهجرة، فان مثل هذا التغيير لن يكون سهلا، وقد يستغرق استكماله عشر سنوات او أكثر)، ولكن هل فعلا كانت العشر سنوات التي توقعها هيساتشي أوأدا وعدد آخر من الكتاب والمحللين الدوليين كافية لعودة اليابان الى الساحة الدولية كلاعب استراتيجي حقيقي، يمكن له ان يكون يوما ندا حقيقيا للاعبين استراتيجيين موجودين فعلا على رقعة الشطرنج الدولية كالولايات المتحدة الاميركية والصين وروسيا؟

البداية اليابانية في الطريق نحو التحول الى العالمية:

الأمر الآخر الذي نود الإشارة إليه هنا، هو ان العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ربما سيكون اقرب للنقطة المفصلية لبداية تحول اليابان نحو العالمية، ولا نعني بذلك الاقتصاد الياباني العالمي أصلا منذ ثمانينيات القرن العشرين، بل نشير الى القوة السياسية والعسكرية اليابانية التي ستبدأ بالظهور والتشكل شيئا فشيء خلال هذه الفترة، وخصوصا ان هناك الكثير من الظروف المحيطة باليابان، والتي تفرض عليها بكل قوة تبني هذا الخيار الاستراتيجي الصعب والمكلف، والذي حاولت اليابان حتى وقت قريب ان تنأى بنفسها عنه في ظل وجود الحليف الاميركي، فمن المرجح أن اليابان ستتأثر كثيرا بالملف النووي الكوري الشمالي والتسلح الصيني المستمر والمتزايد، وعدد من القضايا العالمية التي تهدد مصالحها الإقليمية والدولية، ولذا فإنها سوف تتجه بكل تأكيد نحو تنمية قدراتها الدفاعية وتعزيز بنيتها السياسية والعسكرية الاستراتيجية، وتحديدا اللوجستية منها بشكل تدريجي خلال الفترة القادمة، وذلك من خلال التفكير في أدوات الدعم اللوجيستي للمصالح الخارجية، والتطلع الى مزيد من المشاركات الخارجية السياسية منها والعسكرية، وذلك لإثبات الوجود والمكانة الإقليمية، ومنها بالطبع التأكيد على الدور الياباني العالمي الجديد.
وهو ما برز بالفعل خلال الفترة من العام 2001م وحتى يومنا هذا، وذلك من خلال مشاركة جنودها في ثماني عمليات لحفظ السلام تقوم بها الولايات المتحدة الاميركية وخمس عمليات إغاثة دولية، مع ملاحظة عدم وجود تفويض دولي واضح او تفويض من الأمم المتحدة للقيام بأغلب تلك العمليات، وفي ظل وجود قوانين سياسية يابانية تاريخية صارمة تمنع القيام بإرسال جنود يابانيين للقيام بمثل تلك العمليات خارج القطر الياباني، وهو ما استدعى في وقت من الأوقات ضرورة تغيير بنود كثيرة في الدستور الياباني الذي لم يتغير منذ الحرب العالمية الثانية، فعلى سبيل المثال لا الحصر قامت اليابان بإرسال قواتها خارج حدودها الإقليمية للمشاركة في قوات التحالف في العراق عام 2004 م، وكذلك من خلال إرسال سفنها في مهمات لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال منذ مطلع العام 2008م، وكذلك في عملية دوام الحرية في أفغانستان وغيرها من المشاركات الخارجية وأخيرا وليس آخرا بناء اليابان لأول حاملة طائرات لها في تاريخها الحديث وهي ايزومو.
ولا ننسى ان اليابان حتى وقت قريب كانت تطالب بمقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يتناسب وقوتها الاقتصادية الهائلة، بالرغم من تعنت الصين ووقوف كوريا الشمالية ضد تلك الرغبة، كذلك فان القوة الناعمة والطرية التي تمتلكها اليابان، والتي تتمثل في القوة التكنولوجية والعلمية الهائلة، وتصدرها الرتب المتقدمة عالميا في براءات الاختراع والتصنيع، ومبيعات الكتب والموسيقى وفي عدد مضيفي شبكة الانترنت وتقديم المساعدات الإنمائية وغيرها الكثير، تؤهلها بكل جدارة الى الارتقاء الى مصافي الدول التي سيكون لها مكانة مرموقة وقوة إقليمية أسيوية خلال الفترة القادمة من عمر القرن الحادي والعشرين، ولكن ذلك بالطبع وبحسب المعطيات السابقة لن يكون كقوة جيواستراتيجية عالمية سياسية وعسكرية كما هو الحال مع الولايات المتحدة الاميركية والصين وروسيا، ولكن هو اقرب الى الإقليمية منه الى العالمية، وذلك حتى إشعار آخر.

لا يزال الوقت مبكرا بالنسبة للهند:

قد لا يكون العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين هو عقد الهند الذهبي، والذي نستطيع ان نؤكد فيه بأن هذا العملاق الآسيوي القادم بقوة، سيستطيع ان يبرز كمنافس عالمي مؤثر في مجريات التاريخ الحديث ومتغيرات الجغرافيا السياسية على رقعة الشطرنج الدولية، فالهند بالرغم من جميع إمكانياتها ومؤهلاتها السياسية والاقتصادية والتاريخية والديموغرافية والجغرافية الجبارة، لن تستطيع – من وجهة نظرنا الشخصية ـ ان تبرز كقوة جيوسياسية او جيواستراتيجية عالمية مؤثرة تحديدا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
فالفكرة التي تروج الى تلك الغاية تتطلب المزيد من الوقت والجهد، ـ أي – أنها من الناحية التحليلية العلمية ليست متاحة للهند في الوقت الراهن، ولكن ما نستطيع التأكيد عليه تحديدا هو ان عشر سنوات قادمة ستكون كفيلة وكافية للتأكيد على مكانة الهند الإقليمية كقوة بازغة ومنافسة في القارة الأسيوية تحديدا، وخصوصا في ظل ما تعيشه الهند حاليا من متغيرات وتحولات بناءة نحو السعي لتحقيق ذلك الهدف المشروع، شريطة بقاء تسارع النمو والتقدم التكنولوجي والعلمي على ما هو عليه اليوم، كما إننا نستطيع ان نؤكد على ان الهند ستكون خلال هذا العقد من القرن الحادي والعشرين واحدة من أهم وابرز اللاعبين الإقليميين بعد التنين الصيني والعملاق الياباني، وبالتالي فإننا سنعتبر العقد القادم بالنسبة للهند، اقرب الى سنوات بناء وتأكيد المكانة الإقليمية منها الى الزعامة العالمية.

عقبات في طريق الهند:
كما سلف وقلنا انه لقياس مستقبل المكانة الدولية لأمة ما، فإن هناك عدة مقاييس دولية متعارف عليها لدى منظري السياسة والتاريخ، منها مقاييس صيغ القوة ومصادرها الأربعة المعروفة دوليا لدى العديد من منظري التاريخ السياسي وهي: القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والايديولوجية، كذلك من خلال قياس مستوى الثروة والنفوذ، وعلى سبيل المثال اقترح كينيث والتز، عالم السياسة المعروف، خمسة مقاييس مختلفة لتقدير قوة الدولة، وهي: السكان، والمساحة، والموارد الطبيعية، والقدرات الاقتصادية، واستقرار وسلامة النظام السياسي، والقوة العسكرية، بينما يعتبر بول كينيدي، المؤرخ البريطاني، أن حجم السكان ومعدلات التحضر ومستوى التصنيع، واستهلاك الطاقة والمخرجات الصناعية، هي أيضا مقاييس أساسية للقوة.
فإذا ما عكسها تلك المقاييس سالفة الذكر على الهند، فإننا نستخلص التالي بشكل تقريبي: يتجاوز عدد سكان الهند المليار و150 مليون نسمة، كما تحتل المرتبة السابعة من حيث المساحة عالميا، شهدت الهند حضارات العالم القديم، وتاريخيا كانت مركزا لعديد الطرق التجارية المهمة، ومستقرا لعدد كبير من الديانات واللغات واللهجات القديمة والحديثة، أما اقتصاديا فيحتل الاقتصاد الهندي المركز العاشر عالميا من حيث تبادل العملات، والرابع من حيث معادل القوة الشرائية (PPP)، للهند احتياطات من النقد الخارجي تبلغ حوالي 143 بليون دولار تقريبا.
وفي نفس السياق يؤكد الباحث جون0د0دوناهيو في كتابه ” حسن الإدارة في عالم اخذ في التعولم ” أن الهند تملك حاليا معدلا للنمو يفوق الـ 6%، على عكس ما كان عليه سابقا حيث لم يتعدى الـ 1 – 2%، وفي الهند طبقة وسطى آخذه في البروز تتألف من ملايين الناس، والإنجليزية لغة رسمية يتحدث بها عدد يراوح بين 50 مليونا و100مليون من الناس، وبالبناء على هذه القاعدة فإن صناعة المعلومات الهندية آخذه في لعب دور انتقالي، وبالإضافة الى ذلك فإن الهند قوة عسكرية لديها عدة عشرات من الأسلحة النووية، وقذائف ذات مدى متوسط، وـ أكثر – من 1.2 مليون عسكري، أما فيما يتعلق بالقوة الناعمة الطرية، فقد أقامت الهند الديموقراطية وظلت تعتبر من قادة بلدان دول عدم الانحياز أثناء الحرب الباردة، وللهند مهاجرون ذوو نفوذ وتأثير في الخارج، وصناعتها السينمائية ـ بوليوود ـ هي الأكبر في العالم من حيث عدد الأفلام المنتجة سنويا، بالمقاربة مع هوليوود في أجزاء من آسيا والشرق الأوسط.
وتعد الشراكة الهندية الروسية من ابرز الأوراق الرابحة التي تلعب الهند عليها للدخول الى سلم القوى الجيوسياسية في العقود القادمة حيث وقعت الهند وروسيا على 25 وثيقة تعاون في مجال الطاقة النووية السلمية. وتم تحديد خطط لبناء مفاعلات نووية في الهند، وإنتاج مشترك لليورانيوم الطبيعي والوقود النووي وإتلاف النفايات النووية. وروسيا سوف تبني للهند أكثر من اثني عشر مفاعلاً دون الأخذ بعين الاعتبار العقوبات على محطة كودانكولام للطاقة النووية، والحديث هنا لا يدور فقط حول التجارة في الخدمات النووية، أو البضائع، أو حتى التكنولوجيا، وإنما حول إنشاء صناعة كاملة للهند من قبل روسيا،
ولأول مرة في تاريخ علاقاتنا التجارية، تمكنا من الاتفاق على إبرام عقود طويلة الأجل لتوريد النفط إلى الهند. حيث تم التوقيع على عقد أولي من قبل “روسنفت” وشركة إيسار- أكبر مكرر ومورد للمنتجات النفطية إلى السوق الهندية وأسواق المنطقة. وينص العقد على تسليم هذه المنتجات ابتداءً من عام 2015. والحديث يدور عن 10 ملايين طن سنوياً لمدة 10 سنوات مع خيار التمديد، كما قامت روسيا في العام 2012م بإدخال الهند الى عالم حاملات الطائرات من خلال حاملة طائرات ايه سي أدميرال جورشكوف روسية الصنع.
تبقى هناك بعض الإشكاليات الرئيسية الداخلية منها والخارجية، والتي قد تبطئ من تسارع وتيرة المدنية والتقدم الهندي المستقبلي خلال الفترة القادمة، وبالتالي بروز الهند كمنافس عالمي بالدرجة الأولى، فداخليا على سبيل المثال لا الحصر تظل الأمية والفقر وتزايد الفجوة الأخذة في التسارع بين المناطق الفقيرة والغنية، والخلافات حول بعض الإصلاحات الديموقراطية من أهم التحديدات التي تواجهها الهند اليوم، أما على الصعيد الخارجي فتواجه الهند عدة إشكاليات رئيسية أهمها:ـ الصراع الهندي – الباكستاني، والمنافسة الصينية ـ اليابانية الإقليمية، كذلك صعوبة التوازن في الإلية الاستراتيجية السياسية في علاقاتها الخارجية مع الولايات المتحدة الاميركية، ولكن ذلك بالطبع لن يستطيع الحد او إيقاف طموحاتها المستقبلية الجيوسياسية، فقطار التقدم والمدنية والمنافسة الهندية الإقليمية على وجه الخصوص قد تحرك بوتيرة آخذه في التسارع والتقدم الثابت منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، ليبلغ ذروته مع نهاية عقد التسعينات وبداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
نعم…. قد تشكل العقبة الخارجية للقيادة الهندية خلال المرحلة القادمة، وخصوصا كون الهند تتطلع للحصول على موطأ قدم لها بين العمالقة الكبار خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، نوعا من الأرق والقلق المتزايد لقياداتها السياسية والعسكرية، فالهند وبحسب رؤية منظر السياسة الخارجية الاميركية زبغينيو بريجنسكي (تمتلك رؤية جيوستراتيجية لدورها الإقليمي سواء بمواجهة جيرانها او في المحيط الهندي، الا ان طموحاتها في هذه المرحلة لا تتطفل الا هامشيا على المصالح الاوراسية) كما أنها لا تشكل في الوقت الراهن – المدى القريب – مصدرا للقلق الجيوبوليتيكي لروسيا والصين، وهما اقرب المنافسين لقوتها الجيوسياسية والجيواستراتيجية، هذا بخلاف التفاوت الواضح للنظرة الاميركية للدور الهندي العالمي، وهو ما شكل في كثير من الأحيان نوعا من التهميش وبرود العلاقة بين الطرفين، وشعور القيادة الهندية بالإحباط وعدم الرضا.
وفي هذا السياق يقول آن في سوبراماتيان وهو كاتب ومحرر صحفي بارز بصحيفة News Insight وهي مجلة هندية للشؤون العامة: ان الولايات المتحدة الاميركية وفي عهد إدارة الرئيس الاميركي الـ 44 باراك أوباما قد قامت (بإهمال الهند بينما تقوم بإصلاح العلاقات الاميركية مع أوروبا الناتو وروسيا، وتشرك الصين من جديد، وتسترضي اليابان، وتركز طاقاتها العسكرية لإنقاذ أفغانستان وباكستان من القاعدة وطالبان، وسقطت الصفقة النووية الهندية ـ الاميركية التي أخذت العلاقات الثنائية إلى أوجها في إدارة بوش السابقة، من قائمة أولويات الرئيس باراك أوباما، والتي قد تكون في خطر فعلا بمتابعته لمعاهدة حظر التجارب الشاملة، لأنها تضع الهند تحت ضغط هائل لتجربة رادعها غير الكامل).

الهند،،، البحث عن موطئ قدم بين الكبار:

اشرنا في كتابنا سالف الذكر بان مستقبل الهند الجيوسياسي والجيواستراتيجي ستتحدد معالمه الاستراتيجية خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لتصبح الهند واحدة من أهم القوى الإقليمية المنافسة والبازغة في القارة الأسيوية فقط خلال تلك المرحلة، ولكنها بالطبع ستأتي لاحقا بعد قوى الصف الثاني في القارة الأسيوية – ونقصد – الصين واليابان، ورابعا بدخول روسيا اللاعب القاري الرئيسي والثاني عالميا، وهذا فقط في حال لم تتحد بعض الدول سالفة الذكر لتشكل معا تحالفا إقليميا ومنه عالميا وان كان فضفاضا، ـ ونقصد – تحالف روسي – صيني – هندي، وبالتالي فان الهند وفي تلك اللحظة سيتم النظر إليها كجزء من تحالف عالمي لا منافس له مطلقا، وخصوصا كونه يحوي قوة عالمية مستقبلية عظمى وهي روسيا، بالإضافة الى الصين والهند وهما قوتين إقليميتين قاريتين، رغم ان الاحتمال الأرجح هو ان تصبح الهند جزءا من مجموعة الدول الأسيوية التي ستميل الى خلق توازن استراتيجي مع الصين خلال العقد الثالث من القرن 21.

* باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية